ركبت طياره رجل الاعمال الخاصه بالغلط
قبل 6 ساعات، خرجت من شيفت مرهق استمر 16 ساعة وأنا برعى طفل رضيع حالته صعبه جدًا. جسمي كله كان بيوجعني، وعنيا بتحرقني، وكل اللي كنت بفكر فيه إني أوصل سريري وأنام. شعري كان مفكوك من الكحكة، ويونيفورمي مكركب، وجر الشنطة في المطار كان بالعافية.
وأنا واقفة عند بوابة الرحلة، نده موظف المطار على اسمي وقال إن في تغيير طارئ بسبب إلغاء الرحلات، وإن فيه عربية هتنقل عدد قليل من الركاب لطائرة بديلة هتطير لنيويورك عشان يلحقوا رحلاتهم المكملة. من كتر الإرهاق، لا راجعت بطاقة الصعود ولا حتى سألت أي سؤال. ركبت العربية مع اتنين مسافرين، لكنهم نزلوا في مبنى تاني، والسواق كمّل بيا لوحدي لحد طيارة صغيرة لامعة كانت مستنيانا على أرض المطار.
استقبلني واحد من الطاقم، بص بسرعة على بطاقة الصعود اللي كانت في إيدي، وافتكر إني الضيفة اللي مستنيينها بعد ما شاف العربية اللي جابتني. فتحلي الباب باحترام وقال اتفضلي يا فندم.
دخلت وأنا نص نايمة. الكراسي الجلد الكريمي، والإضاءة الدافية، والمكان كله كان شبه جناح في فندق فاخر. ملقتش غير شخصين من أفراد الطاقم، فافتكرت إن دي مجرد درجة رجال أعمال أو ترقية غريبة بسبب إلغاء الرحلات.
همست لنفسي أكيد رفعوني درجة.
وقعدت على أريح كرسي قعدت عليه في حياتي.
كنت ناوية أغمض عيني دقيقة واحدة... لكن نمت نوم عميق قبل ما يكتشف أي حد الغلطة. والطائرة أقلعت بعد دقائق، لأنهم كانوا مستنيين راكب أخير لحد آخر لحظة، وكل أفراد الطاقم كانوا فاكرين إني هي.
صحيت على صوت راجل هادي بيقول
أعتقد إنك قاعدة على مكاني.
فتحت عيني لقيت راجل طويل لابس بدلة فخمة متفصلة عليه بإتقان، واقف قدامي. عنيه الزرقا كانت بتتأمل هدومي المكركبة وشعري المنكوش، لكن الغريب إنه مكانش متعصب... كان مستغرب أكتر.
بصيت من الشباك...
ولقيت مفيش غير سحب تحتنا.
همست برعب أنا... أنا فين؟
رد بهدوء على طيارتي الخاصة... وإحنا في طريقنا لباريس.
قلبي وقع.
نطيت من مكاني واترجّيته يرجع الطيارة، لكنه قال بهدوء إننا خلاص بقينا فوق المحيط الأطلنطي، ومفيش أي فرصة للرجوع.
سألته وأنا مرعوبة هتسلمني للشرطة أول ما نوصل؟
ابتسم من طرف بقه وقال إحنا عاليين شوية... فصعب أرميكي من الطيارة.
رغم رعبي، طريقته خلتني أهدى ثانية.
بعدها خد شنطتي الصغيرة، وطلع منها الباسبور اللي كانت عليه تاشيره قديمة من سفرى لإيطاليا، وقال
كويس إن معاكي باسبور... على الأقل دخول فرنسا مش هيبقى مشكلة.
استغربت وسألته
إنت ليه مش متعصب؟
فضل باصصلي كام ثانية... مش لشكلي المرهق، لكن كأنه بيبص للي جوايا.
وساعتها شفت في عينيه حاجة مستحيل أتوقعها من راجل عنده كل الثروة دي...
الوحدة.
