صياد مصرى
صياد مصري لقى طفل صغير مبلول لوحده عند البحر... وبعد ثواني، الموج قذف حاجة على الشاطئ خلته يتصل بالشرطة فورًا.
كنت ماشي ناحية مركبي بعد شروق الشمس بوقت قصير، لما لمحت حاجة صغيرة جنب واحدة من الصخور السوداء الكبيرة على الشاطئ.
في الأول افتكرتها كومة هدوم حد سايبها هناك.
لكنها اتحركت.
وقفت مكاني فورًا.
كان طفل صغير، عمره ما يزيدش عن سنتين، قاعد في المياه الضحلة وضهره مسنود على الصخرة. هدومه كانت غرقانة مياه، وشعره المبلول لازق في جبهته، ورغم إن الجو الصبح كان بارد، ماكانش بيعيط ولا حتى بيحاول يقوم.
كان قاعد بس، بعينين مفتوحتين على آخرهما، وكأنه مستنزف تمامًا.
اسمي عماد عبدالسلام، عندي 43 سنة، وبقالي تقريبًا عشرين سنة بشتغل في الجزء ده من الساحل.
كانت العائلات أحيانًا بتيجي الشاطئ بدري، لكن ماكانش فيه أي حد قريب من الطفل.
مفيش أب.
مفيش أم.
مفيش شنطة.
مفيش عربية أطفال.
حتى مفيش آثار أقدام واضحة أقدر أتبعها على الرمل المبلول.
همست
يا نهار أبيض...
وجريت ناحيته.
بص لي، لكنه ماقالش حاجة.
حتى لما قعدت على بعد كام خطوة منه وسألته بهدوء
ماما فين يا حبيبي؟
ملامحه تقريبًا مااتغيرتش.
في حاجة فيه خوفتني.
ماكانش شكله طفل تاه من أهله.
كان شكله كأنه قاعد هناك من وقت طويل، وكأنه استنفد كل الدموع اللي ممكن يعيطها.
مديت إيدي له بالراحة وقلت
متخافش... كله هيبقى كويس. هاخدك لمكان دافي.
لكن قبل ما أشيله بثواني، عينيه اتحركت فجأة من ورايا.
لف راسه ناحية البحر.
وساعتها سمعت الصوت.
خبطة موجة قوية، وبعدها صوت غريب لحاجة بتتسحب وسط المياه الضحلة ورا ضهري.
لفيت بسرعة.
كان فيه جسم أسود بيتحرك وسط الموج.
في الأول افتكرته جزء من معدات الصيد، لكن الموجة اللي بعدها دفعته ناحية الشاطئ، وساعتها معدتي اتقبضت.
كانت شنطة كبيرة مقاومة للمياه.
طويلة.
وشكلها تقيل.
وحجمها كان تقريبًا بحجم شخص بالغ.
بصيت للطفل تاني.
كان مركز عينيه عليها بالضبط.
الموجة قلبت الشنطة وقربتها أكتر من الشاطئ.
طرف منها كان مقفول بإحكام، وبجوار السوستة كانت فيه بطاقة تعريف بيضاء.
اتصلت بالنجدة قبل ما ألمس أي حاجة.
وخلال حوالي ربع ساعة، وصلت الشرطة ورجال الإنقاذ، بينما أحد المسعفين لف الطفل ببطانية دافئة.
الطفل لسه ماكانش بيتكلم، وكل ما موجة جديدة تخبط في الصخور، كان يرجع يبص ناحية المياه.
أحد رجال الإنقاذ سحب الشنطة السوداء بحذر إلى الرمل المبلول.
وساعتها لاحظنا المكتوب على البطاقة.
كان عليها اسم مركب خاص صغير.
أحد أفراد الشرطة فحص بطانة الجاكت المبلول اللي كان لابسه الطفل.
وكان فيه بطاقة تعريف صغيرة مخيطة من الداخل.
وعليها نفس اسم المركب.
لثواني، محدش اتكلم.
ثم تلقى أحد الضباط اتصالًا عبر اللاسلكي.
