قبل فرحى
قبل فرحي بتلات أيام بس، خطيبي بص للدقيق اللي على كُمّي، وبص لجسمي، وقاللي بكل برود
إنتِ مش شيك ومهندمة كفاية للحياة اللي أنا عايزها.
ساعتها مكنتش أعرف إن الجملة دي هتكون آخر حاجة أسمعها منه كخطيبي.
لأني بعد تمن أسابيع بس
كنت واقفة قبل الفجر في مطبخ ضلمة في قرية بعيدة، قدام راجل مجرد ذكر اسمه كان بيخلي رجالة كبار تسكت وتبعد عن طريقه.
وورايا كان فيه تلات أطفال
كل واحد فيهم مستني مني حاجة محدش قدر يديهاله.
أما أبوهم
فكان مستنيني عشان يسألني سؤال واحد بس.
سؤال عمري ما تخيلت إني ممكن أقول عليه
أيوه.
الليلة اللي آدم الشناوي أنهى فيها خطوبتنا، كانت عيلته لسه بتحتفل بافتتاح أكبر فرع جديد من سلسلة محلاتهم.
المكان كان فخم بشكل يخلي الواحد يحس إنه داخل عالم تاني.
كوبايات متراصة على الرخام، موظفين رايحين جايين، ناس مهمة بتضحك وبتتصور، ولافتات ضخمة عليها اسم الشناوي في كل حتة.
وأنا؟
كنت في آخر المكان خالص
في قسم المخبوزات، بحاول أنقذ صينية بريوش اتحرقت نصها.
أنا طول عمري بحب المطبخ والخبز.
العجين كان أصدق من البشر.
العجين لو باظ، بيقولك إنه باظ.
مش يفضل يضحك في وشك ويقولك بحبك، وهو من جواه شايف إنك مش على مستوى الحياة اللي هو عايزها.
فجأة سمعت صوته ورايا
لازم نتكلم.
بصيتله وبعدين بصيت للموظفين اللي حوالينا.
دلوقتي؟
آه ومش هنتأخر.
أول ما قالها، قلبي وقع.
كنت حاسة إن في مصيبة جاية.
قعد قدامي وابتدى يتكلم عن المستثمرين، والفروع الجديدة، وحفلات رجال الأعمال، والتوسع، واسم العيلة اللي لازم يفضل في الصورة.
بصيتله وقلت
آدم فرحنا يوم السبت.
عارف.
أمال إنت بتكلمني في إيه؟
سكت لحظة، وبعدها قال
أنا محتاج واحدة تناسب الحياة اللي أنا داخل عليها.
فضلت باصة له وأنا مش فاهمة.
يعني إيه؟
عينه نزلت على فستاني الأسود، وبعدها على الدقيق اللي على كُمّي.
إنتِ مبتحبيش الظهور، ومبتهمكيش الهدوم ولا البرستيج طول الوقت في المطبخ، لابسة هدوم المخبز.
حسيت نفسي اختنقت.
يعني شكلي مش عاجبك؟
أنا مقولتش كده.
بس ده اللي إنت بتقوله.
مد إيده يمسك إيدي.
أنا سحبتها.
بصيت للخاتم اللي لبسته وأنا فاكرة إني هلبسه لحد آخر عمري.
بدأت أطلعه من صباعي.
كان ماسك ووجعني وأنا بطلعه
بس الوجع ده مكنش حاجة جنب اللي حسيت بيه وأنا بفهم الحقيقة.
أنا كنت بخطط لفرحنا
وهو كان بيفكر إذا كنت هبقى مناسبة للصور اللي هتطلع باسم عيلته ولا لأ.
حطيت الخاتم قدامه.
وقلت
إنت قررت إني مش مناسبة لمستقبلك.
اتنهد وقال
يا جنى، متبقيش قاسية.
ضحكت بسخرية.
أنا؟
وبصيتله في عينه
اللي مش عادل إنك تستنى لحد قبل فرحنا بتلات أيام عشان تقولي إني مش على مزاج حياتك الجديدة.
وسيبته ومشيت.
الساعة كانت 1243 بعد نص الليل لما رجعت البيت.
لمّيت هدومي في شنطتين.
خدت أدوات المخبوزات بتاعتي.
دفترين الوصفات اللي عشت معاهم سنين.
ومخدتش حاجة تخصه.
ولا حتى حاولت أفهمه.
اشتريت أرخص تذكرة أتوبيس لقيتها.
الواحات البحرية.
مكان معرفش فيه حد.
مفيش شغل.
مفيش بيت.
مفيش خطيب.
ومفيش أي حاجة أعرف أبدأ منها.
ولما نزلت من الأتوبيس، كان الهوا ساقع بيخبط في وشي، والدنيا ضلمة، والمكان كله غريب عليّا.
وقفت بشنطتي وبصيت حواليا.
كنت فاكرة إني خسرت كل حاجة.
مكنتش أعرف إن المكان ده هو بداية كل حاجة.
مكنتش أعرف إن فيه تلات أطفال مستنييني
وإنهم هيكونوا السبب إني أصحى كل يوم وأنا عندي هدف.
ومكنتش أعرف إن أبوهم
راجل محدش يقدر يقف قدامه.
راجل اسمه لوحده كان كفاية يخلي رجالة كبار توطي صوتها.
وكان مستنيني.
مستنيني عشان يسألني سؤال واحد بس.
سؤال لو وافقت عليه
حياتي كلها هتتقلب.
والأغرب؟
إني لما سمعته
قولتله أيوه.
الفصل الأول الراجل اللي مستنيني
أول ما سمعت كلمة أيوه وهي طالعة من بوقي، أنا نفسي اتخضيت منها.
بصيت للراجل اللي واقف قدامي، وحسيت إني لازم أرجعها.
