جوزى سابنى اواجه الموت انا وابنى

لمحة نيوز

جوزي تجاهل 18 مكالمة وأنا وابننا اللي عنده خمس سنين كنا بنصارع الموت في الرعاية المركزة للأطفال. طول الوقت كان بيسألني سؤال واحد بابا فين؟ وأنا واقفة تحت نور المستشفى بدعي ربنا يعمل معجزة... كان هو في مكان تاني، بيقضي ليلة في فندق فاخر مع ست غيري. اللي ماكنش يعرفه إن خسارة ابنه هتكون بداية خسارته لكل حاجة كانت غالية عليه.
الساعة 1147 بالليل...
جهاز مراقبة ضربات القلب وقف فجأة.
الصوت المنتظم اللي كان مالي الأوضة اختفى، وحل محله صوت واحد طويل...
صوت مستحيل أنساه طول عمري.
قبل كده واسيت ناس فقدوا أحبابهم...
حضرت جنازات...
ووقفت جنب ناس في أصعب لحظات حياتهم...
بس ولا حاجة في الدنيا كانت ممكن تجهزني للحظة وأنا حاسة بإيد ابني وهي بترتخي جوه إيدي.
ابني آدم كان عنده خمس سنين.
خمس سنين من بيجامات الأبطال الخارقين...
وفطار البان كيك اللي كان دايمًا يبوظه وهو بيضحك...
وحواديت قبل النوم لازم أكررها تلات مرات، لأن مرة واحدة عمرها ما كانت تكفيه...
ورسوماته الملونة اللي كانت مالية باب التلاجة.
خمس سنين... واختفوا في لحظة.
الديناصور الأخضر المفضل عنده كان نايم جنبه تحت بطانية المستشفى.
قبلها بكام ساعة بس، آدم بصلي من ورا ماسك الأكسجين.
كان مرهق جدًا.
وصوته بالعافية بيطلع.
ماما...
قربت منه بسرعة.
نعم يا حبيبي؟
مسك إيدي الصغيرة وضغط عليها.
بابا جاي؟
السؤال ده كسرني من جوا.
بس ابتسمت رغم كل حاجة.
بست جبينه... وقلت أكبر كدبة في حياتي.
أكيد يا حبيبي.
بابا في الطريق.
وبعدين مسكت موبايلي...
واتصلت بكريم.
مرة...
واتنين...
وتلاتة...
لحد ما وصلوا 18 مكالمة.
18 مكالمة من غير رد... والدكاترة بيحاولوا ينقذوا ابني.
18 مكالمة من غير رد... والممرضين بيجروا داخلين وطالعين.
18 مكالمة من غير رد... وآدم كل شوية يبص على باب الأوضة مستني يشوف أبوه داخل.
لكن كريم... مردش ولا مرة.
ولما الدكتور المسؤول رجع خطوتين لورا، وكان التعب والانكسار باينين على وشه...
أنا كنت عرفت.
لكن رغم كده... لما سمعت الكلمة، حسيت روحي بتتقطع.
وقت الوفاة... 1147 مساءً.
في اللحظة دي...
الدنيا كلها وقفت.
فضلت قعدة جنب سرير آدم ساعتين.
ماعيطتش.
مكنتش قادرة.
الحزن كان أكبر من أي دموع.
أثقل من إني أستحمله.
نهائي...
لدرجة إن حتى النفس بقى بالعافية.
الساعة 217 بعد نص الليل...
سمعت صوت خطوات في طرقة المستشفى.
رفعت راسي.
كان كريم.
بدلته الغالية كانت مكرمشة.
ورابطة الكرافتة مفكوكة.
وشعره مبهدل.
بس مش شكل واحد جري من ظرف طارئ...
كان شكل واحد سهرته اتقطعت.
أول ما شافني، ملامحه اتغيرت بسرعة.
القلق ظهر على وشه...
بسرعة زيادة.
وكأنه متدرب عليه.
يا ندى...
جري عليا.
إيه اللي حصل؟
موبايلي فصل شحن.
كنت في عشا مع عميل.
أول ما شحنته جيت على طول.
فضلت أبصله...
للراجل اللي ابني فضل ينادي عليه لحد آخر نفس.
للراجل اللي ضيع آخر ساعات في عمر ابنه.
قلتله بصوت ميت
ابنك مات.
الكلام خرج كأنه مش طالع مني.
