جارتنا عملت لامى عمل بسبب غيرتها منها
جارتنا عملت لأمي عمل بسبب غيرتها منها.. والسبب؟
انا سارة وعندي تمنتاشر سنة ولو كان حد قالي قبل الليلة دي إن البني آدم ممكن يخاف من صوت أمه أكتر من خوفه من الموت نفسه، كنت هضحك بتريقة وأقول عليه بيبالغ. بس أنا دلوقتي عرفت إن الرعب الحقيقي مش بييجي من الضلمة، لأ، ده بييجي من الحاجات اللي بنحبها لما تتحول فجأة لحاجة تانية غريبة مانعرفهاش
كنت عايشة أنا وأمي في حارة شعبية صغيرة بعد ما أبويا توفى من سنين، بيتنا كان متواضع، أوضتين وصالة ضيقة ومطبخ صغير، بس أمي كانت دايما تقول إن البيت اللي فيه حب مش بيضيق بأهله. أما أخويا الكبير محمود فكان مسافر يشتغل في مدينة بعيدة عشان يساعدنا على الدنيا، كان بيبعتلنا فلوس كل شهر ويكلمنا كل ليلة تقريبا عشان يطمن علينا. كنا بنعد الأيام عشان يرجع، وفي كل مرة يكلم الليلة فيها كانت أمي بتفضل مبتسمة بقية اليوم
بس كان فيه واحدة مابتحبش تشوفنا مبسوطين، وهي جارتنا أم نعيم. ست في الخمسينات من عمرها، عينيها حادين وبيرعبوا، ولسانها مايعرفش الكلمة الطيبة. كنت بحس إنها كل ما تشوف أمي تبص ليها بنظرة كلها غل وحقد، كأنها مستخسرة فيها أي حاجة حلوة. فأمي رغم سنها وظروف الحياة الصعبة كانت لسه محتفظة بجمال طبيعي هادي ووقار بياخد القلوب، وده خلى كل أهل الحارة يحترموها ويحبو يتكلمو معاها
أما المشكلة الكبيرة بقى فكانت في جوز أم نعيم، راجل كان بيتلكك ويصطاد الفرص عشان يلفت انتباه أمي، وكل ما يشوفها يحاول يتكلم معاها أو يمدح فيها، وده كان بيولع نار الغيرة في قلب مراته. فاكرة موقف مش بيمشي من بالي بيبين الحقد ده بالظبط. في يوم كانت أمي راجعة من السوق وشايلة في إيديها أكياس وحاجات تقيلة، والتعب كان باين على وشها. وبالصدفة كان أبو نعيم قاعد قدام مدخل البيت، فلما شافها كده قام من مكانه بسرعة وجري عليها عشان يقف في طريقها ويعرض مساعدته بلهفة وقال
سيبك من الحاجات التقيلة دي يا أم محمود وهاتي الأكياس أشيلها عنك لحد باب الشقة، مش لايق بست في وقارك وصبرك تتعب نفسها بالشكل ده.
أمي لفت ليه ورجعت خطوة لورا عشان تسيب مسافة كافية بينهم وقالت كتر خيرك يا أبو نعيم وجزاك الله خير على شهامتك، بس أنا أقدر أشيل حاجتي بنفسي، وأنا واخدة على الشقا ده من سنين ومش محتاجة تعب حد
بس الراجل مارجعش بعد رفضها الذوق، ده أصر إصرار غريب ومد إيده يحاول ياخد الأكياس منها وقال
حلفت عليكي ماتردي طلبي يا أم محمود الحارة كلها في خدمتك ومساعدتك واجب علينا عشان الجيرة والأصول، والبيت بيتك. أمي كرر رفضها بنبرة أنشف وأشد
ومسكت في حاجتها جامد وقالت حلفت عليك تسيبني في حالي يا راجل، ربنا يبارك فيك وفي أهل بيتك، أنا كويسة ومش محتاجة مساعدة. وبعدين عدت منه بخطوات سريعة وطلعت السلم وعلامات الضيق مالية وشها
كنت في الوقت ده واقفة ورا زجاج الشباك اللي بيطل على المنور القريب من شقتهم، ومعدتش دقيقة واحدة لحد ما سمعت بوضوح من شباك بيتهم المفتوح صوت مراته أم نعيم وهي بتبهدل جوزها بغضب أول ما دخل
وقالتله بنبرة مخنوقة إيه اللي عاجبك في الست دي عشان تذل نفسك قدامها وتتودد ليها في الشارع؟ هو أنت نسيت وجودي وكرامتي عشان تجري وراها تعرض خدماتك وهي بتطردك وترفض جيرتك
أبو نعيم رد دي ست طيبة وهادية والكل بيحترمها وماقصدتش غير المساعدة كجار
