ركبت طياره رجل الاعمال الخاصه بالغلط
المحتويات
حكيني كل حاجة من أول البداية بالتفصيل الممل، ما تسيبش ولا حاجة صغيرة ولا كبيرة، حتي لو كانت تبدو لك تافهة أو مش مهمة. أي كلمة بتقوليها هتفرق بين إنك تفضلي معايا لحد ما نوصل باريس، أو إنك تفضلي مقيدة لحد ما نعرف الحقيقة كلها.
أخذت نفس عميق، وبدأت أحكي له كل حاجة زي ما حصلت من أول ما خرجت من المستشفى، وكل خطوة خطيتها، وكل كلمة سمعتها، وكل شعور حسيته، من التعب اللي كان ماسكني لحد الدهشة لما دخلت الطيارة، لحد الصدمة لما عرفت مكاني، وحتى اللحظة اللي شفت فيها الشنطة جنب رجلي وافتكرتها بتاعتي لحد ما لاحظت الاختلاف. سمعني بكل تركيز، مش بيتكلم، مش بيقاطعني، بس عينيه كانت بتتحرك مع كلامي، كأنه بيفحص كل كلمة وبيقارنها باللي عنده من معلومات.
لما خلصت كلامي، سكت هو فترة طويلة، وبعدين قال ببطء
اللي بتقوليه ده منطقي من ناحية، لكن الأدلة كلها ضددك. السواق اللي وصلك هنا موظف جديد اتعين قبل أسبوع بس، ومحدش يعرف عنه أي حاجة، واختفى من المطار تمامًا بعد ما وصلك، ومحدش قدر يوصل ليه لحد دلوقتي. والبطاقة اللي أخذتها منك لما جيتي كانت بطاقة صعود مزورة مصنوعة باحترافية عالية، ومش عارفين مين اللي عملها أو سلمها لك. وكل الركاب اللي كانوا معاك في العربية قالوا إنهم نزلوا لما وصلوا لمبنى الرحلات الداخلية، وإن السواق قال لهم إن الرحلة اتغيرت لمكان تاني، وإنهم هيلاقوا حد يستقبلهم، ومحدش منهم شافك ولا سمع عنك بعد كده.
ضربت كفي على بعض بندم وقالت
ليه ما سألتش؟ ليه ما راجعتش ولا حاجة؟ ده كله حصل بسبب إني كنت ميتة من التعب، ما كنتش واعية للي بيحصل حواليا!
ده بالظبط اللي كانوا عايزينه، قال آدم بجدية، كانوا عارفين إنك تعبانة، عارفين إنك مش هتسألي، عارفين إنك هتمشي ورا أي حد يقولك إنه هيوصلك لرحلتك. هم درسوا كل حاجة عنك قبل ما يختاروكِ.
رفعت عيني له بدهشة كبيرة
يدرسوا إزاي؟ أنا مجرد موظفة عادية، ما عنديش أي علاقة بحد من الأغنياء ولا أصحاب النفوذ، ولا أعرف أي حاجة عن أعمالك ولا حتى عن مجموعاتك الشرائية إلا اللي بسمعه في التلفزيون زي أي حد تاني! ليه يختاروني أنا بالذات؟
عشانك تبدو الأكثر براءة، والأكثر بعدًا عن الشبهات، وعشان أي حد يشوفك هيرد بالعقل ويقول مستحيل دي تكون جاسوسة أو متآمرة، وده بالظبط اللي بيخليك الأداة المثالية للي بيحاول يضربني.
سكتنا شوية، وفكرت في كل كلمة قالها، وبدأت أشعر بالخوف يتضاعف جوايا، مش خوف من آدم ولا من العقاب، لكن خوف من اللي ورا كل ده، من الأشخاص اللي استخدموني زي قطعة شطرنج، ومش عارفة إيه اللي خططوه ليا ولا ليه اللي هيحصل لما يوصلوا لهدفهم. قلت بصوت ضعيف
يعني إيه اللي ممكن يحصل دلوقتي؟
آدم بص للشباك شوية، وبعدين رجع بصلي وقال
اللي حصل ده مش مجرد سرقة فلوس، اللي اتسرق مش بس الملايين، ده بيانات لصفقات سرية، واتفاقيات مع دول كتير، وأسماء ناس مهمين جداً ما ينفعش حد يعرف علاقتهم بيا، ولو وصلت دي للناس الغلط، ممكن تضر ناس أبرياء، وتدمر شركات بأكملها، وتخلي ناس كتير في خطر، وحتى تؤدي لمشاكل بين دول بأكملها. فاللي ورا ده مش لص عادي، دول ناس عندهن نفوذ وقوة ومصالح كبيرة جداً، ومش هيتوقفوا عند أي حاجة عشان يوصلوا للي عايزينه.
سكت شوية، وبعدين كمل بلهجة أكثر جدية
ولحد ما أتأكد إنك مظلومة ولا لأ، لازم تفضلي جنبي في كل خطوة، ومش هتسمحي لأي حد يقرب منك ولا يتكلم معاكِ غيري أنا أو الأشخاص اللي أقولك عليهم. وكل حاجة تشوفيها أو تسمعيها حتى لو كانت صغيرة، تقوليلي عليها فوراً. هل فهمتي؟
هزيت راسي موافقة، مع إن قلبي كان مقبوض، ومش عارفة هقدر أتحمل كل ده ولا لأ. لاحظ تعبي والخوف اللي كان مالي ملامحي، وبدأت نظراته تلين شوية، وقال بصوت أهدأ من الأول
أنا مش عايز أضغط عليكِ، ولا عايز أعاملك باسلوب وحشي، لكن الموضوع ده خطير جداً، وأي خطأ صغير ممكن يكلفنا تمن غالي جداً. وإن شاء الله لو إنتي فعلاً بريئة، هنوصل للحقيقة، وهنرجع كل حاجة لصاحبها، وهعوضك عن كل اللي مريتيه.
