المربيه الجديده
المحتويات
الأعراض كانت غريبة ومتغيرة تعب مستمر ما يروح مع راحة، صداع نصفي كل يوم تقريبًا، مغص متكرر ما لوش وقت معين، قلة تركيز واضحة، شهية تتقلب من يوم ليوم لدرجة إنهم في يوم ياكلوا كتير ويوم تاني ما يلمسوا الأكل خالص، وفقدان وزن بطيء لكن مستمر. والأغرب من كل ده الولدين كانوا زمان زي أي طفلين عندهم سبع سنين، يجروا في البيت، يلعبوا بالساعات، يطلعوا السلم وينزلوا منه عشرين مرة من غير تعب. دلوقتي في أيام كان مجرد نزولهم من السلم بيبقى مجهود عليهم يخلّيهم يتنفسوا بصعوبة ويتعرقوا.
عمر صرف أكتر من 150 مليون جنيه على دكاترة من كل أنحاء العالم، تحاليل في أكبر المعامل، مستشفيات خاصة، أشعات وتخطيطات وتحاليل وراثية ومع ذلك، ولا حد عرف يقول له العيال مالهم. كل دكتور يدخل القصر يخرج بنظرية جديدة ده حساسية، ده ضغط نفسي، ده مشكلة في المناعة، ده نقص فيتامينات، ده حاجة نفسية ولا نظرية اتثبتت، ولا علاج نفع، وحالتهم بتسوء ببطء لكن بثبات كل يوم يعدي.
رفعت راسي من الملف وسألته بهدوء ومامتهم؟
وشه اتغير فجأة. لون شاحب، وملامحه اتقفلت كأنه بيوصد باب قدام حاجة مؤلمة. فضل ساكت لحظة طويلة بتعذّب فيها الذكريات، وبعدين قال بص ناعم وموجوع ماتت من أربع سنين في حادثة عربية. انقلبت بيتهم في الطريق للإسكندرية. كنت معاهم بس لحسن الحظ كنت سايق العربية التانية وراهم شفت كل حاجة حصلت وما قدرت أنقذها.
بصيت للملف تاني وقلبت الصفحات عشان أكون دقيقة والولاد بدأوا يتعبوا بعدها؟
هز راسه ببطء وعينيه بدأت تدمع وهو بيحبس دموعه بكل قوته بعد فترة بس. بس كانت فترة طويلة سنتين كاملين بعد الحادثة وهم تمامًا. كانوا بخير. لحد ما بدأ التعب يظهر عليهم شيئًا فشيئًا، وكل ما كبرّوا شوية، الحالة بتزيد.
وقبل ما أسأله أي سؤال تاني، باب المكتب اتفتح من غير حتى خبط قوي. دخل الدكتور شريف علام، الدكتور الخاص بالأولاد، راجل في أواخر الأربعينات، لابس بدلة غالية قماشها ناعم، وساعته على إيده شكلها أغلى من عربية ناس كتير في البلد. بصلي من فوق لتحت بنظرة استخفاف واضحة، وقال بص عالٍ ومتعجرف
مين دي؟ وجبتها ليه؟ العيال محتاجة رعاية طبية مش أي حد تجيبيها من الشارع!
عمر رد بثبات لكن بصوت هادي سلمى منصور. المربية الجديدة. اتفقنا عليها.
الدكتور ضحك ضحكة قصيرة عالية ومليانة سخرية المربية الجديدة! يا سلام! الأولاد محتاجين خبرة طبية، مش حد يشتغل مربية ويفتكر نفسه محقق أو دكتور. سيبك منها يا عمر، ده مش هتقدّم حاجة.
بصيت له بكل هدوء وما انفعلتش، وقلت معاك حق تمامًا.
سكت الدكتور شريف متفاجئ، كان واضح إنه كان متوقع إني أزعق أو أدافع عن نفسي بصوت عالٍ. لكنّي كملت بنفس النبرة الهادية
بس حضرتك بتعالجهم بقالك قد إيه؟
حوالي 11 شهر ردّ بسرعة وبتأكيد، لكن عينيه لمعت بشيء من الحرج.
ولسه عرفت السبب لحد النهاردة؟ سألته بكل أدب، وقلبي كان بيدق.
سكت. السكوت ده كان أبلغ وأوضح من أي إجابة ممكن يقولها. بص عمر للدكتور، وبعدين بصلي، وقال بمنتهى الحسم والقرار اللي رجّح كفة الميزان كلها
سلمى اتعيّنت. شغلها يبدأ من النهاردة.
الدكتور شريف اتنرفز جدًا، لون وشه اتغير للحمرة، وخرج من المكتب وهو بيقفل الباب وراه بعنف لدرجة إن الحيطان كلها اتحركت والملفات على الترابيزة اهتزّت.
