بعد 5 سنين من طلاقنا حواديت توتا
المحتويات
يا أبويا؟
وما كنتش أعرف إن اللي جاي...
كان أخطر من كل اللي فات.
الفصل الثالث لما الحقيقة ظهرت كاملة
تاني يوم الصبح، وصلت المكتب القديم قبل الساعة عشرة بعشر دقايق.
المكتب كان تابع لشركة أبويا.
مكان قديم في وسط البلد، كنت بروحه وأنا صغير.
دخلت.
ريحة الورق القديم والتراب رجعتلي ذكريات كنت فاكر إني دفنتها.
الراجل اللي كلمني كان مستنيني.
أول ما شوفته، عرفته.
عم جابر.
كان محاسب أبويا القديم.
راجل قضى أكتر من تلاتين سنة شغال معاه.
بصلي وقال
كنت عارف إنك هتيجي.
إنت اللي طلبتني؟
أيوه.
ليه؟
طلع مفتاح صغير من جيبه.
عشان أبوك قبل ما يموت سلمني ده.
بصيت للمفتاح.
إيه ده؟
خزنة.
فين؟
هتعرف.
دخلنا غرفة صغيرة في آخر المكتب.
فتح باب خشب قديم.
ورا الباب خزنة حديد.
دخل المفتاح.
فتحها.
جواها كان فيه ملف كبير.
وصور.
وأشرطة تسجيل.
وحسابات بنكية.
وعقود.
وفي النص ظرف مكتوب عليه
لما أحمد يعرف الحقيقة.
إيدي بدأت ترتعش.
فتحت الظرف.
ورقة واحدة.
يا أحمد، لو إنت بتقرأ الكلام ده، يبقى أنا مت، ومبقاش عندي فرصة أواجهك.
وقفت.
عم جابر قال
اقرأ.
كملت.
أنا مش هطلب منك تسامحني. لأن اللي عملته ما يتسامحش بسهولة.
دموعي نزلت.
لكن لازم تعرف إني ما كنتش بعمل ده عشان أكره سارة. أنا كنت خايف أخسرك.
وقفت عند الجملة دي.
خايف يخسرني؟
كملت.
من أول ما عرفت إن نتائج التحاليل سليمة، فهمت إن المشكلة مش عندك. لكني كنت عارف إنك متعلق بسارة بشكل أكبر مما كنت متعلق بيك أنا. وكنت خايف إن حياتك كلها تبقى في إيدها.
مسكت الورقة بقوة.
لما عرفت إنها حامل، كان قدامي اختيارين. أقولك الحقيقة وأسيبك ترجع لها، أو أكمل الكذبة.
عم جابر قال
أبوك اختار الكذبة.
قلت بغضب
عارف.
لأ، لسه.
بصيتله.
فيه أكتر.
كملت القراءة.
أنا طلبت من الدكتور يطلع نسخة مختلفة من التحليل. لكني ما كنتش لوحدي.
اتجمدت.
بصيت لعم جابر.
يعني إيه؟
قال
اقرأ.
كملت.
كان فيه شخص تاني بيساعدني.
وتحتها اسم.
سامح مراد.
ابن عمي.
صرخت
سامح؟
عم جابر هز راسه.
أيوه.
سامح كان ابن عمي وأقرب شخص لأبويا في الشغل.
كان دايما بيظهر في المناسبات.
وكان أول واحد وقف جنبي بعد الطلاق.
وكان كل مرة يقوللي
إنت عملت الصح.
حسيت بالغثيان.
عم جابر قال
سامح هو اللي كان بيتابع الورق.
ليه؟
لأن أبوك كان مريض وقتها، وكان سامح هو اللي ماسك جزء كبير من الحسابات.
قلبت في الملف.
لقيت تحويلات مالية.
مبالغ اتدفعت للدكتور.
مبالغ اتدفعت لشخص كان شغال في المستشفى.
وبعدين لقيت حاجة أخطر.
إيصال باسم سارة.
لكن سارة عمرها ما أخدت الفلوس.
بصيت لعم جابر.
دي إيه؟
قال
أبوك دفع لسامح فلوس عشان يبعد أبو سارة عن الموضوع.
يعني محمود كان مهدد بفلوس؟
وبحاجات تانية.
لقيت ورقة فيها تقرير عن حادث عربية.
تاريخ الحادث كان بعد طلاقنا بأيام.
محمود كان فعلا اتعرض لحادث.
لكن الملف الرسمي قال إنه حادث عادي.
عم جابر قال
أبوك ما أمرش بده.
بصيتله.
إنت متأكد؟
أيوه.
أمال؟
سامح.
