بنتك مش عميا

لمحة نيوز

بنتك مش عمياء مراتك هي اللي بتحط لها حاجة في الأكل!
الجملة دي قالها لي ولد مشرد، يمكن عنده عشر سنين، عمري ما شوفته قبل كده.
بس في ثواني قليلة الكلام ده هزّ كل حاجة كنت مصدقها طول الست شهور اللي فاتوا.
كل تشخيصات الدكاترة، وكل التحاليل والأشعات، وكل الفلوس اللي دفعتها عشان أعرف بنتي مالها
فجأة بقت ولا حاجة.
لأن الاحتمال اللي جه في دماغي وقتها كان أبشع من فكرة إن بنتي الصغيرة تفقد نظرها
إن حد من جوّه بيتي هو اللي بيتعمد يضيّع عينيها.
اسمي رأفت المراكبي.
وعلى مدار أكتر من عشرين سنة، اسمي كان كفاية يخلي رجال أعمال كبار يتكلموا بصوت واطي، ورجالة خطر تعيد حساباتها قبل ما تقف في طريقي.
كان عندي ملاهي ليلية، ومخازن، وشركات نقل، وشركات حراسة خاصة وشغل تاني محدش بيحب يسأل عنه.
الفلوس كانت بتجيب الولاء.
والخوف كان بيجيب السكوت.
لكن لا الفلوس ولا الخوف قدروا ينقذوا بنتي.
كانت قاعدة جنبي على دكة قديمة في جنينة عامة، وإيدها الصغيرة ماسكة عصاية بيضا.
اسمها ليان.
سبع سنين بس
ومع ذلك، كانت لابسة بلوفر تقيل رغم إن الجو كان حر، ووشها شاحب بشكل يوجع القلب.
من ست شهور، نظرها بدأ يضعف واحدة واحدة.
في الأول كانت بتخبط في الحاجات.
بعدها بقت مش شايفة من بعيد.
وبعدين بقت تسألني عن حاجات كانت قدام عينيها.
ما سبتش دكتور إلا وروحت له.
جبت لها دكاترة من القاهرة، وسافرت بيها إسكندرية، وعملت لها تحاليل وأشعات وفحوصات غالية جدًا.
كنت مستعد أدفع أي مبلغ بس أعرف بنتي مالها.
وفي كل مرة كانت الإجابة واحدة
حالة نادرة.
بتتطور تدريجيًا.
ومفيش علاج مضمون.
كنت بحاول أبان قوي قدامها
لكن كل ليلة، لما كانت تنام، كنت بقعد لوحدي وأفكر
هو أنا هفضل أشوف بنتي وهي بتفقد نور عينيها واحدة واحدة؟
فجأة سمعت صوتها جنبي
بابا؟
بصيت لها بسرعة.
نعم يا حبيبتي؟
سكتت شوية، وبعدين سألتني بصوت خافت
هو الليل جه؟
قلبي اتقبض.
بصيت للسما.
كانت لسه الضهر.
لأ يا حبيبتي لسه بدري. يمكن السحاب مغطي الشمس بس.
كنت لسه هطبطب عليها
لما لمحت ولد واقف تحت شجرة على بُعد كام متر.
كان شكله في حدود عشر سنين.
هدومه متبهدلة، وجزمته مقطوعة من قدام، ووشه نحيف وعينيه غائرة كأنه بقاله أيام ما أكلش كويس.
كان واقف يبص علينا.
بصيت له بحدة.
مش معايا فكة يا ابني روح شوف حد غيري.
لكنه ما اتحركش.
فضل واقف ثواني
وبعدين مشي ناحيتي مباشرة.
وقتها استغربت.
لأن أغلب الناس كانت بتخاف تقرب مني أصلًا.
أما الولد ده، فوقف قدامي وقال
بنتك مش مريضة يا باشا.
وقفت ببطء.