ومات وهو بيسأل عليك.
كريم اتجمد مكانه.
لون وشه راح.
فتح بقه...
وقفله تاني.
ثواني، وبان عليه الذهول.
بس كان في حاجة غلط.
ماكانش حزن.
ولا انكسار.
كان... خوف.
خوف واحد فجأة افتكر إن اللي عمله هيكون ليه تمن.
قمت بهدوء.
وساعتها لأول مرة لاحظ أنا ماسكة إيه في إيدي.
الموبايل.
لسه في إيدي.
ولسه ظاهر عليه 18 مكالمة من غير رد.
ولسه ظاهر إشعار مشاركة الموقع اللي وصل قبلها بعشرين دقيقة...
الإشعار اللي ماقولتلوش عليه.
الإشعار اللي كشفلي هو كان فين بجد.
ماكنش في عشا شغل.
ولا اجتماع.
ولا حتى قريب من ابنه وهو بيموت.
عينه نزلت على شاشة الموبايل...
ولأول مرة...
شفت الذعر وهو بيمسح آخر ذرة ثقة كانت باقية على وشه.
الفصل الثاني
فضل كريم واقف قدامي، وعنيه مثبتة على شاشة موبايلي.
وشه كان أصفر.
ولأول مرة من يوم ما عرفته... شفته مش لاقي كلام يقوله.
أنا ما كنتش بعيط.
يمكن لأن الدموع خلصت.
أو يمكن لأن اللي مات جوايا قبل ابني... كان ثقتي فيه.
بصيتله بهدوء، ورفعت الموبايل قدامه.
شايف دول؟
بلع ريقه.
ندى... اسمعيني الأول.
دي تمنشر مكالمة يا كريم.
سكت.
تمنشر مرة ابنك كان بينادي عليك... وإنت مردتش.
مد إيده عشان يمسك الموبايل.
سحبته بسرعة.
متلمسوش.
قال بصوت مهزوز
قلتلك... كنت مع عميل، والموبايل فصل شحن.
ابتسمت لأول مرة...
بس كانت ابتسامة وجعتني أنا قبل ما توجعه.
بجد؟
هز راسه بسرعة.
أيوه... والله.
فتحت إشعار مشاركة الموقع اللي وصلني قبل وفاته بعشرين دقيقة.
ولفيت الشاشة ناحيته.
طيب... تفسرلي ده.
أول ما شاف اسم الفندق...
اتجمد.
فندق خمس نجوم في القاهرة.
ومدة وجوده هناك كانت أكتر من خمس ساعات.
رفع عينه يبصلي.
دى... دى أكيد غلطة.
آه؟
الموقع ساعات بيغلط.
ضحكت ضحكة قصيرة.
غريبة... عمره ما غلط معايا قبل كده.
سكت.
ولأول مرة... كريم خاف.
مش من موت ابنه.
لكن من الحقيقة.
بعد ساعة...
الممرضات دخلوا يجهزوا آدم.
قالولي لازم آخد آخر نظرة عليه.
مشيت ناحيته.
عدلت شعره الصغير.
وبست جبينه البارد.
وهمست
سامحيني يا حبيبي... أنا وعدتك إن باباك جاي.
لأول مرة...
دموعي نزلت.
وقعت على وشه الصغير.
حسيت إن قلبي بيتدفن معاه.
وراء الباب...
كان كريم واقف.
سمع كل كلمة.
ولما خرجت...
مد إيده يحضني.
رجعت خطوة لورا.
متلمسنيش.
قال وهو بيعيط
أنا آسف.
بصيتله.
آسف على إيه؟
سكت.
كررتها.
على موت ابنك؟
ولا...
على المكان اللي كنت فيه؟
وشه اتغير.
عرف إنه اتكشف.
الساعة كانت قربت خمسة الفجر.
الشرطة جت تاخد أقوالي الروتينية الخاصة بوفاة الطفل.
وأثناء ما الضابط بيسألني...
سمعت موبايل كريم بيرن.
بص للشاشة بسرعة.
وحاول يقفله.
لكن قبل ما يعمل كده...
لمحت الاسم.
ياسمين 
مش ياسمين الشغل.
ولا الأستاذة ياسمين.
قلب أحمر.
في اللحظة دي...
كل كذبة قالها وقعت.
الضابط لاحظ ارتباكه.
وقال
مش هترد؟
رد بسرعة
لا... شغل.
