قبل ما اطلع ع المعاش
المحتويات
جثة ياسين؟
بصيت للطفل.
وقلت
دلوقتي... لأ.
وصل الإسعاف.
دخل المسعفون بسرعة.
بدأوا يفحصوا الطفل.
واحد منهم قال
لسه عايش.
الكلمة دي دخلت جوايا زي صدمة كهربا.
لسه عايش.
بعد عشرين سنة.
كان فيه احتمال إن طفل اتدفن مكانه.
يعني فيه طفل بريء اتقتل.
وطفل تاني اتخطف.
وحد ما اكتفاش بده.
ده كمان قرر يرجعه بعد عشرين سنة جوه كيس زبالة.
ليه؟
السؤال ده فضل يضرب في دماغي.
لحد ما شفت حاجة على رقبة الطفل.
سلسلة صغيرة.
كانت شبه خيط أسود، وفي آخره قطعة معدن صغيرة.
مديت إيدي ألمسها.
سلمى قالت
استنى.
بصيتلها.
قالت
ممكن تكون دليل.
رجعت إيدي.
لكن عيني فضلت عليها.
كنت عارف السلسلة دي.
أنا اللي اشتريتها.
من عشرين سنة.
كان ياسين عنده سلسلة شبهها.
وكان عليها حرف واحد.
Y.
لما رجعنا القسم، كنت حاسس إني داخل مكان ما عرفتش أرجع منه.
الضابط المناوب كان مستنينا.
قال
النيابة طلبت تقرير مبدئي.
قلت
اكتب إن الطفل مصاب بحالة إجهاد وجفاف، وفيه آثار ضرب وكدمات.
قال
والهوية؟
بصيت لسلمى.
سلمى قالت
لسه ما اتأكدناش.
الضابط سألني
عنده أهل؟
قلت
لو أنا صح... أهله ماتوا تقريبًا من زمان.
الضابط ضحك ضحكة عصبية.
إيه الكلام ده؟
قلت
هتطلعلك أغرب من كده.
دخلنا غرفة التحقيق.
طلبت ملف قضية ياسين النجار.
بعد دقائق، الملف وصل.
حطيته قدامي.
الغلاف كان قديم.
الورق أصفر.
والحبر باهت.
فتحت أول صفحة.
اسم الطفل.
ياسين عادل النجار.
تاريخ الميلاد.
صورة قديمة.
وقفت عند الصورة.
الولد اللي في الصورة عنده أربع سنين.
لكن العينين...
نفسهم.
حسيت بقشعريرة في دراعي.
سلمى قربت.
قالت
دي نفس العينين.
قلت
أيوه.
قلبت الصفحات.
محضر الاختفاء.
أقوال الأم.
أقوال الأب.
أقوال المربية.
تقارير البحث.
وبعدين...
تقرير العثور على الجثة.
مديت إيدي للصفحة.
وقريت اسم الضابط المسؤول عن استلام الجثة.
الاسم خلاني أتجمد.
سلمى لاحظت.
مين؟
قلت
اللواء سامح فؤاد.
قالت
مين ده؟
ما جاوبتش فورًا.
سامح فؤاد كان رئيسي وقتها.
الرجل اللي علمني يعني إيه شرطة.
والرجل اللي وقف جنبي في أول قضية كبيرة في حياتي.
والرجل اللي شهد لي لما اتعرضت للتحقيق في قضية قديمة.
والرجل اللي كنت فاكره واحد من أنضف الناس اللي عرفتهم.
لكن اسمه موجود في الملف.
مش بس موجود.
توقيعه موجود تحت التقرير.
والأخطر...
كان فيه تعديل صغير في التقرير.
سطر اتشال.
وسطر اتكتب فوقه.
مسكت الورقة وقربتها من النور.
سلمى قالت
إيه؟
قلت
التقرير ده اتعدل.
إزاي؟
الورقة الأصلية اتغيرت.
إنت متأكد؟
أنا اللي كنت بكتب التقارير وقتها. أعرف شكل الحبر القديم.
قلبت الصفحة.
لقيت ملاحظة بخط إيد قديم في الهامش.
