مش هتجوز جاهله
راجعة البيت شقة عمي، وقفت عند الباب، همدي إيدي على المفتاح بس وقفت ، صوته كان واضح جدًا من جوّه، بيكلم ماما سعاد مرات عمي.......
أتجوز مين يا ماما؟ دي جاهلة!
أنا مش ناقص أتشرف بواحدة جاية من ورا الجاموسة!
وقفت مكاني كإني اتشلِيت.....الكلمة دي وجعتني أكتر مما توقعت، يمكن عشان طالعة منه هو.....
أنا فرح من المنصورة.
أبويا توفى من تلات شهور، وجيت أقعد مع مرات عمي بعد ما أصرت عليا.
ست طيبة جدًا، حنونة بطريقة تخليك تنسي الوجع.
كانت أحن عليّ من أمي الله يرحمها، وعمري ما حسّيت إني غريبة عندها.
بس النهارده وأنا واقفة على باب الشقة، حسّيت فعلاً إني غريبة.
الكلمة دي كسرت فيّ حاجة، مش عشان هو قالها،
لكن عشان الشخص اللي كنت شايفاه محترم ومتعلم، طلع تفكيره سطحي كده.
أكتر حاجة وجعاني كانت إني كنت معجبة بشخص شبه ده.
مش عارفة كان إعجاب ولا حب يمكن ما كانش أي حاجة أصلاً، لكن اللي أكيد إنه خدعني بصورة قدام نفسي.
كنت بشوف فيه عقل وهو كان فارغ من جوّه، كنت بشوف فيه ذوق وهو كان بس لعبة مظهر.
بس خلاصاللي سمعته كفّى.
مسحت دموعي بإيدي وقلت لنفسي بهدوء
ماشي يا معتز
هوريك أنا الجاهلة اللي بتتكلم عنها دي.
سعاد بعصبية وهي بتحلف
والله العظيم يا معتزلو ما أتجوزتها لتكون ابني ولا أعرفك!
في اللحظة دي، الباب اتفتح بهدوء
فرح دخلت، وشها هادي، ملامحها متماسكة، بس جواها نار.
ولا حد فيهم أخد باله إنها كانت واقفة من الأول.
ما كنتش عايزاها تحلف
أنا مش قليلة عشان حد يحلف عليا عشان يرميني على ابنها.
ولا عايزة أتجوز واحد يبصلي كأني حمل تقيل أو واجب لازم يتخلص منه.
أنا مش قليلة
ولا هقبل أكون اختيار بالغصب.
قلبها كان بيخبط في صدرها، بس مش من كسوف من وجع الكرامة.
بصت لهم بسرعة، من غير كلام، وراحت على أوضتها بخطوات هادية.
فتحت الباب بهدوء وقلت
السلام عليكم.
ضحكت ضحكة خفيفة كده وأنا داخلة، بس أول ما دخلت حسّيت إن في نظرات عليا.
مش عارفة ليه، بس كنت حاسة إن كل اللي في الأوضة بيبصلي.
أنا يمكن مش جميلة الجمال اللي يخلي الناس تتقلب،
بس الحمد لله، عارفة إن عندي ملامح حلوة، ربنا مديها لي.
قمحاوية كده، بشرتي دافية، وملامحي هادية، وعيوني محدش عارف يحدد لونها بالضبط.
مش شبه حد، بس برضه شبه الكتير.
سعاد مرات عمي أول ما شافتني قامت بسرعة
فرح! حمد لله على السلامة يا حبيبتي،
ده معتز ابن عمك، رجع من اسكندرية الحمد لله.
بصيت له وابتسمت ابتسامة بسيطة
ازيك يا معتز، عامل إيه؟
هو ما ردش أول لحظة، واقف كده سرحان،
لحد ما سعاد ضربته بكوعها في دراعه وقالت له وهي بتضحك
يا واد رُد!
ضحك ضحكة باهتة وقال
ازيك يا فرح، عاملة إيه؟ كبرتي.
ضحكت بخفة وأنا شايلة الشنطة من على كتفي وقلت له
كله بيكبر يا ابن عمي.