في اللحظة دي دخل واحد من طاقم الطائرة، شكله كان من المقربين لآدم، لابس بدلة سوداء أنيقة، وشكله حازم وقوي، وقال بعد ما سلم باحترام
يا فندم، تواصلنا مع المراقبة الجوية، والطيارتين اللي ورا ما لهم أي سجل رسمي، ومش عايزين يردوا على أي نداء، وكل ما نقترب من أي مسار طيران عام يبتعدوا، وكل ما نبعد يقتربوا تاني. وكمان عرفنا إن الحسابات اللي اتعمل منها التحويلات كانت حسابات وهمية مسجلة بأسماء أشخاص ماتوا من سنين، ومحدش قدر يتتبع أين وصلت الفلوس لحد دلوقتي. وكمان السواق اللي وصلك للطيارة لقوا سيارته مرمية في مكان بعيد عن المطار، ومفيش أي أثر ليه، وكأنه اختفى من على وجه الأرض.
آدم مسح بيده على وجهه بتفكير، وقال
أكملوا البحث، ولا تسيبوا أي تفصيل مهما كان صغيراً. واخدوا الحذر، دول مش هيسيبونا نكمل طريقنا بسهولة.
لما خرج الراجل، بص لي آدم وقال
شفتي؟ كل حاجة بتقول إن الأمر مدبر باحترافية عالية، وإن كل خطوة محسوبة من أولها لآخرها، ومش بسيط أبداً زي ما ممكن يبدو.
كنت عايزة أقول له حاجة، لكن فجأة تذكرت حاجة صغيرة كنت نسيتها، حاجة حصلت قبل ما أخرج من المستشفى بساعات، وكنت اعتبرتها حاجة عادية ومش مهمة، لكن دلوقتي لما فكرت فيها، لقيت إنها ممكن تكون ليها علاقة بكل ده. قلت بسرعة
انتظر يا سيد آدم، فيه حاجة حصلت معايا قبل ما أخرج من الشغل، كنت فاكراها عادية، لكن ممكن تكون مهمة.
بص لي باهتمام وقال
إيه هي؟ حكيلي بسرعة.
كان فيه راجل غريب جال جنبي في استراحة الموظفين، كان لابس ملابس غالية، وسألني كتير عن شغلي، وعن ساعات عملي، وعن رحلتي اللي كنت مسافرة بيها، وقالي إنه معجب بتفاني في شغلي، وقدم لي كوب شاي، وقالي إنه هيساعدني في أي حاجة محتاجاها، وكل ما كنت أسأله هو مين ولا إيه اللي بيعمله، كان يغير الموضوع، ولما قمت أروح أكمل شغلي لقيت اختفى فجأة، وما شفتوش تاني لحد ما خرجت من المستشفى. وقتها ما اهتميتش بالموضوع، كنت فاكراه مريض أو قريب لمريض، لكن دلوقتي وأنا شايفة كل ده، خايفة يكون هو اللي بدأ كل ده.
آدم عقد حاجبيه بتركيز وقال
تعرفي توصفيه لي بالتفصيل؟
كان طويل القامة، بشرته فاتحة، شعره أسود فيه شوية شيب، عينيه بنية غامقة، وكان بيتكلم بهدوء ورقي، ويده كانت بتبدو قوية ومشغولة ببعض الندبات الصغيرة، ولبس ساعة غالية جداً على يده اليمين، ولما مشي لاحظت إنه مشي بخفة وثبات كأنه متعود على الحركة بسرعة وهدوء في نفس الوقت. وذكرني إنه قال جملة غريبة شوية، قال الناس اللي بتعطي كل ما عندها بسرعة ما بتلاقيش حد يعطيها حاجة في المقابل، لكن الحظ ممكن يجيها من حيث لا تحتسب. وقتها ما فهمت معناها، لكن دلوقتي حاسة إنها كانت إشارة للي حصل.
آدم سجل كل كلمة قلتها في دفتر صغير كان معاه، وقال
دي معلومات مهمة جداً، شكراً لإنك ذكرتيها. هنعرف مين هو ده الراجل مهما كان الثمن.
مرت الساعات، والجو حولنا كان متوتر جداً، الطيارتين ما زالتا تتبعاننا، والطيار كان يتواصل مع المراقبة الجوية كل فترة عشان يأخذ احتياطاته، وآدم كان مشغول جداً بالاتصالات والرسائل، بس كل شوية كان يبص لي يتأكد مني، ويشربني شاي أو ماء، وكل ما يلاقني تعبانة يقولي أرتاح شوية بس ما أغمضش عيني كتير عشان نكون مستعدين لأي حاجة.
في نص الطريق، فجأة سمعنا صوت انفجار بعيد، واهتزت الطيارة بقوة، وطفأت بعض الأنوار، وكل شخص في الطيارة قام من مكانه بقلق. آدم وقف بسرعة وقال بصوت عالٍ لكن هادئ عشان يطمن الجميع
لا تخافوا، كل حاجة تحت السيطرة، خليكم في أماكنكم ولا تتحركوا.
دخل الطيار وهو وشه شاحب وقال
يا فندم، الطيارتين ضربوا صاروخ تجريبي بعيد عنا عشان يخوفونا ويجبرونا نغير مسارنا، ولو كانوا عايزين يضربونا فعلاً كانوا فعلوا، لكنهم عايزين يوصلوا لرسالة معينة، وبيحاولوا يدفعونا ننزل في مكان مش المكان اللي كنا رايحين
متابعة القراءة