جارتنا عملت لامى عمل بسبب غيرتها منها
لحد الصالة
النور اللي في الشقة بدأ يضعف تاني.
الست قالت بهدوء
دلوقتي بقى عايز يشوفها.
أنا رجعت ورا وأنا مش فاهمة
يشوفني أنا ليه؟ أنا عملت إيه؟
الست ردت
إنتي اللي فتحتي الباب الأول.
بصيت لأمي.
أنا فتحت شنطة!
أمي صرخت
اسكتي!
لكن الست هزت راسها
الشنطة كانت مش هي البداية.
كانت العلامة.
وفجأة صوت تكسير خفيف جه من المطبخ.
كأن حاجة وقعت لوحدها.
أمي جريت ناحية الصوت.
أنا وقفت في الصالة مع الست.
وقتها حسّيت لأول مرة إن وجودها مش بيخوفني زي ما كنت متخيلة
هو بيشدني.
كأنها عارفة حاجة أنا لازم أفهمها.
ليه أنا؟ قلت بصوت واطي.
الست قربت خطوة.
لأنك شفتِ الأول.
وأول واحد يشوف ما بيرجعش زي ما كان.
في اللحظة دي، أمي صرخت من المطبخ
سارة! اطلعي بسرعة!
جريت ناحية الصوت.
لقيت أمي واقفة قدام الدولاب، والشنطة اللي كانت اتحرقت قبل كده رجعت مكانها.
نفسها.
بس مفتوحة.
وأكتر من كده
كان فيها نفس الورقة اللي اتحرقت.
بصيت لأمي
ده مستحيل
أمي بصتلي بخوف حقيقي لأول مرة
إحنا بنحارب حاجة مش بتتحرق.
الست وقفت عند باب المطبخ وقالت بهدوء
قلتلكم.
هو بيرجع من أي محاولة إنكار.
في اللحظة دي، الظل اللي كان في الصالة بدأ يدخل المطبخ ببطء.
أمي مسكتني
بصي في عيني ما تبصيهوش.
لكن أنا بصّيت غصب عني.
واللي شفته ماكانش شكل.
كان إحساس.
كأن فيه حاجة بتقرا كل اللي جوايا.
وبعدين
الصوت اتغير في الشقة.
بقى فيه همس من كل مكان.
مش صوت واحد.
أصوات كتير.
بتنادي باسمي.
وأمي قالت بصوت مكسور
إحنا لازم نطلع من هنا حالًا.
لكن الست قالت آخر جملة قبل ما النور يطفي تاني
المكان مش المشكلة
المشكلة إنها شافت بعنيها.
وفجأة
الظلام رجع كامل.
ووسطه
حسّيت بحاجة بتلمس إيدي.
لكن ماكانتش أمي.
في الضلمة حسّيت بإيد بتمسك إيدي.
بس الإيد دي ما كانتش زي إيد أمي.
باردة بشكل غريب مش برد طبيعي، لأ برد كأنه خارج من مكان مش مفروض يتلمس أصلاً.
ماما؟ همست وأنا مرعوبة.
ما فيش رد.
بس الهمس حواليا زاد الأصوات بقت أقرب، كأنها حوالين وداني من كل ناحية.
وبعدين سمعت صوت أمي من بعيد
سارة! ما تسيبيش إيدي!
اتجمدت.
لو دي أمي يبقى اللي ماسك إيدي دلوقتي مين؟
حاولت أشد إيدي، لكن الحاجة كانت ماسكاني بقوة مش طبيعية.
وفجأة النور رجع لحظة واحدة بس.
لحظة قصيرة جدًا.
بس كانت كفاية أشوف اللي ماسك إيدي.
ماكانش شخص.
كان ظل شبه الإنسان ملامحه مش واضحة، لكن فيه حاجة فيه كانت شبه الفراغ.
زي مكان فاضي واخد شكل جسم.
صرخت وسبت إيدي فورًا.
النور قطع تاني.
أمي جريت عليا ومسكتني بقوة
بصيلي! بصيلي أنا بس!
حضنتها وأنا بعيط.
فيه حاجة كانت ماسكاني!
عارفة.
كلمة واحدة قالتها أمي بس كانت تقيلة كأنها اعتراف مؤلم.
الست اللي لابسة إسود كانت واقفة في طرف المطبخ، صوتها هادي
اتأخرتم.
أمي رفعت رأسها
إنتي عايزة إيه؟
الست ردت
مش أنا اللي عايزة.
هو.
وبصت ناحية الفراغ اللي في الصالة.
الهمس بقى أعلى كأنه زئير واطي مش مفهوم.
أمي مسكت إيدي جامد وقالت
اسمعي كويس يا سارة أي حاجة تسمعيها دلوقتي مترديش عليها.
حتى لو نادت باسمك.
هزّيت راسي وأنا مش قادرة أتنفس كويس.
الست قالت
اللي حصل بدأ من وقت الشنطة.
بس اللي بيكمل هو رد الفعل.
وبعدين فجأة قالت بصوت مختلف
سارة إنتي خايفة؟
كنت لسه هرد لكن أمي صرخت
ما ترديش!
سكتّ.
بس الإحساس جوايا كان بيغلطني.
كأن فيه حاجة جوايا عايزة ترد عايزة تفهم عايزة تكمل.
الفراغ اللي في الصالة بدأ يقرب تاني.
