قبل ما اطلع ع المعاش

لمحة نيوز

اللي ناديت.
بس إنت سمعت.
ابتسمت.
يمكن دي كانت مهمتي الأخيرة.
بعدها بأيام، كان موعد تقاعدي.
دخلت القسم.
مشيت في الممر اللي عشت فيه ثلاثين سنة.
صور قديمة.
مكاتب.
روائح القهوة.
أصوات اللاسلكي.
زمايل كبرت معاهم.
ناس ماتت.
وناس مشيت.
وقفت عند مكتبي.
حطيت الشارة على الترابيزة.
سلمى دخلت.
قالت
جاهز؟
قلت
مش عارف.
ضحكت.
بعد ثلاثين سنة ولسه مش عارف؟
قلت
يمكن الواحد ما يعرفش يبدأ يعيش إمتى.
خرجنا.
في الباب، وقفت لحظة.
بصيت للقسم.
ثم مشيت.
كنت فاكر إن أصعب حاجة في التقاعد هي إنك تسيب شغلك.
لكن اكتشفت إن أصعب حاجة...
إنك تعرف إن العالم اللي كنت بتحاول تصلحه مش هيتصلح كله.
وهتفضل فيه مكالمات.
وهتفضل فيه جرائم.
وهتفضل فيه ناس محتاجة حد يسمعها.
لكن يمكن...
مش لازم دايمًا تكون إنت.
بعد أسبوع، كنت قاعد على ترابيزة المطبخ.
قدامي فنجان قهوة.
من غير منبه.
من غير لاسلكي.
ومن غير بدلة.
أمي كانت قاعدة قدامي.
قالت
أخيرًا هديت.
ضحكت.
أيوه.
رن التليفون.
بصيتله.
رقم مجهول.
أمي قالت
ماتردش.
ضحكت.
مش هرد.
فضل يرن.
مرة.
اتنين.
تلاتة.
وبعدين وقف.
بصيت من الشباك.
الدنيا كانت هادية.
لأول مرة من سنين.
لكن بعد ثواني...
وصلتني رسالة.
فتحتها.
كانت صورة.
صورة ياسين.
واقف قدام المدرسة.
وتحت الصورة جملة واحدة
لسه فيه أطفال تانية.
قعدت ساكت.
بصيت لأمي.
هي قالت
في إيه؟
قفلت التليفون.
وقلت
ولا حاجة.
لكن الحقيقة كانت غير كده.
لأنني عرفت إن التقاعد مش دايمًا نهاية الحكاية.
أحيانًا...
بيبقى مجرد بداية لحكاية أكبر.
وحطيت فنجان القهوة على الترابيزة.
وقمت.
لبست القميص.
مش البدلة.
ومش الشارة.
بس أخدت التليفون.
وخرجت.
لأن في مكان ما...
كان فيه طفل تاني محتاج حد يسمع صوته.
وأنا...
طول عمري كنت بعرف أسمع.

تم نسخ الرابط