ايجار الشقه

لمحة نيوز

رُحت أطرد ست كانت مديونة لي ب شهور إيجار... لكن بنتها هي اللي فتحتلي الباب
رُحت لشقة ٤ الدور الرابع وأنا مجهز نفسي أطرد ست مديونة لي ب شهور إيجار، لكن بنت صغيرة عندها سبع سنين هي اللي فتحتلي الباب، وصوابعها بتنزل دم، وبعدها رجعت بهدوء تقعد جنب أمها المريضة جدًا وتكمل خياطة.
بعد كام دقيقة، سمعت صوت ضعيف جاي من أوضة النوم بيناديني
نادر؟
اسم محدش من حياتي الحالية يجرؤ يناديني بيه.
ولما شفت الست اللي كانت نايمة جوه، فهمت إن موضوع الفلوس والإيجار كان أقل حاجة مهمة في الشقة دي.
اسمي نادر المرسي.
في القاهرة، ناس كتير كانت عارفة اسمي، مع إن أغلبهم كان عنده من الذكاء الكفاية إنه ماينطقش اسمي بصوت عالي.
كنت بملك مطاعم، وكافيهات، وعمارات سكنية، وكام بيزنس تانيين مكنوش رسميًا باسمي.
والرجالة اللي شغالة معايا كانوا فاهمين قاعدة واحدة بس
الدَّين لازم يتدفع.
الشقة ٤ الدور الرابع بقالها 3 شهور مدفعتش الإيجار، فعشان كده بدل ما أبعت حد غيري، قررت أروح بنفسي.
خبطت على الباب.
بعد كام ثانية، سمعت خطوات صغيرة بتتحرك جوه.
الباب اتفتح.
لقيت بنت صغيرة واقفة قدامي، شكلها حوالي سبع سنين، شعرها البني منكوش، وهدومها باين إنها اتغسلت مرات أكتر من اللازم.
وصوابعها كلها كانت مليانة نقط حمرا صغيرة.
وراها كانت فيه ماكينة خياطة قديمة.
سألتها
مامتك فين؟
البنت اتوترت على طول.
وقالت بصوت واطي
ماما تعبانة.
دخلت خطوة لجوه.
الشقة قالتلي كل حاجة هي مقدرتش تقولها.
زجاجات دوا مرصوصة فوق ترابيزة رخيصة، والتلاجة مكنش فيها تقريبًا أي أكل، والأثاث كان قليل لدرجة تخلي المكان شكله فاضي.
سألتها
اسمك إيه؟
قالت
ليلى.
بصيت لها وسألت
والإيجار؟
جريت بعيد عني، وبعد شوية رجعت وهي ماسكة ظرف متكرمش في إيدها.
فتحته.
جواه كان فيه ألفين جنيه بس.
قالت بسرعة
أنا بجيب الباقي.
بصيت لماكينة الخياطة.
وقلت
إنتِ؟
هزت راسها.
بصلّح هدوم للناس اللي ساكنين في العمارة... ماما محتاجة الدوا.
قبل ما ألحق أرد عليها، رجعت قعدت على الكرسي.
حطت رجلها الصغيرة على دواسة الماكينة.
وابتدت الإبرة تتحرك بسرعة في القماش.
وفجأة الإبرة زحلقت.
ليلى انتفضت لما دخلت الإبرة في صباعها.
نقطة دم ظهرت على طول.
مسحت الدم في هدومها وكملت خياطة.
بصتلها وقلت بحزم
بطلي.
هزت راسها.
وقالت
مينفعش.
من تلاتين سنة، كنت أنا الطفل ده.
افتكرت نفسي وأنا قاعد جنب أمي، وهي بتشتغل لحد نص الليل، وبتعد فلوس معدودة، فلوس عمرنا ما كنا بنحس إنها كفاية.
قبل البدلات الغالية.
قبل الحراسة.
قبل ما الناس تخاف لمجرد إني دخلت مكان.
طلعت كام ورقة من فئة ال٢٠٠ جنيه من محفظتي ومديتهملها.
وقلت
خدي دول.
ليلى بصت للفلوس، بس ما اتحركتش.
وبعد لحظة قالت
ماما بتقول مناخدش حاجة مش هنقدر نرجعها.
حسيت بحاجة بتشد على صدري.
بصيت ناحية باب أوضة النوم المقفول.
وقلت
أنا لازم أكلم مامتك.
ليلى نطت من مكانها بسرعة.
وقالت
لأ!
بصيت لها.
ليه؟
وشها فجأة شحب.
