قبل فرحى
المحتويات
الصغير
فضل مستخبي.
ابتسمت له.
وأنت اسمك إيه يا بطل؟
هز راسه.
قال بصوت واطي
سيف.
اسم حلو.
مردش.
قمت.
وقلت لنوح
أنا مش هقدر أقرر جواز دلوقتي.
متطلبيش من نفسك تقرري.
بس محتاجة مكان أنام فيه.
أول مرة ظهر شيء يشبه الابتسامة على وشه.
ده موجود.
وشغل؟
المخبز القديم في البيت مقفول من سنتين.
اتوسعت عيني.
مخبز؟
أمهم كانت بتحب الخَبز.
نظرت للأطفال.
وبعدين للفرن الحجري اللي في آخر المطبخ.
كان عليه تراب.
واضح إنه مقفول بقاله فترة طويلة.
قربت منه.
مسحت بإيدي على سطحه.
وسألت
هو شغال؟
نوح قال
لو عرفتي تشغليه، يبقى شغال.
ضحكت.
دي مش إجابة.
دي الحقيقة.
في اللحظة دي سيف قرب مني.
وقال
إنتِ هتمشي؟
بصيت له.
مش دلوقتي.
يعني هتباتي؟
بصيت لنوح.
قال
لو عايزة.
سيف ابتسم لأول مرة.
وكانت ابتسامته صغيرة جدًا.
بس خلت قلبي يوجعني.
يمكن عشان فهمت إن الطفل ده مش محتاج أم بديلة.
هو محتاج حد يفضل.
وده فرق كبير.
تاني يوم الصبح صحيت على صوت خبط.
فتحت عيني بفزع.
لقيت ملك واقفة عند الباب.
إنتِ صحيتي؟
بصيت للساعة.
كانت ستة الصبح.
إيه ده؟
بابا قال إنك هتعملي فطار.
ضحكت.
بابا قال؟
هزت كتفها.
هو مش بيعرف يعمل غير بيض.
لبست بسرعة ونزلت.
لقيت يونس قاعد على الترابيزة.
سيف نايم على الكرسي.
ونوح واقف قدام البوتاجاز.
بيبص لحلة فيها حاجة سوداء.
قلت
إيه ده؟
قال بمنتهى الجدية
بيض.
قربت.
بصيت في الحلة.
ده فحم.
ملك انفجرت في الضحك.
يونس حاول يخبي ابتسامته.
ونوح بص لهم.
مضحك؟
ملك قالت
أوي.
بصيت له.
سيبهولي.
أنا هعمل.
لو فضلت تعمل، هنفطر الساعة الضهر.
ساب المعلقة.
وقال
اتفضلي.
من ساعتها بدأت حاجة غريبة تحصل.
أنا بدأت أطبخ.
والأطفال بدأوا يقربوا.
يونس في الأول كان بيتعامل معايا كإني موظفة.
مفيش سكر.
العصير خلص.
العيش ناشف.
كل جملة يقولها وكأنه بيختبرني.
أنا مكنتش بزعل.
كنت برد
طيب ننزل نجيب.
بعد تلات أيام بقى يقول
جنى، هو ممكن تعمليلي سندوتش قبل المدرسة؟
وبعد أسبوع بقى يدخل المطبخ من غير ما يستأذن.
ملك كانت أسرع.
قعدت معايا بالساعات.
تفرجني على لعبتها.
تحكيلي عن المدرسة.
عن صاحبتها.
عن شعرها اللي نفسها يبقى طويل.
أما سيف
كان أصعب واحد.
كان بيمشي ورايا من بعيد.
يقعد في نفس المكان اللي أنا فيه.
بس من غير كلام.
وفي اليوم السابع، وأنا بعجن، حسيت بإيد صغيرة شدت طرف هدومي.
بصيت.
سيف.
قال
أنا جعان.
نزلت لمستواه.
تحب تعمل معايا بسكويت؟
بص للعجين.
أعرف؟
وأنا هعلمك.
قعد جنبي.
وأول ما حط إيده في الدقيق
ضحك.
ضحكة حقيقية.
ومن يومها بقى المطبخ مكانهم المفضل.
نوح كان بيتفرج من بعيد.
كان قليل الكلام.
لكن عينه كانت بتقول حاجات كتير.