وبصوت هادي كده قلت
عن إذنكم، هادخل أستريح شوية.
دخلت الأوضة، بس قلبي لسه واقف عند الباب
مش عشان هو، لأ،
عشان الكلمة اللي قالها قبل ما أدخل جاهلة.
وأنا ناوية أوريه بنفسه مين هي الجاهلة.
علي الغدا قعدنا على السفرة، الأكل كان محطوط والجو ساكت،
مفيش غير صوت الملاعق بيخبط في الأطباق.
كنت باكل في هدوء، وبحاول أتجاهل وجوده،
بس هو اللي قرر يفتح الكلام...
قال وهو بيبصلي بنص ابتسامة فيها سخرية
صحيح يا فرح لما جيت مكنتيش هنا، كنتي فين النهارده يا فرح؟ وكمان شكلِك مهمومة قوي.
رفعت عيني عليه بهدوء وقلت
كنت بقابل واحدة صاحبتي يا معتز.
ضحك بخفة وقال وهو بيقطع العيش
صاحبِتك؟ وإنتِ بقى تعرفي ناس من هنا؟ من القاهرة كمان؟
نزلت المعلقة بهدوء، ومسحت بإيدي على الفوطة،
وبصيت له بثبات
أيوه، أعرف يا دكتور، الدنيا مش مقفولة على قاعة المحاضرات اللي حضرتك فيها.
في ناس برضه بتفهم، حتى لو ما معاهاش لقب.
سكت المكان كله،مرات عمي بصت له بحدة، وهو حاول يخبي ارتباكه في لقمة تانية.
بس نظراته اتغيرت،و ملامحه اتغيرت لحظة، زي اللي اتفاجئ إن الجاهلة ردّت عليه بالعقل مش بالصوت.
رجعت أكلي تاني كأني ما حصلش حاجة، بس قلبي كان بيغلي، مش من كلامهمن نفسي إزاي كنت في يوم معجبة بشخص تفكيره بالشكل ده.
اللحظة دي بس، كانت كفاية أعرف أنا مين ومين اللي فعلاً لازم يتكسف من نفسه.
قمت من السفرة بخطوات سريعة، ما كنتش قادرة أكمّل لحظة واحدة هناك....دخلت أوضتي، وقفلت الباب ورايا بإيدي، بس قلبي كان بيدق بسرعة، زي اللي بيهرب من حاجة وجواه وجع مش عارف له اسم.
قعدت على السرير شوية، وبعدين قمت أتنفس عند الشباك.
الهواء كان ساكت، بس صوتهم لأ.
صوت معتز كان واصل لحد عندي واضح
كان بيكلم صاحبه في البلكونة، وضحكته تقطع الهدوء.
قال بنبرة فيها استهزاء واضح
اسكت يا عم،مش أمي كانت هتجنني النهارده.
وعايزاني أتجوز واحدة جاهلة، جايه من ورا البهايم،
ولا تعرف تتكلم حتى.
ضحك صاحبه وقال
طب عملت إيه؟
معتز كمل بنفس النبرة المتعجرفة
خلاص يا عم، خلعت منها قبل ما أمي تحلف عليا اني اخدها غصب عني.
بس بغبائها كالعادة، فتحت الباب ودخلت كأنها فاهمة كل حاجة.
سكت لحظة، صوته بقى أهدى،
وقال بخفة فيها لمحة غرور
بس الغريبة بقى إنها مش وحشة.
يعني لو كانت متعلمة، والله يمكن كنت فكرت.
ضحك هو وصاحبه بعدها،
ضحكة خفيفة
بس بالنسبالي كانت أقسى من ألف كلمة.
وقفت ورا الشباك، جسمي ثابت بس دموعي نازلة بهدوء،
من غير صوت، من غير نفس.
مسحت دموعي، وبصيت للسما،
وقلت لنفسي بهدوء، بنبرة وعد
هتشوف يا معتز هتشوف مين فينا اللي جاهل.....
الفصل الأول الكلمة اللي غيرت كل حاجة
هتشوف يا معتز هتشوف مين فينا اللي جاهل.
فضلت واقفة قدام الشباك كام دقيقة، عيني في السما، ودموعي بتنزل من غير ما أحس.