لما بقينا لوحدنا في الأوضة، عمر بصلي وقال بابتسامة تعبانة إنتِ بتحبي تستفزي الناس ولا إيه؟
ابتسمت ابتسامة بسيطة ومطمئنة وقلت لأ خالص. بس مش بحب أخلط بين الثقة بالنفس وبين إن الواحد فاهم كل حاجة وما يخطئ أبدًا. كل واحد ممكن يغلط والمشكلة لما يخاف يعترف.
فضل ساكت يفكر في الكلام ده كتير، وبعدها أخدني معاه للدور العلوي. السلم كان رخام لامع يعكس الصور، والطرقة طويلة وعريضة، وفيها لوحات فنية بآلاف الجنيهات، لكن الهواء هناك كان تقيل، كأنه معبّق بوجع خفيّ. أوضة ياسين ويونس كانت في آخر الطرقة الطويلة دي. كل واحد ليه باب منفصل، لكن بينهم باب داخلي مفتوح غالبًا عشان الولدين يبقوا قريبين من بعض. كنت لسه هفتح أول باب وفجأة وقفت في مكاني تمامًا.
شمّيت ريحة غريبة. كانت حلوة في الأول شبه ريحة الورد الجوري أو معطرات البيوت الفاخرة اللي بتتباع في المحلات الكبيرة. لكن وراها ريحة تانية خفيفة، مصطنعة، حادة شوية، حاجة مش مريحة خالص لما تتنفسها بعمق. بصيت حواليّ بتركيز، ومشيت خطوتين ناحية الحيطة بين البابين، لحد ما وقفت قدام فتحة تهوية مزخرفة كبيرة موجودة بالظبط بين أوضة الولدين. قربت ووشي ناحية الشبكة المعدنية اللي تغطيها، والريحة ضربت في أنفي بقوة أكتر من قبل كده. كانت طالعة منها بالظبط.
لفيت لعمر بسرعة قلبي بيدق جامد آخر مرة نظام التهوية المركزي هنا اتفحص إمتى بالظبط؟
بصلي باستغراب واضح، ما كانش فاهم ليه الاهتمام بالتهوية بالذات معرفش بصراحة النظام مركزي وأوتوماتيك، بيشتغل طول الوقت من غير ما حد يلمسه. شركة الصيانة بتعمل صيانة دورية كل فترة.
قلت وأنا بعينيه أنا ما سألتش مين الشركة اللي بتصينه سألت مين اللي عنده صلاحية التحكم فيه؟ يقدر يشغله، يطفيه، يغير في درجته، أو يدخل فيه أي حاجة؟
وقبل ما يرد بكلمة واحدة، سمعنا صوت حاجة وقعت على الأرض ورانا. لفينا بسرعة. كانت الحاجة زينب، مدبرة البيت اللي بتشتغل هنا من زمان، واقفة ماسكة شوية فوط بيضاء نظيفة. الفوط وقعت من إيدها على الأرض من غير قصد. لكن ده مش اللي لفت انتباهي. اللي لفت انتباهي كان وشها. كانت بتبص على فتحة التهوية أولًا بنظرة مرعوبة، وبعدين بصتلي بعينين اتملأت خوف صريح. لون وشها شحب كالورق الأبيض، ويدها اترجفت.
في اللحظة دي بالذات فهمت حاجة واحدة أكيدة أنا مش أول واحدة تلاحظ الريحة دي. الحاجة زينب كانت عارفة. كانت عارفة من زمان. ويمكن كانت عارفة أكتر بكتير مما بتقول أو تجرأ تقول. بصيت لعمر، وبعدين للفتحة، وبعدين للحاجة زينب اللي ما تحركتش من مكانها. وساعتها بدأ سؤال أخطر وأقوى يضرب في دماغي ويردّد جوايا لو مرض الولدين مرتبط بالبيت بالذات، ومرتبط بالهواء اللي بيتنفسوه كل يوم من الفتحة دي مين اللي كان بيخليهم يستنشقوا الحاجة دي كل يوم؟ ومين اللي له مصلحة في إنهم يمرضوا؟ والأخطر من كده ليه؟
بعد ثواني صمت تقيلة، عمر كلم زينب بصوت عالٍ شويه زينب، تعالي هنا.
مشيت ببطء وهي ماترفعش عينها فينا، ووقفت قدامنا. قلت لها بهدوء أحاول أقلّل خوفها ما تخافش يا حاجة زينب. أنا بس عايزة أسألك سؤال. من امتى الريحة دي موجودة هنا؟
بلعت ريقها وقالت بصوت خافت متقطع مش عارفة يا ست سلمى ما لاحظتش حاجة ريحة معطر عادي والله
الريحة الحلوة دي معاها حاجة تانية قلت وأنا بثبّت نظري فيها حاجة مش معطر عادي. وأنتِ عارفة كويس إنها مش عادية. قولي لي من امتى وهي موجودة؟ ومين اللي بيجي هنا قريب من الفتحة دي؟
زينب اترددت كتير، بصيت ليمين وشمال كأنها بتخاف حد
متابعة القراءة