المربيه الجديده
بعدين انهار على الكرسي اللي كان وراه، ودموعه نزلت لأول مرة بصوت مسموع. قعدت جنبه وما تكلمتش، مسكت إيده وضغطت عليها. كنت عارفة إن الوجع ده مش بس من اللي حصل ده وجع خيانة من أقرب الناس ليه. أخوه. شريك عمره. اللي وثق فيه بكل شيء.
بعد يومين طلعت نتائج التحاليل. المادة اللي كانت بيتسمموا بيها اسمها مركب كيميائي نادر، كان كريم بيجيبه من برة مصر ببطء، وبيحطها في نظام التهوية شويه شويه عشان ما يلاحظ حد تغيير كبير. والحمد لله إننا اكتشفناها قبل ما يفوت الأوان. الدكاترة قالوا إن الضرر لسه قابل للعلاج، وإن شاء الله خلال شهور حيرجعوا زي ما كانوا، بس هيتعبوا شوية في الفترة الجاية.
مرّت الأيام. طردنا كل اللي لهم صلة بالموضوع، وغيّرنا كل أقفال البيت، وجبنا دكاترة جدد أشرفوا على علاج الأولاد. وبدأت حالتهم تتحسن ببطء لكن بثبات. أول مرة نزلوا يلعبوا في الجنينة كنت واقفة من بعيد بشوفهم، وقلبي بيتنمل من الفرحة. كانوا بيجروا ويضحكوا زي ما كانوا زمان. عمر كان واقف جنبي، وبص لي وقال بصوت مليان امتنان
كنتِ قلتلي إنك بتشوفي الحاجات اللي الناس بتتجاهلها. ولولاكِ كانوا راحوا مني. مش عارف أشكرك إزاي.
ما تشكرنيش قلت له بابتسامة ده واجبي. والحمد لله إن الحل كان جوا البيت طول الوقت بس محدش فكر يبحث في المكان الغلط. الحل أحيانًا بيكون قوي مننا، بس بنكون مشغولين بالبحث بعيد عنه.
عدّت شهور كتير، واستقرّت الحال. الأولاد رجعوا أقوى وأحسن، وبقيت معاهم، مش بس مربية، بل كأني فرد من العائلة. كريم اتسجن، والقضاء أخذ مجراه، وعمر رجع يمشي شويه في شغله لكن بيتأكد إنه يكون مع أولاده أكتر من قبل. البيت الكبير اللي كان مليان حزن وقلق سنين طويلة، رجع يملاه ضحك الأطفال والدفء اللي كان ناقصه.
وفي يوم من الأيام، كنت قاعدة معاهم في الجنينة بعد العصر، يونس جري عليا وقعد في حضني وقال سلمى، إنتِ هتفضلي معانا طول الوقت؟
بصيت لعمر اللي كان بيشوفنا من بعيد بابتسامة، وبصيت للولدين اللي رجعوا يتنفسوا الهواء النقي من غير ما حد يمنعهم، وقلت بكل قلبي أيوه يا روحي. هفضل معاكم طول الوقت. إنتو عيلتي دلوقتي.
عمر قرب منّا وقعد جنبنا، وقال بصوت هادي ومطمئن البيت ده بقى بيتنا كلنا. وما حدش هيدخل بينا تاني. الحمد لله اللي كشف السر قبل ما كان يفوت الأوان.
وهكذا انتهت القصة اللي بدأت بملايين مصروفة وما لوش نتيجة، وانتهت بملاحظة بسيطة وقلب نظيف ما يخاف يقول الحق. أحيانًا السر مش بيكون في المستشفيات ولا في الدكاترة بيكون جوا البيت، بين الحيطان، في الهواء اللي بيتنفسوه كل يوم. والمشكلة مش في إننا ما نعرفش الحل المشكلة إننا مش بندور عليه في المكان الصحيح.
والحمد لله دائمًا وأبدًا.