كلمتين بس.
لا تطابق.
اتسعت عيني.
قلت
مين كتب دي؟
سلمى قربت.
يعني إيه لا تطابق؟
قلت
يعني إن أول فحص للجثة ما كانش مطابق.
سكتنا.
في اللحظة دي، تليفوني رن.
رقم مجهول.
رديت.
ألو؟
مفيش رد.
قلت
مين؟
سمعت نفس طويل.
وبعدين صوت رجل كبير.
هادئ جدًا.
قال
سيب الملف يا محمود.
اتجمدت.
مين معايا؟
إنت قربت تتقاعد.
مين؟
التقاعد أحسنلك.
قفلت المكالمة.
سلمى كانت بتبصلي.
مين؟
قلت
مش عارف.
الموبايل رن تاني.
نفس الرقم.
المرة دي فتحت السماعة الخارجية.
الصوت قال
إنت مش فاهم اللي بتفتحه.
قلت
وأنت فاهم؟
ضحكة قصيرة.
أكتر منك.
قلت
لو فاكر إنك هتخوفني، فأنت اخترت الشخص الغلط.
رد
إنت مش خايف على نفسك.
سكت.
إنت خايف على أمك.
حسيت الدم انسحب من وشي.
سلمى فهمت من نظرتي إن الكلام اتغير.
قلت
لو قربت من أمي...
الصوت قاطعني.
مش إحنا اللي قربنا.
وقفل.
بصيت لسلمى.
قالت
نروح لها دلوقتي.
هزيت راسي.
لكن قبل ما نخرج، عيني وقعت على الملف.
على صورة قديمة لياسين.
وبعدين على الطفل اللي كان في المستشفى.
سألت نفسي سؤال واحد
لو ياسين عايش...
مين الطفل اللي دفناه من عشرين سنة؟
خرجنا من القسم.
وفي الطريق، تليفون سلمى رن.
ردت.
سكتت ثواني.
وبعدين بصتلي.
قالت
محمود...
إيه؟
الطفل اختفى.
وقفت العربية.
إيه؟
اختفى من المستشفى.
إزاي؟
الكاميرات وقفت لمدة سبع دقايق.
قلت
سبع دقايق؟
هزت راسها.
أيوه.
بصيت قدامي.
وبعدين قلت
هما كانوا مستنييننا.
مين؟
قلت
الناس اللي حطت ياسين في الكيس.
سلمى قالت
يبقى عايزينه ليه؟
ما جاوبتش.
لأن في دماغي بدأ يتكون احتمال أسوأ.
يمكن هم ما كانوش بيرموه.
يمكن...
كانوا بيرجعوه.
الفصل الثاني الصورة اللي اختفت من الملف
رجعنا المستشفى.
الممرضة كانت منهارة.
الطبيب بيزعق.
الأمن بيجري في كل اتجاه.
لكن مفيش طفل.
مفيش ياسين.
دخلت غرفة المراقبة.
قلت للحارس
وريني الكاميرات.
قال
الكاميرا بتاعة الممر حصل فيها عطل.
عطل إيه؟
الصورة اختفت سبع دقايق.
اختفت ولا اتمسحت؟
سكت.
بصيتله.
رد.
قال
مش عارف.
سلمى قالت
هات تسجيلات باقي الكاميرات.
شغلناها.
الغرفة.
الطرقة.
باب الطوارئ.
المصعد.
كل حاجة كانت طبيعية.
إلا سبع دقايق.
في الوقت ده...
كل شيء توقف.
لكن حاجة واحدة لفتت نظري.
في آخر التسجيل، قبل انقطاع الصورة بثلاث ثواني، ظهر رجل واقف بعيد.
لابس زي عامل نظافة.
ماشي ببطء.
عربة صغيرة قدامه.
قلت
وقف.
الصورة وقفت.
قربت الشاشة.
قلت
كبر.
سلمى كبرت الصورة.
وشه ما كانش واضح.
لكن إيده كانت واضحة.
وفيها خاتم.
خاتم فضة.
عليه علامة صغيرة.
نسر.