إنت قلت إيه؟
بص ناحية ليان، وبعدين رجع بص لي.
بنتك مش بتفقد نظرها لوحدها.
حسيت إن في حاجة غلط في كلامه.
نبرة صوته كانت غريبة
مش نبرة طفل بيطلب فلوس.
إنت تعرف إيه عن بنتي؟
ما ردش.
بدل كده قال
خليك واخد بالك من أكلها.
وشي اتغير.
إنت بتتكلم عن إيه؟
قرب خطوة وقال
خد بالك مين بيحضّر لها الأكل
وسكت لحظة.
وبعدين كمل
وخد بالك إيه اللي بيتحط فيه قبل ما تاكله.
في اللحظة دي، كل حاجة حصلت خلال الست شهور اللي فاتوا عدّت قدام عيني.
الأدوية.
التحاليل.
تعب ليان.
نوبات الدوخة.
الأيام اللي كانت بتصحى فيها وتقول إنها مش شايفة كويس.
شدّيت الولد من دراعه.
مين اللي بيحط لها حاجة؟
اتوتر وحاول يبعد إيدي.
قول لي!
بص حواليه بخوف.
مين؟
صوته نزل لدرجة إني بالعافية سمعته
مراتك.
إيدي سابت دراعه فورًا.
ثواني
وما بقيتش سامع صوت العربيات، ولا صوت الناس في الجنينة، ولا حتى صوت ليان.
مراتي؟
هي اللي بتأذي بنتي؟
أنا قابلت ناس كدابة كتير في حياتي.
وعرفت ناس خانتني.
وفي ناس دفعت تمن خيانتها غالي جدًا.
لكن محدش
محدش قبل كده اتجرأ يتهم حد من أهل بيتي إنه بيأذي بنتي.
قربت من الولد تاني وقلت
إنت عرفت الكلام ده منين؟
الولد بلع ريقه.
شفتها.
شفت مين؟
بص ناحيتي، وبعدين ناحية ليان.
شفت مراتك وهي بتحط حاجة في أكلها.
سألته
إيه الحاجة دي؟
هز راسه.
معرفش اسمها بس بعد ما كانت بتاكل، كانت عينيها بتوجعها.
حسيت ببرودة في جسمي رغم حرارة الجو.
وإنت كنت بتراقبها ليه؟
الولد اتردد.
وبعدين قال
عشان
سكت.
عشان إيه؟
بص وراه فجأة.
وشه اتغير.
الخوف ظهر في عينيه مرة واحدة.
وبصوت واطي جدًا قال
هي عرفت إني شوفتها.
اتلفت بسرعة.
مين؟
الولد ما ردش.
كان باصص ورايا.
عينيه اتفتحت على الآخر.
ووشه شحب.
بصيت له، وبعدين بدأت ألف ببطء.
وقبل ما أشوف مين واقف ورايا
همس الولد
هي هنا.
في اللحظة دي، ولأول مرة من أكتر من عشرين سنة
ما فكرتش كرجل أعمال، ولا كرجل الناس بتخاف منه.
فكرت كأب.
أب كل اللي يهمه في الدنيا إن بنته الصغيرة تفضل قادرة تشوفه.
ولأول مرة
خفت أعرف الحقيقة.
لأن لو الولد كان صادق
فعدوي مش واقف برّه بيتي.
عدوي كان عايش معايا وبيأكل معايا وبيحضن بنتي كل يوم.
الفصل الأول
لفّيت ببطء.
وفي اللحظة اللي عيني وقعت عليها
حسيت إن الدم اتسحب من وشي.
كانت مراتي، ناهد.
واقفة على بُعد خطوات مني.
لابسة فستان صيفي بسيط، ونظارة شمس فوق شعرها، وفي إيدها شنطة صغيرة.
لكن اللي شدني مش شكلها
كان تعبير وشها.
كانت بتبص للولد.
مش لي.