سكت.
سامح كان عايز يضمن إن محمود يسكت.
حسيت الدنيا بتلف بيا.
طلعت موبايلي واتصلت بيه.
رد بسرعة.
أحمد؟
إنت فين؟
في الشركة.
تعالى المكتب القديم.
سكت.
ليه؟
عشان عندي ورق يخصك.
صوته اتغير.
إيه ورق؟
تعالى.
قفلت.
عم جابر قال
إنت متأكد؟
أيوه.
بعد حوالي عشرين دقيقة، الباب اتفتح.
سامح دخل.
بصلي.
وبعدين بص للملفات.
وشه اتغير.
إنت لقيت الخزنة.
قلت
أيوه.
سكت.
ليه؟
ليه عملتوا كده؟
إنت مش فاهم.
فهمني.
أبوك كان خايف عليك.
ضحكت.
وإنت؟
أنا كنت خايف على الشركة.
اتجمدت.
يعني إيه؟
قال
بعد ما اتطلقت من سارة، أبوك كتب معظم أملاكه باسمك.
وده يخصني.
سارة كانت هتدخل حياتك تاني.
وإيه المشكلة؟
المشكلة إن لو رجعتلها، كان أبوك هيكتب كل حاجة باسم أولادك.
سكت.
سامح كمل
وأنا كنت هخسر كل حاجة.
فهمت.
الموضوع ما كانش حب.
ولا خوف عليا.
كان فلوس.
سامح كان عايز يضمن إن الثروة تفضل في إيده.
قلت
فخليتني أطلق مراتي.
أبوك هو اللي قرر.
وإنت ساعدته.
سكت.
أيوه.
وإنت كنت عارف إن عندي طفلين؟
أيوه.
من إمتى؟
من قبل ما يتولدوا.
اتقدمت ناحيته.
وكنت بتشوفني كل أسبوع.
أحمد...
كنت بتقولي إني لازم أنسى سارة.
كنت بحاول أحميك.
صرخت
تحميني من إيه؟ من ولادي؟!
سكت.
دموعي نزلت.
إنتو سرقتوا مني خمس سنين.
عم جابر قال
سامح، كفاية.
سامح بص للأرض.
أنا غلطت.
غلطت؟
ضحكت.
إنت عارف يعني إيه طفل يكبر وهو بيسأل أمه فين أبوه؟
ما ردش.
عارف يعني إيه أم تخبي عن ولادها صورة أبوهم عشان خايفة؟
سكت.
عارف يعني إيه أنا نفسي كنت فاكر إني محروم من الأطفال؟
سامح دمعت عينه.
أنا ندمان.
قلت
الندم مش هيرجع خمس سنين.
خرجت من المكتب.
لكن قبل ما أمشي، عم جابر سلمني الملف.
خده.
ليه؟
عشان دي مش مجرد أوراق.
بصيتله.
دي الحقيقة اللي لازم سارة تعرفها.
رجعت المستشفى.
سارة كانت واقفة عند الشباك.
أول ما شافتني، عرفت من وشي إن في حاجة حصلت.
إيه اللي حصل؟
حطيت الملف قدامها.
اقري.
فتحت.
قعدت.
قلبت أول ورقة.
وبعدين التانية.
ولما وصلت لتوقيع سامح، إيديها بدأت ترتعش.
أنا كنت حاسة.
بصيتلها.
إيه؟
كنت حاسة إن أبوك مش لوحده.
دموعها نزلت.
بس ما كانش عندي دليل.
قعدت جنبها.
دلوقتي عندك.
فضلنا ساكتين.
بعد شوية قالت
أحمد.
نعم؟
إنت عايز إيه؟
السؤال كان بسيط.
لكن إجابته كانت أصعب حاجة في حياتي.
بصيت ناحية الولدين.
ياسين كان بيرسم.
آدم كان بيبني مكعبات.
قلت
عايز أبقى أبوهم.
سكتت.
وعايز أكون جنبك.
بصتلي.
دي حاجة تانية.
عارف.
أنا مش هقدر أنسى.
مش طالب منك تنسي.
ومش هقدر أرجع كأن الخمس سنين ما حصلوش.
ولا أنا.
يبقى إنت عايز إيه؟
بصيت في عينيها.
عايز أبدأ من الصفر.
سكتت.
من غير ضغط.
هزت راسها.
يعني؟
يعني أبقى موجود.
بس.
بس.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
دي أول مرة تقول حاجة صح من ساعة ما شوفتك.
ضحكت.
ممكن أبدأ بياسين وآدم.
ابدأ بيهم.
وقفت.
وبعدين نشوف.
مرت الشهور.