كان ممكن أقول لنفسي إن كلامه ما يهمنيش.
كان ممكن أضحك وأقول واحد مغرور، ربنا كفاني شره.
بس الحقيقة؟
أنا اتوجعت.
اتوجعت لأن الكلمة جت منه هو بالذات.
معتز كان أكتر شخص في البيت ده كنت بحترمه.
من وأنا صغيرة وأنا شايفاه مختلف عن باقي ولاد العيلة. كان أكبر مني بحوالي 6 سنين، دخل كلية طب، وسافر إسكندرية، وبقى دكتور، وكل مرة يرجع فيها البلد كنت أسمع عمي يقول بفخر
ابني معتز تعب على نفسه، ورفع راسنا.
وأنا كنت ببصله من بعيد وأقول لنفسي إن الإنسان ده أكيد عنده عقل كبير.
ما كنتش أعرف إن التعليم ممكن يكبر عقل الإنسان من بره ويخلّي قلبه من جوه لسه صغير.
مسحت دموعي، وبعدها فتحت الدولاب وطلعت شنطتي الصغيرة.
بدأت أرتب هدومي.
مشيت إيدي على كل حاجة وأنا بفكر.
أنا جيت هنا بعد وفاة أبويا عشان سعاد مرات عمي أصرت عليا.
أبويا كان آخر شخص ليا في الدنيا.
أمي ماتت وأنا صغيرة، وهو اللي رباني.
كان بيشتغل طول عمره، وعلّمني على قد ما قدر، وكان دايمًا يقول لي
يا فرح، الإنسان مش بشهادته ولا بفلوسه. الإنسان بأخلاقه وعقله.
يمكن عشان كده كلام معتز وجعني.
لأنه أهاني من نفس المكان اللي أبويا علّمني أحترمه.
العقل.
قفلت الشنطة.
وبصيت لنفسي في المراية.
وشي كان باين عليه الإرهاق، بس عيني كانت مختلفة.
فيها قرار.
قلت لنفسي
مش هسيب البيت.
مش عشان معتز.
عشان سعاد.
هي ما عملتش حاجة.
بالعكس، دي وقفت جنبي في أسوأ أيام حياتي.
لكن من اللحظة دي، أنا مش هسمح لنفسي أضعف قدام معتز.
ولا هحاول أثبت له إني متعلمة عشان أرضيه.
أنا هثبت لنفسي الأول إني مش قليلة.
تاني يوم الصبح صحيت بدري.
سعاد كانت في المطبخ.
دخلت عليها وأنا بقول
صباح الخير يا ماما سعاد.
بصتلي وابتسمت
صباح النور يا قلب ماما. صحيتي بدري ليه؟
عايزة أساعدك.
لا يا حبيبتي، اقعدي. إنتِ لسه راجعة من السفر.
ابتسمت وأنا باخد منها السكينة
ما هو السفر خلص، وأنا قاعدة في البيت.
بصتلي شوية، وبعدها قالت
فرح إنتِ زعلانة مني؟
وقفت إيدي.
ليه؟
حاسة إنك متغيرة من امبارح.
نزلت عيني للأرض.
كنت عايزة أقول لها كل حاجة.
كنت عايزة أقول لها إني سمعت ابنها.
بس لما بصيت في وشها، ما قدرتش.
قلت
لا يا ماما، بس تعبانة شوية.
قربت مني ومسحت على شعري.
لو في حاجة حصلت، قوليلي.
ابتسمت
حاضر.
وفجأة سمعنا صوت خطوات من ورا.
معتز.
دخل المطبخ وهو لابس قميص أبيض وبنطلون أسود، وشعره متسرح بعناية.
أول ما شافني سكت.
وأنا كمان ما بصتش له.
قال لسعاد
صباح الخير يا أمي.
صباح النور يا ابني.
وبعدين بص ناحيتي
صباح الخير يا فرح.
رفعت عيني
صباح النور.
كان مستني حاجة تانية.
يمكن مستني كسرة عين.
يمكن مستني إني أكون متضايقة.
لكن أنا رجعت أكمل تقطيع الخضار.