كنت أوقات ألاقيه واقف عند باب المطبخ، ساكت.
أقوله
في حاجة؟
يقول
لأ.
طب بتبص ليه؟
بتأكد إن الدنيا تمام.
الدنيا تمام.
ويهز راسه ويمشي.
بس في ليلة من الليالي
كنت قاعدة لوحدي بعد ما الأطفال ناموا.
دخل.
حط قدامي كوب شاي.
قلت
شكراً.
قعد قصادي.
مبسوطة؟
السؤال فاجأني.
مش عارفة.
ممكن تمشي لو مش مبسوطة.
بصيت للكوباية.
وأسيبهم؟
أنا أبوهم.
وأنت شغلك ياخدك بالساعات.
سكت.
مين قالك؟
الناس.
الناس بتتكلم كتير.
قلت
نوح، إنت بالذات الناس بتتكلم عنك كتير.
ملامحه اتشدت.
قالوا لك إيه؟
إنك قاسي.
وإنتِ مصدقة؟
بصيت له.
لسه مقررتش.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
كويس.
وبعدين قام.
قبل ما يخرج قلت
نوح.
وقف.
إيه؟
إنت ليه اخترتني أنا؟
فضل ساكت ثواني.
وقال
لأنك يوم ما خطيبك سابك، بدل ما تروحي لأهلك وتعيطي، سافرتي لوحدك.
اتخضيت.
إنت عرفت ده إزاي؟
أنا بسأل كتير.
وده يخوف.
يمكن.
خرج.
وسابني قاعدة.
وأول مرة
بدأت أسأل نفسي سؤال مختلف.
هو أنا ليه مش خايفة منه؟
بعد أسبوعين، حصلت أول مشكلة.
كان في رجل اسمه عاصم.
كان صاحب أرض جنب أرض نوح.
جاء البيت العصر.
كان صوته عالي.
أنا قولتلك يا نوح، الأرض دي لينا.
نوح خرج من الصالة.
وقف قدامه.
وأنا قولتلك لأ.
أنت فاكر نفسك هتفضل مسيطر على البلد كده؟
أنا مش مسيطر على حد.
ضحك عاصم.
كل البلد عارفة إنك مسيطر.
بص لي.
كانت أول مرة أشوف نظرة رجل غريب ناحيتي بالشكل ده.
قال
ودي بقى مين؟
نوح وقف قدامي مباشرة.
مراتي.
أنا اتجمدت.
عاصم رفع حاجبه.
مراتك؟
نوح قال
آه.
الرجل ابتسم ابتسامة مستفزة.
مبروك.
ومشي.
أنا بصيت لنوح.
مراتك؟
قال بهدوء
كان لازم أقول كده.
بس إحنا مش متجوزين.
عارف.
طيب ليه؟
عشان عاصم ميعرفش إنك مش محمية.
سكت.
أنا مش ضعيفة.
أنا عارف.
أمال؟
قرب خطوة.
وقال
في ناس بتشوف الست لوحدها فرصة.
وبص ناحية الباب.
وأنا مش هسمح لحد يشوفك كده.
قلبي دق.
مش عشان كلامه رومانسي.
بالعكس.
كان كلامه مباشر.
حاسم.
لكن لأول مرة من زمان
حسيت إن في حد واقف في ضهري.
بعد شهر تقريبًا، كنت بقيت جزء من البيت.
المخبز اشتغل.
بدأنا نبيع عيش وفطير وبسكويت للناس في البلد.
والأطفال بقوا يساعدوني.
يونس يحسب الحسابات.
ملك تكتب الطلبات.
سيف يحط الملصقات على الأكياس، رغم إنه كان بيحطها مقلوبة.
وكان كل يوم بيخلص وأنا حاسة إني عايشة حياة جديدة.
لحد ما في يوم
وصل ظرف.
مكتوب عليه اسمي.
فتحته.
وكان جواه جواب.
من آدم.
جنى، أنا عارف إن اللي حصل بينا انتهى بطريقة سيئة. بس محتاج أقابلك. الموضوع مش زي ما فهمتي. أنا اكتشفت حاجات عن عيلتي وحاجات تخصك إنتِ كمان.
إيدي ارتعشت.
نوح كان واقف عند الباب.
قرأ اسمي على الظرف.