وأنا فعلا بدأت من الصفر.
كنت بروح آخذ الولدين من المدرسة.
أذاكر لياسين.
ألعب مع آدم.
أروح معاهم للدكتور.
أحضر حفلات المدرسة.
أعرف مين صاحب ياسين المفضل.
وأعرف إن آدم بيكره اللبن وبيحب الفراولة.
وأكتشف حاجات بسيطة كان المفروض أعرفها من سنين.
وفي كل مرة كنت أشوف سارة، ما كنتش أطلب منها ترجع.
كنت بس أقول
تصبحي على خير.
وأنزل.
لحد يوم عيد ميلاد ياسين.
كان عنده ست سنين.
عملنا حفلة صغيرة.
وأثناء الحفلة، سحبني من إيدي.
بابا.
نعم؟
ماما زعلانة منك؟
اتوترت.
ليه؟
عشان كل ما تيجي تمشي لوحدك.
بصيت لسارة.
كانت واقفة بعيد.
ياسين قال
إنت بتحبها؟
ابتسمت.
أيوه.
طب قول لها.
ضحكت.
الحاجات دي مش كده.
ليه؟
عشان الكبار معقدين.
قال بمنتهى الجدية
طب ما تبقاش كبير.
ضحكت من قلبي.
لكن كلمته فضلت في دماغي.
بعد ما الضيوف مشيوا، سارة كانت بتلم الصحون.
دخلت المطبخ.
أساعدك؟
قالت
إنت ضيف.
أنا أبو الولاد.
وأنا قلت إنك ضيف.
ضحكت.
تمام.
فضلت واقف.
وبعدين قلت
سارة.
همم؟
ياسين سألني إذا كنت بحبك.
وقفت.
وقلتله إيه؟
الحقيقة.
بصتلي.
قلتله أيوه.
نزلت عينيها.
وأنت؟
أنا إيه؟
لسه...
سكتت.
وبعدين قالت
لسه بتحبني؟
قربت خطوة.
أنا عمري ما بطلت.
دموعها نزلت.
بس أنا اتوجعت منك.
عارف.
وكنت محتاجة خمس سنين عشان أصدق إني أقدر أعيش من غيرك.
وعايزة ترجعي؟
سكتت.
وبعدين ابتسمت.
مش عارفة.
ابتسمت.
خدي وقتك.
رفعت عينيها.
إنت اتغيرت.
اتعلمت.
إيه؟
إن الحب مش إنك تمسك في اللي بتحبه وتخاف تخسره.
سكت.
الحب إنك تسيبه يختار.
دموعها زادت.
وأنا اخترتك زمان.
قلت
وأنا ضيعت الاختيار.
بعدها ما حصلش مشهد كبير.
ما رجعناش لبعض في نفس الليلة.
لكن بعدها بأسبوع، سارة اتصلت بيا.
أحمد.
نعم؟
ممكن تيجي؟
حاضر.
روحت.
الولدين كانوا في الصالة.
ياسين جري عليا.
بابا!
حضنته.
آدم جري وراه.
سارة كانت واقفة عند باب الشقة.
قالت
أنا فكرت.
قلبي دق.
وفكرتي في إيه؟
إننا مش محتاجين نرجع زي الأول.
سكت.
محتاجين نبني حاجة جديدة.
ابتسمت.
مع بعض؟
هزت راسها.
لو لسه عايز.
ضحكت.
أنا مستني من خمس سنين.
قالت
بس في شروط.
قولي.
مفيش أسرار.
موافق.
مفيش حد يتدخل بينا.
موافق.
وأول مشكلة ما نهربش.
موافق.
ولو اختلفنا نتكلم.
موافق.
ابتسمت.
إنت بتوافق على أي حاجة.
قلت
خمس سنين من غيرك علموني ما أضيعش فرصة.
قربت.
ومسكت إيدي.
المرة دي ما كانتش إيدي اللي بتطلب منها ترجع.
كانت إيدها هي اللي اختارت تمسك إيدي.
ومن جوه الصالة، سمعنا ياسين بيقول
ماما!
ردت
نعم؟
بابا هينام هنا؟
بصتلي.
ضحكت.
لسه بدري.
ياسين اتنهد.
الكبار معقدين.
ضحكنا كلنا.
وبعد سنة، عملنا حاجة بسيطة.
مش فرح كبير.
ولا حفلة.
بس كتبنا كتابنا من جديد.
المرة دي من غير خوف.
من غير تدخل.
ومن غير كذبة.
وأمي كانت موجودة.
كانت قاعدة في أول الصف، ودموعها بتنزل.
بعد ما خلصنا، قربت منها.
