حفيدتى ليلى

لمحة نيوز

حفيدتي ليلى، اللي عندها 8 سنين، صحّتني بمكالمة تليفون هامسة بالظبط الساعة 158 بعد نص الليل، وقالتلي إن جسمها حاسه إنه بيولّع من السخونية. وبعد ما دخلت بيت ابني حسام اللي كان فاضي، اكتشفت إنها مرمية على أرضية الطرقة ومخدّرة، وأخوها الصغير محبوس جوه دولاب، وعلى رخامة المطبخ ورقة مكتوبة بإيد بتحذرني إني ما أصدقش أي حاجة ليلى هتقولهالي.
ماعدا الأرقام الزرقا اللي كانت منوّرة من المنبه، كانت أوضتي غرقانة في ضلمة حالكة. وقبل ما أستوعب إن اسم ليلى هو اللي بيظهر على شاشة الموبايل، كنت تقريبًا هسيب التليفون يرن مرتين.
رغم إن ليلى عندها 8 سنين، كانت لسه من نوعية الأطفال الحلوين اللي يرسموا قلوب بنفسجية على كروت أعياد الميلاد، ويتصلوا بجدو كل يوم حد.
والعادة دي بدأت من يوم ما جدتها، مراتي الراحلة عايدة، قالتلها إن الجدود برضه محتاجين حد يهتم بيهم.
أول ما رديت على المكالمة، سمعت نفسها قبل حتى ما أسمع صوتها.
نَفَس ضعيف...
مرتعش...
وفيه حاجة غلط.
جدو... همست بصوت مبحوح. أنا حاسة إني سخنة أوي.
حاولت أقعد في السرير بسرعة، بس من كتر استعجالي زقيت النضارة من فوق الكومودينو ووقعت على الأرض.
ليلى، إنتِ فين دلوقتي؟
في البيت.
مامتك فين؟ وحسام أخوكي فين؟
الصمت اللي جه بعدها كان أرعب بكتير من أي إجابة ممكن أسمعها.
ابني اسمه حسام. وحسب كلام مراته مروة، هما الاتنين كانوا أخدوا مازن، أخو ليلى اللي عنده عشر سنين، ونازلين بيه شرم الشيخ عشان يحتفلوا بعيد ميلاده.
أما ليلى، فكنا فاكرين إنها جالها برد خفيف، وقضت يومين عند خالتها في بيتها.
على الأقل...
دي كانت الحكاية اللي اتقالت لنا.
لكن الحقيقة إن ليلى ما كانتش حتى قريبة من بيت خالتها.
كانت لوحدها تمامًا في البيت الضلمة في وقت متأخر من الليل، وبالكاد قادرة تعلي صوتها عن الهمس.
وأنا ماسك الموبايل جامد على ودني بإيد، حاولت بالإيد التانية ألبس البنطلون بسرعة.
الأبواب مقفولة؟
مش عارفة... دماغي بتوجعني. ونور المطبخ مفتوح.
خليكي معايا على التليفون.
أنا خايفة.
أنا جاي لك.
الوصول للمنطقة اللي كان ساكن فيها حسام كان بياخد مني عادة حوالي 14 دقيقة بالعربية.
والساعة اللي في تابلوه العربية كانت 206 بعد نص الليل بالظبط، لحظة ما لفيت عند أول الشارع اللي ساكن فيه.
التفصيلة دي فضلت محفورة في دماغي للأبد.
لحد النهارده فاكر إيدي كانت ماسكة الدريكسيون قد إيه، لدرجة إن صوابعي كانت بتوجعني من شدة الضغط.
وفاكر كمان إني كنت بهمس باسم عايدة...
وأتمنى من كل قلبي إنها تكون بطريقة ما، لسه قادرة تسمع صوتي.
أول ما وصلت، لقيت مدخل البيت فاضي تمامًا.
مفيش العربية ال بتاعتهم.
مفيش شنط.