نظرتها كانت مليانة خوف وغضب في نفس الوقت.
وأول ما عيني قابلت عينيها، حاولت تبتسم.
ابتسامة متوترة.
وقالت
رأفت؟ إنت بتعمل إيه هنا؟
ما رديتش.
بصيت للولد.
الولد كان رجع لورا خطوتين، ووشه اتقلب أبيض.
ناهد قربت مني.
أنا بدور عليكم من بدري ليان قالتلي إنك هتخرج بيها شوية.
كنت مركز معاها بشكل مخيف.
إنتِ عرفتي إننا هنا إزاي؟
ضحكت ضحكة صغيرة.
يعني إيه عرفت؟ ما إنت قلتلي إنك هتخرج بيها.
أنا ما قلتلكيش إحنا هنروح فين.
سكتت.
لثانية واحدة بس.
لكن الثانية دي كانت كفاية.
أنا طول عمري بعرف أقرأ الناس.
اللي بيكدب بيحاول يسبق السؤال.
واللي خايف بيحاول يغير الموضوع.
واللي عنده سر
بيبان في عينه قبل لسانه.
ناهد قالت بسرعة
يمكن ليان قالتلي.
بصيت لبنتي.
كانت قاعدة على الدكة، ماسكة العصاية بإيدها الصغيرة.
ليان؟
البنت رفعت وشها.
إيه يا بابا؟
ماما كانت عارفة إننا هنا؟
هزت راسها.
لأ.
ناهد اتوترت.
يمكن نسيتِ يا ليان.
ليان قالت ببساطة
أنا ما قلتلهاش.
سكت المكان كله.
بصيت لناهد.
لكن قبل ما أقول أي كلمة
الولد جري.
جريت وراه خطوتين، لكن وقفز فوق سور قصير واختفى بين الناس.
ناديت عليه
استنى!
ما وقفش.
بصيت ورايا.
ناهد كانت بتبصلي.
إنت مصدق كلام العيل ده؟
سألتها بهدوء
قال إيه؟
وشها اتغير.
معرفش.
يبقى ليه بتسأليني إذا كنت مصدقه؟
ما ردتش.
قربت منها.
ناهد إنتِ بتخبي عني حاجة؟
ضحكت بعصبية.
إنت اتجننت؟ بنتنا عندها مشكلة في عينيها وإنت واقف تستجوبني عشان كلام طفل شحات؟
الكلمة الأخيرة وقفتني.
طفل شحات.
الطريقة اللي قالتها بيها كانت غريبة.
مش مجرد احتقار.
كان فيها خوف.
قلت
إنتِ تعرفيه؟
لأ.
متأكدة؟
أيوه.
عمرك شوفتيه قبل كده؟
لأ يا رأفت!
رفعت صوتها.
ليان اتخضت.
قربت منها فورًا.
اهدي، يا حبيبتي.
ناهد قالت
أنا اللي المفروض أسألك ليه بتصدق كلام أي حد على مراتك؟
بصيت لها طويلًا.
وبعدين قلت
عشان اللي قال الكلام ده كان خايف منك.
سكتت.
ابتسامتها اختفت.
وإنت هتصدق واحد مشرد على أم بنتك؟
قلت
مش عارف.
وبعدين بصيت في عينها.
بس من اللحظة دي مش هصدق أي حد من غير دليل.
رجعنا البيت.
طول الطريق، ليان كانت ساكتة.
وناهد كانت بتحاول تتكلم عن حاجات عادية.
المدرسة.
الأكل.
الدكتور.
لكن أنا ما كنتش سامعها.
كنت بفكر في كلمة الولد
خد بالك مين بيحضّر لها الأكل.
أول ما وصلنا، عملت حاجة عمري ما عملتها.
ما دخلتش من الباب الرئيسي.
دخلت من باب جانبي، واستدعيت واحد من رجالي اسمه حمدي.
قلت له
من

تم نسخ الرابط