حضنتني وقالت
سامحني.
قلت
أنا مسامحك.
بجد؟
أيوه.
وبعدين بصيت لسارة والولدين.
بس مش هنسى.
قالت
ولا أنا.
وأنا لأول مرة فهمت إن في فرق كبير بين إنك تنسى وبين إنك تسامح.
أنا ما نسيتش الخمس سنين.
ولا الوجع.
ولا الأيام اللي فاتت.
لكن قررت ما أخليش اللي حصل يسرق باقي عمري.
بعدها بفترة، ياسين سألني
بابا، هو ليه كنت بعيد عننا؟
سكت.
وبعدين نزلت لمستواه.
عشان زمان، بابا صدق حاجة غلط.
إيه؟
صدق إن مفيش أطفال هييجوا.
وبعدين؟
بصيت لسارة.
وبعدين ربنا رزقني بأحسن اتنين في الدنيا.
آدم قال
أنا أحسن ولا ياسين؟
ياسين زقه.
أنا طبعا.
ضحكت.
الاتنين.
جريوا عليا.
حضنتهم.
وسارة كانت واقفة بتتفرج علينا.
في اللحظة دي فهمت إن حياتي ما رجعتش زي ما كانت.
وده كان أحسن شيء حصل.
لأن لو رجعت زي ما كانت، يمكن كنت أغلط تاني.
لكنها بدأت من جديد.
بشكل مختلف.
أهدى.
وأصدق.
وبعد كل اللي حصل، فضلت جملة واحدة من جواب أبويا في دماغي.
أنا كنت خايف أخسرك.
يمكن دي كانت الحقيقة.
هو فعلا كان خايف.
لكن خوفه خلاه يؤذي الناس اللي كان المفروض يحميهم.
وعرفت وقتها إن الإنسان مش بيتحاسب بس على نيته.
بيتحاسب على أثر أفعاله.
وأبويا رحل.
وسامح اتحاسب على اللي عمله.
وسارة وأنا بدأنا نتعلم إزاي نربي طفلين من غير ما نخلي الماضي يعيش وسطنا.
وأمي بقت تزورنا كل جمعة.
وياسين كان كل مرة يسألها نفس السؤال
تيتا، إنتي كنتي عارفة إن بابا موجود؟
فتضحك وتقول
كنت عارفة حاجات كتير.
فيرد
طب ليه ما قولتيش؟
فتبصلي.
وأنا أقول
عشان الكبار ساعات بيغلطوا.
فيقول ياسين
طب ما تتعلموا.
وساعتها كلنا نضحك.
لأن الطفل اللي عرف أبوه وهو عنده ست سنين...
كان أذكى من ناس كبار ضيعوا خمس سنين كاملة بسبب الخوف والكذب.
أما أنا؟
أنا ما بقيتش أحمد اللي وقع على ورقة طلاق من غير ما يبص في وش مراته.
بقيت الراجل اللي كل يوم يبص في وش أولاده ويشكر ربنا إنه اداله فرصة تانية.
فرصة ما كانتش سهلة.
ولا مضمونة.
لكنها كانت حقيقية.
وفي الآخر، اكتشفت إن أكبر خسارة في حياتي ما كانتش الطلاق.
ولا الخمس سنين اللي ضاعوا.
أكبر خسارة كانت إني صدقت إن الحقيقة لازم تكون زي الورق اللي قدامي.
مع إن الحقيقة الحقيقية...
كانت ماسكة إيدي من أول لحظة دخلت المستشفى.
وكانت بتناديني
بابا.
ومن يومها، قررت ما أسيبش إيدها تاني.
الخاتمة اللي اتصلح ما بقاش زي الأول
عدت سنتين.
سنتين اتغير فيهم كل شيء.
ياسين بقى عنده تمن سنين، وآدم بقى سبع سنين.
والبيت اللي كان زمان ساكت، بقى مليان دوشة.
صوت خطوات صغيرة.
خناقات على الريموت.
ضحك.
كتب مرمية على الترابيزة.
وجزم أطفال عند باب الشقة.
حاجات بسيطة جدا، لكن بالنسبة لي كانت أغلى من أي حاجة امتلكتها في حياتي.
كنت واقف في المطبخ بعمل سندوتشات للولدين، لما سمعت صوت سارة من الصالة
أحمد!
رديت
نعم؟
تعالى شوف ولادك عملوا إيه.
خرجت بسرعة.
لقيت ياسين وآدم واقفين جنب الحيطة.
والحيطة...
كانت مليانة رسومات.
كل رسمة أسوأ من اللي قبلها.
بصيت لهم.
مين
متابعة القراءة