قال بصوت هادي
بقالى سنين محدش حس بالأمان على طيارتي لدرجة إنه ينام بالشكل ده.
سألته عن اسمه.
قال آدم الحديدي.
الاسم لوحده خلاني أتوتر.
كان واحد من أغنى وأقوى رجال الأعمال، وصاحب مجموعة شركات ضخمة الكل يعرفها.
لكن المفاجأة إنه قعد قدامي، وسألني عن حياتي.
فضل يسمعني وأنا بحكيله عن شغلي، وأهلي، والأحلام اللي دفنتها وسط التعب والمسؤوليات.
أول مرة حد غني يبصلي كأن كلامي أهم من اجتماعاته وصفقاته.
اتعشينا من الأكل اللي حضره الشيف الخاص بيه، ولأول مرة من شهور نسيت أنا مرهقة قد إيه.
كان في هدوء غريب بينا...
لكن فجأة باب الكابينة اتفتح بعنف.
دخلت المضيفة وهي وشها شاحب وقالت
يا فندم!
قام آدم بسرعة، واختفى الهدوء من ملامحه.
قالت وهي بتحاول تاخد نفسها
في حد اخترق حسابات حضرتك الخارجية... واتعمل تحويل بملايين الدولارات من خلال جهاز مصرح له موجود على الطيارة.
عمّ الصمت المكان.
بص آدم ناحيتي.
في اللحظة دي لاحظت شنطة جلد سودا فوق رجلي.
افتكرت إني وأنا طالعة الطيارة شلتها بالغلط مع شنطتي، لأن الاتنين كانوا جنب باب الصعود.
كان محفور عليها أول حرفين من اسمه، وجنب القفل ضوء أخضر صغير بينور جنب جهاز البصمة.
رفع عينه من الشنطة وبصلي...
وفي اللحظة دي فهمت إن اللي حصل ماكانش مجرد غلطة.
كان في حد رتب من البداية إني أركب طيارة آدم الحديدي...
وإنه يشوف الشنطة المسروقة فوق رجلي...
ويصدق إني أنا اللي خنته.
سكتت الكلمات في حلقي، وكل خلية في جسمي تجمدت مكانها. كنت عايزة أتكلم، أصرخ، أقول له إن ده كلو غلط، إن ما أعرفش حاجة عن الحسابات ولا التحويلات ولا حتى عن الشنطة دي اللي وقعت في إيدي بالصدفة زي ما وقعت في الطيارة نفسها بالصدفة. لكن لقيت نفسي مش قادرة أخرج ولا حرف واحد، كأن لسانى اتعقد من كتر الصدمة والخوف مع بعض.
آدم الحديدي فضل باصصلي بتركيز، وعينيه الزرقا اللي كانت مليانة لطف واهتمام قبل دقايق بس، اتغيرت ملامحها وبقت قاسية ومظلمة زي مياه البحر في ليلة عاصفة. مش قال كلمة، مش حرك إيده، بس نظراته كانت بتقول أكتر من ألف تهمة. كل ثانية مرت كانت بتضيف حمل تقيل على قلبي، وكنت حاسة إن الأرض بتتحرك من تحت رجلي، وإن السماء اللي كنت شايفة منها السحاب من الشباك هي اللي بتقفل عليا دلوقتي.
المضيفة كانت واقفة وراه متشنجة، ويدها كانت بتترجف وهي ماسكة حافة الباب، وعلي وشها علامات الخوف الشديد، مش عارفة تروح ولا تفضل، خايفة من رد فعل مديرها اللي عرفت كل الناس قد إيه هو حازم ومش بيتسامح مع أي حد يخونه أو يضره.