أم نعيم قالت بل هي بتاكل عقول الرجالة بهدوئها المصطنع ده، وبحلفلك إن الدلع ده مش هيعدي على خير، وهخليها تدفع ثمن نظراتك دي غالي
كم مرة بعدها شفت أم نعيم بتراقبنا من شباكها بوش مكشر وعينين حادين، كأنها مستنية مصيبة تقع لنا عشان تشفي غليلها. وكم مرة حذرتني أمي منها
قالتلي في يوم وهي بتقفل الشباك بعصبية إياكي يا سارة تاخدي منها حاجة أو تخشي بيتها الست دي أنا مش مرتاحة ليها
ضحكت وقتها وقلت يا أمي أنت بتبالغي دي مجرد ست غيورة. هزت رأسها بحزن وقالت فيه نظرات عيون أنا عارفاها كويس يا بنتي والست دي جواها شر
وللأسف مسمعتش كلامها
في اليوم ده خرجت أمي للسوق
وقفت عند الباب قبل ما تمشي وقالت مش هأخر، وماتفتحيش الباب لحد مهما حصل
قلت وأنا ببتسم حاضر يا أمي
ابتسمت وطبطبت على راسي وخرجت
الوقت مر بطيء، ساعة وتانية، وبدأ القلق يدخل قلبي الشمس كانت بتقرب تغرب والبيت هادي زيادة عن اللزوم
فجأة، خبط عنيف رزع على الباب، قلبي نط من مكانه قربت براحة وبصيت من العين السحرية، ارتحت لما شفتها، أم نعيم
قلت من ورا الباب عايزة إيه؟ جالي صوتها مبحوح افتحي يا سارة
قلت أمي قالتلي مأفتحش لحد. ردت بسرعة بس أنا جايبة حاجة مهمة لأمك، وهي اللي قالتلي أبعتها ليكي. ترددت وقلت لنفسي ازاي أمي تبعت معاها حاجة وهي محذراني منها؟ قلت وإيه هي؟ زعقت بغضب افتحي الأول وإلا همشي، وأمك هتعاقبك لما ترجع.
حسيت بالخوف، بس الفضول كان أقوى، فتحت الباب شوية صغيرة. لقيتها شايلة شنطة سودا صغيرة، زقتها في إيدي بسرعة وقالت دي لأمك. قلت إيه اللي جواها؟ ابتسمت ابتسامة غريبة خلت جسمي يقشعر، وقالت إياكي تفتحيها. ولفت ومشت بسرعة. قفلت الباب وأنا حاسة بكتام في صدري، حطيت الشنطة على الترابيزة وقعدت قدامها، كانت صغيرة بس تقيلة. قعدت أبص لها، ليه قالتلي مأفتحهاش؟ وإيه اللي يخليها تتصرف بالتوتر ده؟ فضولي بدأ يقتلني، قلت لنفسي هبص بصلة واحدة بس
مديت إيدي وفتحت السوستة براحة و اتصدمت من الي شفتوا
مدّيت إيدي وفتحت السوستة براحة وقلبي كان بيدق بسرعة غريبة، كأني بعمل حاجة غلط بس مش قادرة أوقف نفسي.
أول ما الشنطة اتفتحت، حسّيت بهوا بارد طلع منها كأنه نفس مش طبيعي حاجة مش مفروض تكون جوا شنطة صغيرة بالشكل ده.
جواها كان فيه قماش أبيض ملفوف بعشوائية، ومعاه حاجات غريبة أول مرة أشوفها في حياتي خيوط سميكة لونها غامق، وورق أصفر عليه رسومات مش مفهومة، وفي النص كان فيه حاجة شبه خصلة شعر مربوطة بخيط أحمر.
فضلت ثواني ساكتة مش مستوعبة.
إيه ده؟
قلتها بصوت واطي، كأني بخاف أسمع صوتي في البيت.
قلبت الحاجة بإيدي، وفجأة لقيت ورقة صغيرة مطوية مكتوب عليها اسم أمي.
ساعتها جسمي كله اتنفض.
اسم أمي؟
فتحت الورقة بسرعة، واللي مكتوب فيها كان جملة واحدة بس بخط مش مظبوط
الهدوء اللي عندها مش هيكمل.
وقتها حسّيت إن البيت ضاق فجأة، كأن الحيطان قربت عليّا.
قفلت الشنطة بسرعة كأني بحاول أمسح اللي شفته، وحطيتها على الترابيزة، ووقفت في مكاني مش عارفة أتنفس.
دي أم نعيم كانت تقصد إيه؟ وليه تبعت ده لأمي؟
رجعت ببصري للباب، كنت متوقعة إنها تكون لسه واقفة ورا الباب بتضحك أو بتراقبني بس مفيش حد.
الشارع هادي بشكل يخوف.
عدى وقت مش فاكرة قد إيه، وأنا قاعدة قدام الشنطة، مش قادرة ألمسها تاني ولا أسيبها.
وفي لحظة، سمعت صوت المفتاح في الباب.
اتجمدت.
ماما؟
دخلت أمي وهي شايلة كيس