قال
مين؟
بصيت له.
آدم.
وشه اتغير.
أخد نفس ببطء.
خطيبك القديم؟
هزيت راسي.
سأل
عايز إيه؟
بيقول إنه محتاج يقابلني.
سكت.
وبعدين قال
هتقابليه؟
بصيت له.
وكان السؤال أكبر من مجرد مقابلة.
لأني لأول مرة فهمت
إن الماضي مش ناوي يسيبني بسهولة.
الفصل الثاني اللي رجع من الماضي
آدم وصل بعد يومين.
مش لوحده.
كان معاه عربية فخمة، وسواق، وبدلة غالية، ونفس الطريقة اللي كان بيبص بيها على الدنيا كأن كل حاجة ملكه.
بس المرة دي
أنا مكنتش البنت اللي واقفة قدامه قبل الفرح بتلات أيام.
كنت واقفة في باب المخبز.
لابسة جلابية بسيطة فوقها مريلة بيضا.
إيدي فيها دقيق.
وشعري مربوط.
وفي ورايا ملك بتضحك وسيف ماسك قطعة بسكويت، ويونس واقف بيبص لآدم بحذر.
آدم نزل من العربية.
وأول ما شافني
سكت.
عينيه نزلت على إيدي.
وبعدين على هدومي.
وبعدين رجعت لوشي.
قال
إنتِ اتغيرتي.
قلت
وأنت لسه زي ما أنت.
اتضايق.
ممكن نتكلم لوحدنا؟
قول اللي عندك.
بص للأطفال.
دول مين؟
قلت
ولاد نوح.
وشه اتشد.
نوح الصياد؟
قبل ما أرد، ظهر نوح من ورايا.
قال
أيوه.
آدم بص له.
وبعدين بص لي.
إنتِ عايشة هنا؟
آه.
معاه؟
آه.
ومتجوزين؟
سكت.
نوح قال
دي حاجة تخصنا.
آدم ضحك بسخرية.
أنا كنت خاطبها.
نوح رد بهدوء
وكان.
الكلمة كانت قصيرة.
بس كأنها قفلت الباب.
آدم بص لي.
ممكن نتكلم؟
قلت
اتكلم.
تنهد.
أنا غلطت.
عارفة.
مش قصدي اللي قلته.
بس قلته.
كنت تحت ضغط.
ضحكت.
الضغط خلاك تشوفني مش شيك؟
جنى
ولا الضغط خلاك تسيبني قبل فرحنا بتلات أيام؟
سكت.
وبعدين قال
أنا اكتشفت إن أبويا هو اللي كان بيضغط عليا.
عشان إيه؟
عشان أتجوز بنت عيلة معينة.
رفعت حاجبي.
وإيه علاقة ده بيا؟
مد لي ملف.
اقري.
فتحته.
كان فيه صور ومستندات.
اسم أبي.
اسم عائلة الشناوي.
وتحويلات مالية.
حاجات أنا مش فاهمها.
قلت
إيه ده؟
آدم قال
أبويا كان داخل في صفقة مع أبوكي من سنين.
اتجمدت.
أبويا مات من سبع سنين.
عارف.
يعني إيه صفقة؟
مش عارف كل التفاصيل.
وأنا مالي؟
بص لي.
إنتِ ليكي.
إزاي؟
قبل ما يرد
سمعنا صوت عربية وقفت قدام المخبز.
نوح بص ناحية الشارع.
ملامحه اتغيرت.
دخل واحد من رجاله بسرعة.
قال له
يا نوح في ناس وصلت.
مين؟
رجالة فارس الشناوي.
آدم شحب.
أنا بصيت له.
فارس الشناوي؟
هز راسه.
أبويا.
نوح قال
خدي الأطفال وادخلي البيت.
قلت
إيه اللي بيحصل؟
جنى، ادخلي.
أول مرة يرفع صوته عليا.
اتضايقت.
لكن شفت في عينه حاجة خلتني أسمع الكلام.
خدت الأطفال ودخلت.
وبعد دقايق
سمعت صوت عربيات.
وأصوات رجال.
وبعدين صوت آدم.
وبعدين صوت نوح.
مفيش ضرب.
مفيش خناقة.
بس كان واضح إن الكلام بينهم مش عادي.
بعد
متابعة القراءة