صياد مصرى

لمحة نيوز

بابا راح عند ربنا. لكن بابا كان بطل، وبيحبك أكتر من أي حاجة.
بقيت واقف من بعيد، أشوف المشهد ده وقلبي مكسور، لكن في نفس الوقت حاسّ براحة خفيفة. سيف مش هيروح لمكان غريب. هيروح مع أهله، مع حد بيحبه.
الرائد كريم جاني مرة تانية، ومدّ لي ورقة بتاع إفادة لازم أوقّعها، وبعدها قال لي
شكرًا مرة تانية يا عماد. لو ما أنت، ما كنتش عرفنا حصل إيه. والطفل كان ممكن يتعرض لخطر كبير.
ما عملتش غير الواجب قلت له والفضل كله لوالده. هو اللي أنقذه. هو اللي رتب كل حاجة قبل ما يفارق الحياة.
هزّ الرائد كريم راسه موافقًا
صدقت. راجل نادر الوجود. طلبت من السلطات إن الرسالة تتبقى مع سيف لما يكبر، عشان يعرف قد إيه أبوه كان بيحبه. واتفقنا نكتب اسم يوسف في سجل الشهداء، عشان تضحيته تُتذكر.
وقفت شوية أتأمل المكانالصخور السوداء، الشاطئ، البحر اللي هادي دلوقتي لكن كان غاضب قبل يومينوشعرت إن هناك روح حرة طايرة فوق المكان ده، روح يوسف، مرتاحة ومطمئنة لأن ابنه بخير.
سيف راح مع خالتو في النهاية. لما كان بيركب العربية، لفّ وبص لي، ورفّع إيده الصغيرة يسلم عليّ. رفّعت إيدي أنا كمان، وقلت له بصوت مسموع
مع السلامة يا سيف. وكن متأكد إن بابا فخور بيك.
ابتسم لي لأول مرة، ابتسامة صغيرة حزينة لكنها مشرقة، واختفى داخل العربية.

الجزء الثاني السنين والذكرى
مرّت السنين. بقيت أعيش في نفس المكان، وأصيد في نفس الجزء من الساحل. كل مرة بشوف الموج وهو جاي وياخد ويرجع، بتذكر الحكاية. بتذكر يوسف وسيف والشنطة السوداء والرسالة اللي كتبتها يد أب محبّ في آخر لحظات حياته.
السيدة زينب كانت بتكلمني كل فترة، بتطمنني على سيف. كانت تقول إنه كبر، وإن ذكي وطيب القلب، وكل ما يكبر يشبه أبوه أكتر وأكتر. كانت تقول إنه بيحب البحر زي ما أبوه كان بيحبه، وإن كل سنة في نفس اليوم اللي لقيته فيه، بيجي للشاطئ معاها ويحطّ وردة في الماء لروح يوسف.
مرّت عشر سنين كاملة من ذلك اليوم. وكنت قاعد في بيتي صباح يوم عادي، لما سمعت خبط على الباب. فتحت، ووقفت متجمد مكاني.
كان واقف قدامي فتى صغير، عمره حوالي اثني عشر سنة، طويل ونحيف شوية، وعينيه السوداوين اللي ما أنساهم أبدًا. وراه السيدة زينب، بتبتسم لي بدموع في عينيها.
عماد عمي قال بصوت واضح ورقيق أنا سيف.
قلبي رقص من الفرحة والحزن معًا. مديت إيدي وسلمت عليه، وقلت له
أعرفك من أول نظرة يا حبيبي. شبهت أبوك كتير.
دخلتهم البيت، وقعدنا مع بعض. سيف كان شغوف بكل حاجة حصلت في ذلك اليوم، بيسألني تفاصيل كتيركيف كان قاعد، شكل الموج، لون الشنطة، ملامح الناس اللي جات. حكيت له كل حاجة بالتفصيل، وهو كان بيسمع بتركيز تام، وعينيه ما بتفارقنيش.
خالتو قالت لي إن الرسالة كانت غالية قوي قال لي بعد ما سكتّ شوية وإن بابا كتبها لي.
أيوه يا سيف قلت له رسالة من قلب أب لم يكن لديه ما يعطيه غير حبه وآخر أمنياته.
أنا بحفظها في مكان آمن قال وهو يمسح على صدره فوق القلب وكل ما أحسّ بالوحدة أو الخوف، بقراها. وبيصير عندي قوة تاني.
بصيت له بإعجاب. الطفل اللي كان قاعد لوحده في المياه قبل عشر سنين، استحال لفتى قوي وشجاع، يحمل حبّ أبوه كأمانة في قلبه.
بعد الغداء، طلب مني نروح مع بعض على الشاطئ. مشينا معًا في الطريق القديم، والجو كان صافي والشمس بتضوي علينا. لما وصلنا للمكانالصخرة السوداء الكبيرة اللي كان مسنودًا عليهاوقف سيف مكانه شوية، ومدّ إيده يلمس الصخرة ببطء، زي ما بيسلم على صديق قديم.
هنا بالظبط؟ سألني.
أيوه يا حبيبي. هنا بالظبط.
نزل على الرمل، وسحب من جيبه ظرفًا أبيض كبير، وفتحه. كان فيه ورقة، مكتوبة بخط يده بوضوح وجمال.
كتبت رسالة قال لي بصوت هادي لبابا. عايز أرميها له في البحر.
إقراها لو عايز قلت له بهدوء.
تنهد سيف، وبدأ يقرا بصوت عالٍ ورقيق، والموج كان بيخبط بهدوء جنبه
بابا الغالي،
أنا سيف. كبرت دلوقتي، وبقيت أقدر أقرا وأكتب.
عايزك تعرف إنني بخير. خالتو زينب بتعتني بي أكتر من أي حد ممكن يتخيل، والناس اللي قابلتهم طيبين كتير. عماد عمي اللي أنقذنيواللي بيكلمك معايا دلوقتيصار لي صديق وأخ كبير.
عايزك تعرف إنني فهمت كل حاجة. فهمت ليه عملت كل ده. وفهمت إنك ضحّيت بحياتك عشان أعيش أنا. وكل يوم من عمري اللي عشتوه بفضلك، بحاول أكون أهل للثقة دي اللي وضعتها فيّ.

تم نسخ الرابط