تم العثور على مركب تالف يحمل نفس الاسم على بُعد عدة كيلومترات من الشاطئ.
وكان...
فاضي.
بص الضابط للطفل، وبعدها بص للشنطة السوداء.
في الوقت ده، كنت بدأت أتخيل أسوأ الاحتمالات.
ركع أحد رجال الإنقاذ بجوار الشنطة، وبدأ يفتح السوستة الرئيسية ببطء.
كنت مركز في ملامح وشه.
تعبيره اتغير فورًا.
بص جوه الشنطة لثانية واحدة بس، وبعدها قفلها بسرعة.
قام وبص لي مباشرة.
وقال بصوت واطي
عماد... خد الطفل وابعد بيه عن المكان.
حسيت معدتي اتقلبت.
بصيت للطفل المبلول اللي واقف جنبي.
كان لسه مركز عينيه على الشنطة السوداء.
ولأول مرة، بدأت أسأل نفسي..
سألت نفسي إيه اللي جوه الشنطة ده؟ وإيه العلاقة بين الطفل الصغير ده وبينها؟ وليه هو قاعد هناك لوحده وسط المياه وكأنه بيتنتظرها تطلع؟
الراجل اللي كان فاتح الشنطة كان شكله زي ما شاف حاجة حطمت قلبه وخلته يخاف في نفس الوقت. لما قال لي خد الطفل وابعد بيه، صوته كان مهتز، كلامه طلع مجهد زي ما الحنجرة ضاقت عليه. الطفل لسه واقف جنبي، يديه الصغيرة متمسكة ببطانية المسعف اللي لفّه بيها، وعينيه ما فارتقتش عن الشنطة ولا لمرة واحدة. حاسّ إن بينه وبين الحاجة اللي جوهها رابط غريب، رابط مش ممكن أفهمه في اللحظة دي أبدًا.
مديت إيدي على كتفه الصغير بحذر، وقلت له بصوت حاولت أخلّيه هادي ومطمئن قدر الإمكان
يلا يا حبيبي... نروح نجلس هناك شوية، بعيد عن الريح والموج.
ما ردّ عليّ، لكن لما مشيت خطوة، مشى جنبي. خطواته كانت بطيئة، تقيلة، زي ما كل خطوة بتكلفه مجهود كبير. شلته شويةكان خفيف جدًا، أخف من أي طفل في عمره المفروض يكونوقعدت بيه على صخرة جافة بعيدًا شوية عن الحشد، وبعيدًا عن الشنطة اللي لسه قاعدة على الرمل كأنها جثة سوداء خرجتها البحور.
ورايا سمعت همسات الضباط، وصوت أحدهم بيتكلم في التليفون بسرعة، وبعدها شفت أحدهم بيجيب قماشة بيضاء كبيرة ويغطي بيها الشنطة بالكامل. القماشة البيضاء اختفت كل حاجة، لكن ما اختفتش الصورة اللي شفتها في عين الراجل لما فتحها. ولا اختفى الشعور بالثقل اللي نزل على صدري من ساعة ما لمحت الطفل قاعد لوحده جنب الصخور.
الطفل كان ساكت، عينيه سوداوين عميقين، مش عارف أقرأ فيهم حاجة. حطيت إيدي على كتفه بحنان، وقلت له تاني
متخافش... الناس دول جايين يساعدونا. هنعرف كل حاجة قريب، إن شاء الله.
لفّ راسه ناحيتي ببطء، وبص لي بتركيز، وبعدها بص ناحية البحر مرة تانية. وبصوت خافت جدًا، بالكاد كنت أسمعه فوق صوت الموج، قال كلمة واحدة بس
بابا...
قلبي اتقبض لما سمعتها. كلمة صغيرة، خفيفة، لكنها ضربتني في الصميم زي الحجر.
بابا فين يا حبيبي؟ سألته بهدوء بابا كان معاك؟
هزّ راسه إيماءة، وعينيه بدأت تدمع لأول مرة من وقت ما لقيته.
أيوه... كان