مش بيمشي بيزحف.
وأصوات الهمس بقت واضحة
افتحي افهمي إنتي شوفتي
أمي قفلت عينيها وقالت بصوت واطي
يا رب
الست رفعت إيدها ناحية الفراغ وقالت
كفاية لعب.
وفجأة حصل حاجة غريبة جدًا.
الصوت وقف.
الهمس اختفى مرة واحدة.
والفراغ توقف.
كأنه اتصدم.
أمي فتحت عينيها بسرعة
إيه اللي حصل؟
الست بصّت لها وقالت
اتسمع.
اتسمع لأول مرة.
أنا بصيت حواليّ مش فاهمة
اتسمع إيه؟
الست بصّتلي مباشرة
صوتك إنتي.
سكتنا.
أنا ما كنتش فاهمة.
لكن فجأة افتكرت.
وقت ما حسّيت بحاجة بتمسك إيدي أنا ناديت على أمي.
بس ناديت بصوت عالي جدًا.
وفي نفس اللحظة كأن الحاجة دي اتردّت.
الست قالت
هو بيتقوى بالرد.
وبيضعف بالصمت.
أمي فهمت فورًا
يعني كل اللي حصل كان بيستفزها عشان نرد؟
الست هزّت راسها
بالظبط.
الفراغ بدأ يرجع للخلف ببطء.
كأنه فقد السيطرة.
أمي مسكتني وقالت
ما تتكلميش خالص.
لكن فجأة سمعت صوت أم نعيم من بعيد.
مش من الشقة.
من بره.
يا أم محمود افتحي أنا عايزة أتكلم
أمي شدتني
دي لعبة!
لكن صوتها كان حقيقي جدًا قريب جدًا.
أنا بصيت ناحية الباب.
هي بره فعلًا
الست قالت بسرعة
دي مش هي دلوقتي.
دي الحاجة اللي كانت بتقودها.
وأول ما قالت الجملة دي الباب اتخبط بعنف.
مرة واحدة.
وبعدين اتفتح لوحده.
بس المرة دي مفيش ظل داخل.
كان فيه نور خفيف غريب.
كأنه ضوء مش من الدنيا دي.
والفراغ في الصالة بدأ يختفي.
يتسحب.
كأنه بيتسحب غصب عنه.
وأم أمي وقفت مكانها وقالت بصوت ثابت لأول مرة
اقفلي الباب.
الست بصّت لها
لو قفلتيه دلوقتي هيرجع أقوى بعدين.
أمي قالت
يبقى يتقفل صح.
وبصّتلي
سارة بصّيلي.
بصيت لها.
قالت
إنتي مش السبب.
بس إنتي المفتاح اللي شافه.
سكتت لحظة.
وهتقفلي الباب بإيدك مش بخوفك.
الست هزّت راسها
دي مخاطرة كبيرة.
لكن أمي كانت حاسمة
أنا مش هخلي بنتي تعيش طول عمرها خايفة من حاجة دخلت بيتها.
مسكت إيدي وراحت ناحية الباب.
الفراغ كان لسه بيحاول يرجع لكن أضعف.
أمي حطت إيدي على الباب وقالت
ردّي مش خوف.
ردّي رفض.
وبعدين قالتلي
اقفليه يا سارة.
إيدي كانت بترتعش.
بس حطيتها على الباب.
ولأول مرة ما حسّيتش بالخوف.
حسّيت برفض.
مش هروب.
ضغطت.
والباب اتقفل.
في نفس اللحظة الصوت كله اختفى.
الهواء رجع طبيعي.
النور بقى ثابت.
والفراغ اختفى كأنه ما كانش موجود.
سكتنا كلنا.
ثواني طويلة.
وبعدين أمي وقعت على الكرسي وهي بتتنفس بصعوبة.
الست بصّت لنا وقالت بهدوء
المرة دي اتقفل.
بس مش معنى كده إنه انتهى.
أنا بصيت لها
يعني إيه؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة
يعني دلوقتي بقى عارف مكانكم.
أمي رفعت رأسها بسرعة
لكن ما بقاش له مدخل.
الست قالت وهي ماشية ناحية الباب
المداخل مش دايمًا أبواب.
وبصّتلي
بعضها بيكون ذاكرة.
وخرجت.
ومشيت.
من غير صوت.
من غير أثر.
أمي قفلت الباب وراها.
وقعدنا.
سكون.
هدوء لأول مرة من بداية القصة.
بس أنا كنت حاسة إن في حاجة اتغيرت جوايا.
مش خوف.
ولا راحة.
إحساس إن فيه حاجة شوفتها ومش هتنساها.
أمي بصّتلي وقالت بهدوء
اللي حصل النهاردة ما يتكررش.
ومفيش حد في الحارة لازم يعرف.
هزّيت راسي.
بس قبل ما أتكلم
سمعت حاجة صغيرة جدًا.
زي همسة بعيدة.
مش في البيت.
جوايا أنا.
بتقول
لسه شايفك
بصيت لأمي بسرعة.
بس ما قلتش حاجة.
لأنها كانت نايمة من التعب.
قعدت في صمتي.
وأول مرة أفهم معنى الخوف الحقيقي
مش إنه حاجة بتدخل البيت.
لأ.
ده حاجة بتعرف ترجع لو اتفتحت لها عين.
النهاية.