لكن المكالمة اتكررت.
مرة...
واتنين...
وتلاتة.
كأن اللي بيتصل بيه مستعجل جدًا.
فضل يبص للموبايل بتوتر.
وأخيرًا خرج بره المستشفى.
من غير ما يحس...
خرج وهو سايب موبايله على الكرسي.
بصيت عليه.
الشاشة نورت.
رسالة جديدة وصلت.
إنت اتأخرت ليه؟ صحيت لقيت نفسي لوحدي. قولتلي هنفطر سوا الصبح يا جوزي .
وقفت مكاني.
قلبي وقف ثانية.
يا جوزي.
الكلمة دي كانت كفيلة تهد كل اللي باقي من حياتي.
لسه بمد إيدي ناحية الموبايل...
سمعت صوت خطوات كريم وهو بيجري راجع...
ولما شاف الرسالة مفتوحة قدامي...
عرف إن السر اللي دفنه سنة كاملة...
انكشف.
الفصل الثالث
فضل كريم واقف مكانه، وعنيه على موبايله اللي في إيدي.
ولا قال كلمة.
ولا حتى حاول يسحبه.
أنا رفعت عيني وبصيتله.
وقريت الرسالة بصوت مسموع، كلمة كلمة
إنت اتأخرت ليه؟ صحيت لقيت نفسي لوحدي... قولتلي هنفطر سوا الصبح يا جوزي .
كل حرف كان بيضربه أكتر من اللي قبله.
قفل عينيه ثانية...
وبعدين قال بصوت واطي
ندى... الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.
ضحكت.
بس المرة دي كانت ضحكة كلها وجع.
في ست بتقولك يا جوزي... وأنا اللي فاهمة غلط؟
مد إيده ناحية الموبايل.
اديني التليفون.
رجعته لورا.
لأ... المرة دي هسمع الحقيقة.
سكت.
ولما لقى إن مفيش مفر...
قال
هي... كانت مجرد غلطة.
غلطة استمرت قد إيه؟
كام شهر.
اسمها إيه؟
... ياسمين.
بتشتغل معاك؟
هز راسه.
لا.
يبقى عرفتها فين؟
فضل ساكت.
لحد ما صرخت فيه لأول مرة
رد عليا!
قال وهو بيبص في الأرض
قابلتها من سنة ونص.
سنة ونص...
يعني وهو بيرجع كل يوم يحضن آدم...
وقلت بهدوء
خلصت؟
قال بسرعة
والله كنت ناوي أنهي الموضوع.
إمتى؟
قريب.
قبل ولا بعد ما ابنك يموت؟
سكت.
والمرة دي...
ماكانش عنده أي إجابة.
خرجت من المستشفى من غير ما أبص ورايا.
سيبته واقف لوحده.
زي ما ساب ابنه لوحده.
تاني يوم...
كان عزا آدم.
البيت مليان ناس.
كلهم جايين يواسوني.
لكن الغريب...
إن حماتي، أم كريم، كانت بتبصلي بنظرات غريبة.
لا فيها حزن...
ولا فيها مواساة.
قربت مني وقالت بصوت واطي
إوعي تعملي مشكلة دلوقتي.
استغربت.
مشكلة إيه؟
قالت بسرعة
أي حاجة بينك وبين كريم تتحل بعدين.
اتسمرت مكاني.
أنا لسه ماقولتلهاش أي حاجة.
عرفت منين إن فيه مشكلة أصلًا؟
بصيتلها جامد.
هو قالك إيه؟
اتلخبطت.
أنا... أقصد...
لكنها سكتت فجأة.
كانت أول مرة أشك...
إنها عارفة أكتر بكتير مما بتبين.
بعد انتهاء العزا...
رجعت البيت.
البيت كان فاضي بطريقة مرعبة.
ألعاب آدم في كل مكان.
جزمته الصغيرة جنب الباب.
الكوباية اللي كان بيشرب فيها لبن الصبح.
كل حاجة مكانها...
إلا هو.
دخلت أوضته.
حضنت مخدته.
ولقيت نفسي بعيط لأول مرة من قلبي.
وفجأة...
رن جرس الباب.
فتحت.
لقيت راجل لابس بدلة شيك.
مدام ندى؟
أيوه.
ناولني ظرف أبيض.
ده وصل بالخطأ لأوضة الفندق

تم نسخ الرابط