أخيرًا كسر الصوت الهادئ لآدم الصمت، لكن صوته كان مختلف تمامًا، مفيش فيه أي دفء أو رحمة، كان بارد وقاسٍ زي الريح اللي بتجري فوق الجبال العالية
إنتي جيتي هنا مش بالصدفة، صح؟ كنتي عارفة إن دي طيارتي، وعارفة إن الشنطة دي فيها كل حاجة، وعارفة إن في حد بيحاول يسرقني، وجيتي تاخدي اللوم كله لوحدك ولا تخليني أشك في غيرك؟
هزيت راسي بسرعة كبيرة، ودموعي بدأت تتراقص في عيني، وقلت بصوت مهزوز بالكاد يسمع
لا والله يا سيد آدم، ما أعرفش حاجة من كل ده! أنا ركبت العربية غلط، وركبت الطيارة غلط، والشنطة دي خدتها بالغلط من جنب الباب زي ما خدت مكاني غلط! ما كنتش عارفة إن دي طيارتك ولا إنك راكبها أصلاً لحد ما صحيت ولقيتك قاعد قدامي! والله ما عندي أي علاقة بالتحويلات ولا بالحسابات ولا بأي حاجة من دي!
قرب مني خطوة واحدة، وكنت حاسة إني عايزة أتراجع لورا، لكن ظهرى كان ملصق بالكرسي، ومفيش مكان أروح فيه. قال وهو باصصلي بتركيز شديد كأنه بيحاول يقرأ ما جوايا بالظبط
كل واحد بيقول إنه بريء لحد ما يثبت العكس. الحسابات اتخترقت من جهاز موجود هنا على الطيارة، والجهاز ده ما يشتغلش غير ببصمة يدي، والشنطة دي اللي فيها كل البيانات والرموز السرية كانت فوق رجلك من أول ما دخلتي. وكل ده بيقول كلام واحد بس إنك إنتي اللي عملتي كل ده، أو إنك شريكة مع اللي عمله.
أنا شغلي ممرضة، قضيت ستة عشر ساعة متواصلة برعى طفل مريض، وكل همي كنت أروح بيتي وأنام! منين أجيب الخبرة دي ولا العلاقات دي ولا حتى الفرصة إني أخطط لكل ده؟ ده كله ما يطقش يا سيد آدم، رجاءً صدقني!
سكت شوية، وبعدين رفع الشنطة بيده، وفتحها بحرص باستخدام بصمة إيده، وطلع منها جهاز صغير شبه التابلت، وملفات ورقية مختومة بأختام رسمية، وبطاقات إلكترونية لامعة. بص في المحتويات شوية، وبعدين رجع بصلي وقال
ده مش أول مرة حد بيحاول يعمل كده، بس أول مرة حد بيحاول يعملها بذكاء زي كده. يرسلوا شخص بريء الظاهر، مفيش أي سجل له، مفيش أي علاقة بيا، عشان لما يتكشف الأمر، الكل يظن إنها مجرد لقطة حظ، وإن اللي وراها بعيد تمامًا عن الشبهات.
وقفت عشان أرد، لكن فجأة الطيارة اهتزت بشدة، وكل حاجة اتحركت مكانها، وسمعنا صوت إنذار خفيف من جهاز التحكم. دخل الطيار بسرعة وهو وشه متوتر وقال
يا فندم، في طيارتين تابعتين لينا من بعيد، ومش عايزين يتواصلوا معانا، وكل ما نغير اتجاهنا يتغيروا معانا زي الظل.
آدم رفع راسه بسرعة، واتغيرت ملامحه من الغضب لحرص وحذر، وقال بسرعة
خليك متواصل مع المراقبة الجوية، وحاول تحدد هويتهم، ولا تغير السرعة ولا الاتجاه إلا لما أقولك.
لما خرج الطيار، رجع بصلي تاني، لكن نظراته دلوقتي مش بس غاضبة ولا مشككة، كانت فيها حيرة كمان، كأنه بدأ يشك في إن الأمر ممكن يكون أكبر من مجرد موظفة بسيطة خدت فلوس وتآمرت عليه. قعد قدامي تاني، لكن المسافة بينا كانت كأنها كيلومترات، وقال بصوت أقل حدة من الأول لكن ما زال مليان حزم