ومفيش أي علامة تقول إن اتنين كبار خرجوا بس شوية وناويين يرجعوا قريب.
لقيت المفتاح الاحتياطي مستخبي جنب باب البيت، فتحته بسرعة وزقيت الباب ودخلت.
في اللحظة دي، ريحة غريبة خانقة خبطت في مناخيري.
خليط مقرف من ريحة دوا الكحة، والهوا المكتوم، وريحة شبه ريحة المستشفى كانت مالية الطرقة.
ليلى!
نور المطبخ كان لسه مفتوح.
جنب الحوض كان فيه كباية مية متشرب منها شوية.
وقريب منها في الطرقة، لقيت فردة من كوتش مازن واقعة على جنب.
وهنا...
عيني وقعت عليها.
ليلى.
كانت لابسة البيجامة الوردية بتاعتها، ومتكورة على أرضية الخشب الصلبة، وحاطة خدها على الأرض مباشرة.
شعرها كان لازق في جبينها من العرق.
ووشها بقى أحمر بشكل يخوف.
إيديها كانت سايبة فوق صدرها، وكأنها حاولت تزحف أو تسحب نفسها لمكان تاني، بس مقدرتش وكملت ووقعت مكانها.
جدو...
وقعت على ركبتي جنبها ومديت إيدي ألمس جبينها.
كانت مولعة.
سخونية جسمها كانت مرعبة.
شيلتها بسرعة وحضنتها على صدري، واتصلت بالإسعاف على رقم 123.
بطني اتقلبت لما راسها وقعت على كتفي كأنها فقدت كل قوتها.
وأنا بدي عنوان البيت لموظف الإسعاف على التليفون، عيني راحت ناحية زجاجة دوا برتقالية فاقعة كانت موجودة على رخامة المطبخ.
قربت أبص عليها.
الاسم اللي على الزجاجة...
مش اسم ليلى.
والأسوأ من كده إن الدوا ده أصلًا ما ينفعش طفل ياخده.
جنب زجاجة الدوا كان فيه ورقة مطوية مكتوبة بخط الإيد.
وجنب الورقة كانت مفاتيح بيت حسام.
فردت الورقة بسرعة.
وقريت
بابا، أرجوك ما تتوترش. ليلى بتبقى درامية أوي لما بتتعب. إحنا ادينالها حاجة تساعدها تنام عشان ما تبوظش رحلة عيد ميلاد مازن تاني. هنرجع يوم الحد. أرجوك ما تتصلش بحد.
فضلت باصص للورقة وأنا مش قادر أستوعب.
عقلي كان بيرفض تمامًا يصدق إن ابني، من لحمي ودمي، ممكن يكون هو اللي كتب الكلام ده.
قريته مرة تانية.
وبعدين للمرة التالتة...
لحد ما وصلت لآخر سطر.
ومهما قالتلك، ما تصدقش أي حاجة تحكيها عن الدولاب.
نفسي اتقطع.
الدولاب...
كان على بُعد حوالي تلاتة متر من مكاني.
باب دولاب الطرقة.
وفجأة، إيد ليلى الصغيرة مسكت في قميصي جامد.
وفي نفس اللحظة...
سمعت خبطة مكتومة جاية من ورا الباب المقفول.
خبطة واحدة.
رغم إن موظف الإسعاف كان لسه بيتكلم معايا على التليفون، حسيت إن البيت كله فجأة غرق في صمت مرعب.
وبعدين...
خبطة تانية.
أهدى من الأولى.
وبعدها على طول، سمعت صوت حاجة بتتسحب على الأرض من جوه.
ضميّت ليلى أكتر لصدري، وخطيت خطوة ناحية باب الدولاب.
جدو... همست.
بصيت في وشها.
كانت بالكاد قادرة تفتح عينيها.
وبصوت ضعيف جدًا قالت
ما تفتحش الباب.
من كل الحاجات المرعبة اللي شفتها من ساعة ما دخلت البيت...