قلت
أنا شفت الخاتم ده.
سلمى قالت
فين؟
قلت
في ملف القضية.
رجعنا القسم.
فتشنا الملف.
الخاتم كان ظاهر في صورة قديمة.
صورة لثلاثة رجال واقفين مع بعض بعد العثور على الجثة.
الأول سامح فؤاد.
الثاني طبيب شرعي.
الثالث...
عادل النجار.
أبو ياسين.
قلت
إيه اللي بيجمع التلاتة دول؟
سلمى قلبت الصفحة.
يمكن كانوا موجودين وقتها.
قلت
لأ.
أشرت للصورة.
بصي على الخاتم.
قربت.
سكتت.
نفس العلامة.
نفس النسر.
لكن في الصورة القديمة، الرجل كان عادل النجار.
سلمى قالت
يعني والد الطفل كان جزء من الموضوع؟
قلت
مش عارف.
إنت كنت تعرفه.
كنت أعرفه كأب مكلوم.
ويمكن ما كانش مكلوم.
بصيتلها.
قالت
أنا مش باتهمه. بس لازم نسأل كل الاحتمالات.
كان عندها حق.
رجعت للملف.
لقيت عنوان قديم.
بيت النجار.
العنوان نفسه ما عادش موجود.
المكان اتبنى فيه مول تجاري من سنين.
لكن كان فيه اسم شخص تاني في الملف.
نادر شوقي.
سلمى سألت
مين ده؟
قلت
المحامي بتاع عادل.
لسه عايش؟
فتحت بيانات قديمة.
لقيت عنوان.
رحنا له.
كان راجل في أواخر الستينات.
فتح الباب.
أول ما شافني، وشه اتغير.
قال
محمود حمدي.
قلت
فاكرني؟
ضحك بمرارة.
في حاجات الواحد يتمنى ينساها.
دخلنا.
قعدنا.
طلعت صورة ياسين.
حطيتها قدامه.
سألته
الولد ده مات؟
الرجل فضل ساكت.
قلت
رد.
قال
أبوك ما ماتش.
اتجمدت.
سلمى قالت
تقصد ياسين؟
هز راسه.
أيوه.
قلت
كنت عارف؟
قال
من البداية.
قفزت واقف.
يعني إيه من البداية؟
قال
يعني الجثة اللي اتدفنت ما كانتش ياسين.
حسيت إن الدنيا بتلف.
مين الطفل اللي اتدفن؟
قال
مش عارف.
صرخت
إنت بتقول إيه؟
قال
أنا كنت محامي عادل، مش شريك في الجريمة.
قلت
طب ليه سكت؟
قال
لأن عادل طلب مني.
ليه؟
لأنه كان بيحاول يحمي ابنه.
من مين؟
الرجل بص ناحية الباب.
وبصوت منخفض قال
من الناس اللي كانوا بيشتغلوا معاه.
قلت
كان بيشتغل في إيه؟
سكت.
نادر.
قال
أبوك كان بيمتلك شركات استيراد.
وبعدين؟
لكن بعض الشحنات ما كانتش قانونية.
سلمى قالت
تهريب؟
هز راسه.
أكتر من كده.
قلت
أسلحة؟
ما ردش.
لكن سكوته كان كفاية.
قلت
وياسين عرف؟
قال
مش ياسين.
مين؟
أمه.
سكت.
ثم قال
أمه اكتشفت حاجة كبيرة.
إيه؟
قال
إن عادل ما كانش صاحب القرار.
سألته
مين؟
قبل ما يرد...
النور قطع.
سلمى قامت فورًا.
أنا سحبت سلاحي.
سمعنا صوت حاجة بتتكسر في المطبخ.
نادر صرخ
اهربوا!
اتجهنا ناحية الباب.
لكن قبل ما نخرج، سمعنا صوت رصاصة.
وقعت حاجة في الصالة.
لما رجع النور...
نادر كان واقع على الأرض.
جريتلُه.
كان لسه بيتنفس.
فتح عينه بصعوبة.
وقال
المقبرة...
إيه؟
المقبرة القديمة...
مقبرة مين؟
مسك إيدي.