وقالت
ماما قالتلي حاجة.
سألتها
إيه؟
بلعت ريقها وقالت
قالتلي لو الأستاذ نادر جه هنا في يوم... ممنوع أخليه يشوفها.
إيدي نزلت ببطء.
بصيت لها باستغراب.
إزاي مامتك تعرف اسمي؟
قبل ما ليلى تلحق ترد، سمعنا صوت حاجة وقعت واتكسرت جوه أوضة النوم.
اتحركت ناحية الباب.
لكن ليلى مسكت في الجاكت بتاعي بكل قوتها.
وقالت
أرجوك... متدخلش!
وفجأة جه صوت ضعيف من ورا الباب.
نادر؟
كل حاجة جوايا وقفت.
محدش بيناديني نادر بالطريقة دي.
محدش... من سنين.
فتحت باب أوضة النوم.
لقيت ست نحيفة نايمة تحت بطانية قديمة، وشها شاحب من التعب والمرض.
تلاتين سنة عدّوا وغيّروها.
لكن عينيها...
عينيها مكنتشي اتغيرت.
بصيت لها وأنا مش مصدق.
وقلت
سارة؟
هي بصت بعيد.
وفي اللحظة دي، حاجة عند باب الأوضة لفتت انتباهي.
ماكينة الخياطة.
في قاعدة الماكينة الخشب، كان محفور وردة صغيرة لونها فضي.
وردة فضية أنا عارفها كويس.
أمي هي اللي كانت حافراها بإيدها.
دي كانت ماكينة الخياطة بتاعة أمي.
الماكينة اللي باعتها من تلاتين سنة...
في نفس الليلة اللي سارة اختفت فيها من غير ما تقوللي السبب.
بصيت لسارة.
وبعدين بصيت لليلى، البنت الصغيرة اللي كانت واقفة ورايا.
عيني سارة اتمَلّت دموع.
وهمست
أنا آسفة يا نادر.
وفجأة فهمت.
أنا مكنتش جيت الشقة عشان أحصّل فلوس متأخرة.
أنا دخلت الشقة دي عشان أفتح سر...
سر مستني تلاتين سنة كاملة لحد ما أنا أفتح الباب.
فضلت واقف قدام السرير كأني نسيت إزاي الواحد بيتنفس.
سارة.
الاسم لوحده كان كفاية يرجعني تلاتين سنة في لحظة واحدة.
رجعني لولد عنده سبعتاشر سنة، واقف تحت عمارة قديمة في شبرا، ماسك كيس عيش في إيده، ومستني بنت وعدته إنها هتنزل تقابله.
البنت دي كانت سارة.
أول حب في حياتي.
وأول واحدة علّمتني إن الإنسان ممكن يخسر حاجة من غير ما يعرف حتى ليه خسرها.
بصيت لها دلوقتي.
وشها كان هزيل.
عينيها غائرة.
وشعرها اللي كنت فاكره دايمًا أسود وكثيف بقى فيه خصلات بيضا كتير.
لكن رغم المرض، رغم السنين، رغم كل اللي حصل...
عرفتها.
من أول ثانية.
قلت بصوت مبحوح
إنتِ؟
غمضت عينيها.
دمعة نزلت على خدها.
قالت
أيوه.
ضحكت ضحكة قصيرة مالهاش أي معنى.
وقلت
إزاي؟
فتحت عينيها وبصتلي.
إزاي إيه؟
قربت منها خطوة.
إزاي بعد تلاتين سنة ألاقيكي هنا؟
سكتت.
بصيت ناحية ليلى.
البنت كانت واقفة عند الباب، بتبصلي وبعدين تبص لأمها.
قلت
ليلى بنتك؟
سارة هزت راسها.
أيوه.
بصيت للبنت تاني.
وبعدين رجعت بصيت لسارة.
كام سنة؟
سارة ردت بصوت ضعيف
سبعة.
حسيت قلبي ضرب ضربة غريبة.
سبعة.
سبع سنين.
يعني...
لا.
هزيت دماغي كأني بطرد الفكرة قبل ما تكتمل.
قلت
وأبوها؟
سارة سكتت.
ليلى هي اللي ردت.
بابا مات.
بصيت لها.
إمتى؟
قالت
قبل ما أتولد.
سارة بصت لبنتها بسرعة.
ليلى...
لكن البنت كملت
ماما قالتلي إنه كان مسافر.
سارة غمضت عينيها.
واضح إن فيه حاجة هي مش عايزة بنتها تعرفها.