الجملة دي بالذات كانت أكتر حاجة هزتني.
وأنا شايل حفيدتي اللي جسمها مولّع من السخونية بين إيديا، وقفت مكاني متجمد.
عيني مثبتة على أوكرة الباب.
وفجأة...
قدام عيني مباشرة...
الأوكرة النحاس بدأت تلف ببطء.
من الناحية التانية...
من جوه الدولاب.
وحد كان بيحاول يفتح الباب
الفصل الأول اللي كان جوه الدولاب
الأوكرة النحاس فضلت تلف قدام عيني ببطء...
لفة صغيرة...
وبعدين وقفت.
أنا ما اتحركتش.
ولا حتى قدرت آخد نفس كامل.
كنت واقف في نص الطرقة، شايل ليلى بين دراعاتي، ودماغي بتصرخ فيا إني أهرب من البيت كله، لكن رجلي كانت متسمّرة في الأرض.
الموظف بتاع الإسعاف لسه على الخط.
يا فندم؟ حضرتك سامعني؟
بلعت ريقي بالعافية.
أيوه...
العربية في الطريق. حاول تخلي الطفلة مستلقية على جنبها، ومتديهاش أي أكل أو شرب.
بصيت لليلى.
عينيها كانت شبه مقفولة، لكن إيدها كانت متعلقة في قميصي بقوة غريبة بالنسبة لطفلة بالكاد واعية.
قربت وشي من ودنها.
ليلى... مين جوه الدولاب؟
هزت راسها بالنفي.
مش حد...
أمال إيه؟
سكتت ثواني.
وبعدين همست
مازن.
قلبي وقع.
بصيت للدولاب تاني.
أخوكي؟
هزت راسها.
هو لسه هنا؟
دموعها نزلت على خدها.
هما قالولي... لو اتكلمت... هيعملوا فيه حاجة.
في اللحظة دي، ما عدتش محتاج تفسير.
اتحركت ناحية الدولاب.
لكن قبل ما ألمس الباب، سمعت صوت خافت جدًا من جوه.
جدو...
الصوت كان صوت مازن.
ابني الصغير.
حفيدى اللي كنت فاكر إنه في شرم الشيخ مع أبوه وأمه.
مازن؟!
قربت من الباب.
أنا هنا يا حبيبي.
جالي صوته من جوه، مرتعش ومخنوق.
جدو... افتح بسرعة.
إيدي راحت للأوكرة.
لكن ليلى شدت قميصي.
لأ!
بصيت لها.
ليه؟
هما ممكن يكونوا لسه بره.
مين هما؟
وشها اتشد من الخوف.
مش عارفة أسماءهم.
قعدت على الأرض وحطيت ليلى جنبي للحظة، مع إني كنت خايف أسيبها حتى ثانية.
طلعت المفتاح اللي لقيته جنب الورقة، لكن كان مفتاح الباب الرئيسي، مش الدولاب.
جربت الأوكرة.
مقفولة.
رجعت خطوة.
البيت كان هادي بصورة غير طبيعية.
مفيش صوت تكييف.
مفيش صوت تليفزيون.
مفيش حتى صوت عربية معدية في الشارع.
كأن البيت كله كان مستني يشوف أنا هعمل إيه.
لفيت بسرعة ناحية المطبخ.
لقيت درج صغير جنب التلاجة.
فتحته.
مفكات...
مقص...
مفتاح إنجليزي...
وبعدين لقيت مفك عريض.
مسكته.
رجعت للدولاب.
مازن، ابعد عن الباب.
أنا بعيد.
حطيت طرف المفك بين الباب والإطار وبدأت أضغط.
مرة...
اتنين...
الخشب طق.
جدو!
متخافش يا حبيبي.
ضغطت بكل قوتي.
المفصلة بدأت تتحرك.
ضربة تالتة...
الباب اتفتح

تم نسخ الرابط