الولد...
وبعدين فقد الوعي.
سلمى اتصلت بالإسعاف.
لكن قبل ما نوصل للمقبرة، وصلتني رسالة.
صورة.
فتحتها.
كانت صورة لياسين.
بس مش وهو طفل.
صورة حديثة.
الولد واقف في مكان مظلم.
وعلى الحيطة وراه مكتوب
رجّعوا اللي أخدوه.
تحتها عنوان.
مقبرة عائلة النجار.
روحنا هناك.
المقبرة كانت قديمة.
الباب الحديدي مكسور.
دخلنا.
لقيت قبر ياسين.
وقفت قدامه.
الاسم محفور.
التاريخ.
كل شيء.
لكن سلمى لاحظت حاجة.
قالت
محمود.
بصيت.
القبر مفتوح.
نزلنا.
التراب كان جديد.
فتحت المقبرة.
التابوت كان فاضي.
فاضي تمامًا.
ولا عظمة.
ولا ملابس.
ولا أي أثر.
سلمى قالت
يعني فعلًا ما كانش هنا.
قلت
أيوه.
وبينما إحنا واقفين...
سمعنا صوت طفل.
من ورا المقبرة.
محمود.
اتجمدت.
الصوت كان ضعيف.
لكن واضح.
جريت ناحية الصوت.
لقيت ياسين.
واقف لوحده.
حافي.
متسخ.
وفي إيده ورقة.
جريت عليه.
لكن قبل ما ألمسه، قال
ماتقربش.
وقفت.
قلت
ياسين، أنا محمود.
قال
أنا عارف.
إنت مين اللي أخدك؟
بصلي.
اللي خدني مش هو اللي رماني.
مين رماك؟
سكت.
قلت
فين أهلك؟
قال
ماما عايشة.
حسيت قلبي وقف.
أمك؟
هز راسه.
هي اللي قالتلي أهرب.
من مين؟
بص وراه.
قال
من جدو.
سلمى قالت
جدو مين؟
ياسين بصلي.
وقال
الراجل اللي إنت كنت بتثق فيه.
أنا ما احتجتش يسميه.
لأن الاسم جه في دماغي فورًا.
سامح فؤاد.
الرجل اللي علمني الشرطة.
الرجل اللي وقّع تقرير وفاة ياسين.
الرجل اللي كان آخر واحد شاف الجثة.
وفي اللحظة دي، فهمت إن القضية القديمة ما اتقفلتش.
هي بس اتدفنت.
واللي دفناها...
كان مستني محمود حمدي يرجع يفتحها.
الفصل الثالث الرجل اللي علمني الكذب
أخدنا ياسين لمكان آمن.
ما كانش ينفع نرجعه المستشفى.
ولا القسم.
ولا أي مكان رسمي.
لأننا ما كناش نعرف مين ممكن يكون متورط.
قعدنا في شقة قديمة تخص أحد زملائي المتقاعدين.
ياسين كان ساكت.
بياكل ببطء.
كل شوية يبص ناحية الباب.
قلتله
إنت خايف؟
هز راسه.
من مين؟
قال
من الناس اللي بييجوا بالليل.
بيعملوا إيه؟
يسألوني أسئلة.
عن إيه؟
عن أمي.
سلمى سألت
أمك فين؟
قال
مش عارف.
آخر مرة شفتها إمتى؟
فكر.
من شهرين.
وكانت فين؟
في بيت كبير.
مين صاحبه؟
هز راسه.
ماعرفش.
بصلي.
بس كان فيه صورة كبيرة ليك.
اتجمدت.
صورتي؟
قال
أيوه.
فين؟
في أوضة المكتب.
سلمى بصتلي.
قلت
أنا عمري ما دخلت بيتهم.
ياسين قال
أنت دخلت.
إمتى؟
قال
وأنت صغير.
الكلمة دي وجعتني.
أنا؟
هز راسه.
ماما كانت بتقول إنك أنقذتني.
سألته
أنقذتك من إيه؟
قال
منهم.
مين هم؟
السؤال ده فضل معلق.
وفي نفس
متابعة القراءة