رجعت بصيت لسارة.
وقلت
إنتِ عايزة تقوليلي إيه؟
سارة حاولت تقوم.
ماقدرتش.
مديت إيدي بشكل تلقائي عشان أساعدها.
هي اترددت قبل ما تمسك إيدي.
وأول ما إيدها لمست إيدي، حسيت بحاجة غريبة.
إيدها كانت باردة جدًا.
زي إيد حد عايش بجسمه بس روحه تعبت من كتر المقاومة.
ساعدتها تقعد.
قالت
أنا كنت عارفة إن اليوم ده هييجي.
قلت
أنهي يوم؟
اليوم اللي هتقف فيه قدامي تاني.
ضحكت بسخرية.
بعد تلاتين سنة؟
أيوه.
طب ليه اختفيتي؟
سكتت.
صرخت من غير ما أقصد
ليه يا سارة؟!
ليلى اتخضت.
بصيت لها.
لقيت البنت بتبصلي بخوف.
نزلت صوتي.
أنا آسف.
وبعدين رجعت لسارة.
أنا استنيتك شهور.
دموعها زادت.
عارفة.
استنيتك عند المحطة.
عارفة.
بعتلك جوابين.
وصلولي.
وقفت مكاني.
وصلولك؟
هزت راسها.
أيوه.
طب ليه مردتيش؟
سارة بصت في الأرض.
عشان لو رديت عليك... كنت هضيعك معايا.
ضحكت بمرارة.
تضيعيني؟ أنا بعدها عشت سنين وأنا فاكر إنك رميتييني.
قالت
كنت أتمنى ترمي نفسك بعيد عني.
إنتِ مكنتيش صاحبة القرار.
رفعت عينيها وقالت
كنت.
لا.
كنت.
لأ يا سارة.
قربت منها.
كان من حقي أعرف.
سكتت.
وبعدين قالت
أبوك هو اللي كان عايز يعرف.
جسمي كله شد.
اسم أبويا كان بالنسبة لي باب مقفول.
أبويا مات وأنا عندي تسعتاشر سنة.
ومع موته، اتدفنت معاه حاجات كتير.
أو على الأقل أنا كنت فاكر كده.
قلت
ماله أبويا؟
سارة بصتلي.
هو اللي خلاني أبعد عنك.
إزاي؟
هددني.
اتجمدت.
بإيه؟
قالت
بيك.
يعني إيه بيا؟
قاللي لو فضلت معاكي... هيأذيك.
ضحكت.
أبويا؟
هزت راسها.
أيوه.
أبويا كان بيحبني.
سارة بصتلي بحزن.
أبوك كان بيحبك بطريقته.
إيه الطريقة دي؟
الطريقة اللي تخلي الراجل يعمل أي حاجة عشان يحمي ابنه، حتى لو ابنه يكرهه.
بصيت للحيطة.
بدأت ذكريات قديمة تتحرك.
أبويا كان دايمًا شديد.
ماكانش بيحب الأسئلة.
وكان عنده ناس كتير تعرفه.
وأنا عمري ما كنت فاهم شغله الحقيقي.
كان يقوللي إنه بيشتغل في التجارة.
بس التجارة اللي كنت بشوفها في البيت كانت فلوس كتير داخلة وخارجة، ورجالة بتيجي بالليل، وأبواب بتتقفل، ومكالمات بتخلص فجأة أول ما أدخل.
قلت
هو كان يعرفك؟
سارة هزت راسها.
أبوك كان يعرف كل حاجة.
إيه اللي كان يعرفه؟
قبل ما ترد، ليلى قربت مننا.
وقالت
ماما...
سارة بصتلها.
نعم؟
أنا جعانة.
الجملة كانت بسيطة جدًا.
لكنها وقعت عليا أثقل من أي اعتراف.
بصيت للمطبخ.
فتحت التلاجة.
فاضية.
كان فيها نص زجاجة مية، وعلبة دوا، وقطعتين جبنة ناشفة.
قعدت على الكرسي.
طلعت موبايلي.
اتصلت بواحد من رجالي.
أول ما رد قلت
عايز أكل يروح للشقة 4 الدور الرابع.
سألني
قد إيه يا باشا؟
قلت
يكفيهم شهر.
سكت ثانيتين.
حاضر.
وخلي حد يجيب دكتور.
دكتور مين؟
أي دكتور كويس.
حاضر.
قفلت.
سارة بصتلي.
أنا مش عايزة صدقة.
رديت
ولا

تم نسخ الرابط