صياد مصرى
المحتويات
معايا في المركب. كنا نلعب. وبعدين جات ريح قوية... والموج كان كبير... وبابا حطّني في مكان آمن... وقال لي ابقَ هنا متتحركش، مهما حصل... وبعدين ما رجعش.
صوته اتقطع في الآخر، ودمعه نزلت على خده المبلول. حسيت بدموعي تجمعت في عينيّ أنا كمان. مسحت على شعره المبلول برفق، وقلت له
أنا فاهم يا حبيبي... أنا فاهم. وعد مني، هنعرف مكانه. هنوصله، إن شاء الله.
ما كنتش عارف وأنا بقول الكلام ده إنه صحيح ولا لأ، لكن كان لازم أقوله. كان لازم أكون القوة اللي هو مش عايز يفقدها في اللحظة دي.
بعد حوالي نص ساعة، جالي الضابطاسمه الرائد كريم، عرفت اسمه من الكلام اللي كان بينهمراجل في الخمسينات، شكله حازم لكن فيه طيبة في عينيه. جلس جنبي على الصخرة، وبص للطفل بابتسامة خفيفة وحزينة في نفس الوقت.
شكرًا ليك يا عماد قال لي بصوت هادي لو ما كنتش لقيته، ما كنتش عارفين إيه اللي كان حصل له.
واجبي يا سيدي قلت له بس... إيه اللي حصل؟ وإيه اللي جوه الشنطة؟
تردد شوية، وبص للطفل اللي كان بيلعب بزِرّ بطانيته بتركيز زي ما مش سامعنا، ثم قلّ صوته لحد ما هو مجرد همس بيناتنا
الشنطة دي كانت معبّاة ملابس ومتعلقات شخصية لصاحب المركب، اسمه يوسف كمال. واللي كان جواها كمان... رسالة مكتوبة بخط إيده.
رسالة؟ سألت بدهشة رسالة إيه؟
رسالة لابنه قال وهو يتنهد بثقل اللي هو واقف قدامنا ده. اسمه سيف. عمره سنتين ونص.
بصيت لسيف، والكلمات وقفت في حلقي.
يوسف كمال... هو اللي كان معاه في المركب؟
الرائد كريم هزّ راسه ببطء، وعينيه لمعت بالحزن
أيوه. المركب اتدمرت في العاصفة اللي مرّت من يومين. البحث استمر يومين كاملين عنه وعن الطفل، وما لقوش حاجة. كنا وصلنا لحد ما نقطع الأمل... لحد ما انت لقيتهم.
يعني هو... ما قدرش أكمل الكلمة.
الجثث لم توجد بعد يا عماد قال بصوت جاد لكن الظروف كلها بتقول إنه لم ينجُ. والرسالة دي بتوضّح كل حاجة. لما فتحنا الشنطة، لقيناها فوق كل حاجة، مكتوبة بوضوح، ومكتوب عليها اسم سيف.
سكتّ شوية، ثم قلت له
ممكن أقراها؟
بص لي الرائد كريم شوية، كأنه بيفكر، ثم أخرج من جيبه ورقة مطوية بعناية، حوافها مبلولة شوية لكن الكلام واضح، ومدّها لي.
نص الرسالة
ابني الغالي سيف،
لو أنت تقرأ الرسالة دي، فمعناها إنك بخير. وده كل ما أتمناه في الدنيا.
أعرف إنك صغير ومش هتفهم كل حاجة دلوقتي، بس عايزك تعرف حاجة واحدة بابا كان بيحبك أكتر من أي حاجة في الوجود. حبّك كان النور اللي بيشعل طريقي كل يوم.
حصل حادث في العاصفة، والمركب اتكسر. كنت عارف إن الفرصة ضعيفة للاتنين ننجو، فقررت إنك تيجي الأول. حطّتك في أأمن مكان عندي، وربطتك كويس، وقلت لك تنام عشان ما تخافش. ووضعت الشنطة دي جنبك، فيها كل حاجة ممكن تحتاجها، وفيها الرسالة دي.
كنت عارف إن الموج ممكن يفرق بيننا، وكنت عارف إنني ممكن ما أعديش البحر ده. وما يهمنيش غير إنك تصلّ للشاطئ بخير.
لو وصلت هناك، فالناس الطيبين هيلقوك. وهيعتنوا بيك. عايزك تكبر قوي وشجاع، يا روح قلبي. سامحني عشان سبتك لوحدك، واعرف إني ما سبتك باختيار. كنت بدفعك لليوم اللي هتشوفه.
لا تحزن يا بني. الحب بيننا ما بيموتش أبدًا. مهما حصل، أنا معاك في كل خطوة تخطّيها.
بابا اللي بيحبك دائمًا
يوسف كمال
قرأت الرسالة مرتين، ومرات تانية بعد كده، والدموع كانت تنزل على خديّ بلا ما أشعر. ما كنتش أعرف الراجل ده، ما شفتوش في حياتي، لكن كلامه ده دخل قلبي وخلّاني أحسّ بألمه كأنه ألمي هو. راجل واجه الموت وحيد، وما فكرش غير في سلامة ابنه الصغير. وكل ما فعلهكل خطوة رتبها بدقةكان عشان يضمن إن سيف يصل للشاطئ بأمان. حتى لو كان الثمن حياته هو.
مديت الورقة للرائد كريم بيد مرتعشة، وقلبى محروق
راجل عظيم...
أيوه قال الرائد بصوت ثقيل الرسالة بتقول كل حاجة. هو قضى آخر لحظات في حياته وهو بيفكر في ابنه، وبيجهز كل حاجة عشان ينجو. وده اللي حصل. الموج جاب سيف للشاطئ، وجاب معاه الشنطة بالرسالة.
بصيت لسيف، اللي لسه قاعد ساكت، وبص ناحية البحر كأنه بيتكلم مع حد مش شايفه.
وسيف... عنده أقارب؟ سألت.
أمّه توفيت وهي بتولده قال الرائد كريم يوسف كان وحيد، وأهله ماتوا من زمان. ما لوش غير خالته في الغربية، عايشة هناك لوحدها. اتصلنا بيها، وهي جاية حالًا.
سكتّنا جميعًا شوية. الموج كان بيخبط في الشاطئ بهدوء، والشمس طلعت تمامًا وبدأت تضيء المكان، لكن الدفء ما وصلش لقلبي في اللحظة دي. كنت شايف قدامي تضحية أب لم يُعرف قيمتها غير بعد رحيله.
بعد ساعة ونص، وصلت خالة سيف. اسمها السيدة زينب، ست في الستينات، وجهها طيب وعليه آثار الحزن العميق. لما شافت سيف، ركضت ناحيته وعانقته بقوة، وبدأت تعيط بصوت عالٍ وتقول
يا حبيبي يا روح خالتو... جيت يا قلبي... الحمد لله اللي سلمك...
سيف بص لها بدهشة في الأول، ثم عانقها هو كمان، وبدأ يعيط معاها. شوية، وشوية، سمعته بيقول
خالتو... بابا راح؟
عيطت السيدة زينب أكتر، ومسحت على شعره وقالت
آه يا حبيبي...
متابعة القراءة