قعد على الكرسي وقال
إنتِ بتساعدي أمي؟
رديت من غير ما أبص له
أيوه.
واضح إنك اتأقلمتي بسرعة.
رفعت عيني له
الحمد لله.
سكت.
سعاد حست بالتوتر فقالت
معتز، خد الفطار قبل ما تنزل.
مش هاكل.
ليه؟
عندي شغل كتير في المستشفى.
وبعدين بصلي وقال
أصل مش كل الناس عندها وقت تقعد في البيت.
وقفت السكينة في إيدي.
سعاد قالت بضيق
معتز!
ابتسم
بهزر يا أمي.
بصيت له وقلت بهدوء
ولا يهمك.
خرج.
سعاد بصتلي بحزن.
سامحيني يا فرح.
هزيت راسي.
إنتِ مالك؟
أنا عارفة ابني.
قلت وأنا بكمل شغلي
وأنا عارفة نفسي.
عدّى أسبوع.
كنت خلال الأسبوع ده بتجنب معتز على قد ما أقدر.
لكن الغريب إنه هو نفسه بدأ يلاحظ وجودي.
مرة يلاقيني في الصالة، يقعد.
مرة يدخل المطبخ يسأل عن الغدا.
ومرة يرجع من المستشفى ويسأل سعاد
فرح فين؟
وأول ما يسمع إجابتها، يسكت.
أنا كنت ملاحظة.
بس ما كنتش مهتمة.
لحد ما حصلت الحاجة اللي ما كانتش في حساباتي.
كنت قاعدة في الصالة بقرأ كتاب قديم لأبويا.
معتز دخل.
بص للكتاب في إيدي.
إنتِ بتقري؟
رفعت عيني ببطء.
أيوه.
ضحك
غريبة.
إيه الغريب؟
مش عارف كنت فاكر إن القراءة مش من اهتماماتك.
قفلت الكتاب.
على أساس إنك تعرف اهتماماتي؟
سكت.
قلت
أنت حكمت عليا من غير ما تعرفني أصلًا.
ملامحه اتغيرت.
أنا ما قصدتش.
ضحكت بسخرية بسيطة.
لأ، قصدت.
قام واقف.
فرح، أنا كنت متعصب يومها.
وأنا كنت واقفة على الباب.
سكت.
أول مرة أشوفه مش عارف يرد.
كملت
سمعت كل حاجة.
وشه اتغير.
إنتِ
أيوه.
سمعتي الكلام؟
كله.
نزل عينيه.
قلت
وسمعت كلامك لصاحبك كمان.
رفع عيني بسرعة.
إنتِ سمعتي ده كمان؟
أيوه.
سكتنا.
وبعدين قلت
متقلقش، مش هعمل مشكلة.
فرح
بس عندي طلب واحد.
إيه؟
ما تتكلمش عني تاني بالشكل ده.
أنا آسف.
الكلمة خرجت منه بصعوبة.
بصيت له شوية.
كان ممكن أكتفي بالاعتذار.
لكن أنا قلت
الاعتذار مش هيغير اللي حصل.
ومشيت.
سمعته بينادي
فرح.
وقفت من غير ما ألف.
نعم؟
قال
إنتِ مش جاهلة.
ابتسمت من غير ما أبص له.
أنا عارفة.
ومشيت.
من اليوم ده، بدأت علاقتنا تتغير.
مش بقت كويسة.
لكن بقى فيها حاجة غريبة.
معتز بقى بيلاحظني.
وأنا كنت بلاحظ إنه بيحاول يفهمني.
مرة شافني بكتب في كراسة.
سأل
بتكتبي إيه؟
شغل.
شغل؟
أيوه.
إنتِ بتشتغلي؟
من البيت.
في إيه؟
قفلت الكراسة.
ليه؟
فضول.
الفضول مش دايمًا كويس.
ابتسم.
واضح إنك اتعلمتي تردي.
قلت
واضح إنك اتعلمت تسأل.
ضحك لأول مرة قدامي بصدق.
ورغم إني حاولت أمنع نفسي
قلبي دق.
اتضايقت من نفسي.
دخلت أوضتي فورًا.
وقلت