لازم أقول له
استنى أنا مش موافقة.
بس لساني اتعقد.
يمكن عشان مكنتش متوقعة السؤال.
ويمكن عشان من ساعة ما وصلت للواحات، وأنا حاسة إن حياتي ماشية في اتجاه أنا مش فاهماله.
وقفت قدامه في المطبخ الصغير، وأنا لابسة بيجامة قطن قديمة وجاكت فوقها، وشعري مرفوع بطريقة عشوائية، وإيدي فيها أثر الدقيق اللي كنت بحاول أعمل بيه عيش للأطفال.
أما هو
فكان واقف قدامي بهدوء يخوف.
طويل.
عريض الكتاف.
لابس جلابية غامقة فوقها جاكت جلدي، وشعره أسود قصير، وملامحه ثابتة بطريقة تخليك مش عارف هو هادي ولا بيخبي غضب الدنيا كلها ورا عينيه.
أنا كنت سامعة اسمه من قبل ما أشوفه.
نوح الصياد.
الاسم اللي أول ما اتقال قدامي في محطة الأتوبيس، الست الكبيرة اللي كانت بتبيع شاي بصتلي باستغراب.
قالتلي وقتها
إنتِ رايحة بيت نوح؟
قلت لها
أيوه
سكتت.
وبعدين قربت مني وقالت بصوت واطي
ربنا معاكي يا بنتي.
وقتها افتكرتها مجرد ست كبيرة بتحب تخوف الناس.
دلوقتي
وأنا شايفة نوح قدامي، بدأت أفهم.
قال من غير ما يرمش
أنا مش هطلب منك حاجة بالعافية.
بلعت ريقي.
طب إنت سألتني إيه أصلاً؟
بص ناحية الباب.
الأطفال كانوا واقفين ورا بعض.
ثلاثة.
ولد وبنت وولد أصغر.
أكبرهم كان يمكن عنده عشر سنين.
واقف جامد جدًا، عامل نفسه مش خايف.
البنت عندها حوالي سبع سنين، وكانت ماسكة إيد أخوها الصغير.
والصغير
كان مستخبي وراها ومش باين غير نص وشه.
نوح رجع بصلي وقال
سألتك لو تقدري تفضلي هنا.
هنا؟
في البيت.
بصيت حواليا.
ليه؟
سكت.
وبعدين قال
عشان هما محتاجين حد.
بصيت للأطفال.
محتاجين إيه؟
قال بهدوء
أم.
الكلمة وقعت في المطبخ زي حجر.
أنا اتجمدت.
هو كمل
مش بطلب منك تمثلي دور أمهم. ومش بطلب منك تتجوزيني عشان الناس. أنا بس محتاج ست تقدر تقعد معاهم، تفهمهم، وتعيش معاهم من غير ما تهرب أول ما تعرف حقيقتهم.
ضحكت ضحكة صغيرة من التوتر.
وأنا ليه؟
عشان سألت عنك.
إنت سألت عني؟
آه.
من إمتى؟
بص ناحية دفتر الوصفات اللي كان مفتوح على الترابيزة.
من قبل ما تيجي.
قلبي دق بسرعة.
إنت كنت عارف إني جاية؟
آه.
طب إزاي؟
أخويا شافك في المخبز بتاع عماد في القاهرة من كام شهر. عرف إنك بتشتغلي في الخَبز، وإنك بتحبي الأطفال، وإنك بتفضلي الشغل على القعدة وسط الناس.
اتوترت.
بس ده مش معناه إنك تعرفني.
أنا عارف.
سكت شوية.
وبعدين قال
وعشان كده أنا مش طالب منك قرار الليلة.
رفعت عيني له.
أمال إيه موضوع الجواز؟
أول مرة ملامحه اتغيرت.
بص للأطفال.
وقال
البيت محتاج استقرار. والناس هنا مبتسيبش أرملة ولا مطلقة ولا ست عايشة لوحدها في حالها. وأنا مش عايز واحدة غريبة تدخل البيت عشان تربيهم وبعدين الناس تبدأ تتكلم.
استغربت.
يعني بتتجوز عشان كلام الناس؟
لأ.
سكت.
بتجوز عشان أحمي البيت.
وأنا؟
رفع عينه لي.
وإنتِ تختاري إذا كنتِ عايزة تكوني جزء منه ولا لأ.
كان أول مرة حد يكلمني بالطريقة دي.
مفيش ضغط.
مفيش إهانة.
مفيش حد بيبص على هدومي أو شعري أو جسمي ويحاول يقرر أنا مناسبة ولا لأ.
بس برضه
كان الموضوع جنون.
جواز من راجل معرفوش.
في قرية بعيدة.
قدام تلات أطفال معرفهمش.
بعد تمن أسابيع من فسخ خطوبتي.
قلت
أنا محتاجة أفهم حاجة.
اسألي.
إنت عندك كام سنة؟
قالها من غير تردد
اتنين وتلاتين.
ومتجوزتش قبل كده؟
سكت لحظة.
اتجوزت.
قلبي شد.
مراتك؟
ماتت.
صوته اتغير.
حاجة بسيطة جدًا.
لكن كفاية تخلي السؤال يقف في زوري.
بصيت للأطفال.
فهمت.
دول أولاده.
قلت
وأمهم؟
سلمى.
وبعدين سكت.
واضح إنه مش عايز يحكي.
أنا احترمت ده.
لكن الولد الكبير اتكلم فجأة
بابا مش بيحب يتكلم عنها.
نوح بص له.
مالك.
الولد سكت.
أنا نزلت لمستواه.
اسمك إيه؟
قال بجمود
يونس.
وأنت؟
بصيت للبنت.
قالت
ملك.
أما