سفر جوزى
زوجي مسافر وانا بجهز الورق ومسافره ليه
امبارح وانا بتكلم مع جوزى بعد ما خلصنا هو نسي يقفل المكالمه فجاه لاقيت صوت واحده بتقوله خلصت كلام معها وقالت الهانم بتعتك لم تيجى هتنسانى انا لازم تعرفها انى مراتك وهو وانى ليا فيك زيها رد عليها وقال طبعا ياحبيبتى
الجزء الأول
السعادة مكنتش سيعاني، والبيت كله كان مقلوب رأس على عقب. الشنط متطوحة في كل حته في الصالة، والهدوم متكومة على السرير، وورق السفر والمستندات والشهادات متستفة في دوسيه أزرق ماسكاه في إيدي زي ما أكون ماسكة كنز.
سنتين كاملين.. سنتين وأنا مستنية اليوم ده بفارغ الصبر. سنتين وهو مغترب شغال طافح الدم بره مصر عشان يؤمن مستقبلنا، وأنا هنا صابرة وشايلة الحمل ومستنية اللحظة اللي التم شملنا فيها تاني. كل ما حد يسألني إيه يا بنتي، القعدة طالت ليه؟، أرد بابتسامة وأقول كله بتهون عشان خاطر الغالي.. بكرة أخلص الورق وأسافر له ونعوض كل اللي فات.
اليوم ده بالذات كنت جارية طول النهار بين المجمع والقنصلية، كعوب جزمتي اتهرت، بس والتعب كان يزول أول ما افتكر إني خلاص.. أسبوعين بالكتير وأكون جنبه وفي بيته بره.
المكالمة الأخيرة
على الساعة تسعة بالليل، قعدت على السرير بتنفس الصعداء، ورجلي حاسة إنها ورمت من كثر المشي. مسكت التليفون ورنيت عليه.. كالعادة، أول ما رد، صوته الناعم الواحشني دخل قلبي
ألو.. إيه يا حبيبتي، عملتي إيه النهاردة في السفارة؟
تنهدت وقلت له وأنا بضحك من كثر الفرحة
طافحة الكوتة من الصبح يا معلم! بس أبشرك.. ختمت شهادة الميلاد، واستلمت قيد العيلة، وفاضل بس البصمة وبكرة الصبح هكون في القنصلية أخلص آخر ورقة.. خلاص يا إبراهيم، الشنط نصها اترتب، أيام وبكون عندك!
سمعت منه ضحكة خفيفة، بس كان فيها حاجة غريبة.. كان سكت ثانية كده قبل ما يقول
يا حبيبتي تسلم إيدك.. ربنا يقويكي ويجيبك بالسلامة. معلش بقى يا سمر، أنا راجع من شغل هادد حيلي ومش قادر أفتح عينيا، هقفل أنام ودعواتك معايا.
ألف سلامة عليك يا حبيبي، نام وارتاح وبكرة أكلمك أول ما أطلع من القنصلية.. إلهي ما يحرمنا منك ولا من دخلتك علينا.
اللحظة اللي الزمن وقف عندها
قال لي مع السلامة يا سمر، وقلت له مع السلامة.
جيت أحط التليفون على الكومودينو، بس لسبب ما، النور بتاع الشاشة فضل شغال.. التايمر بتاع المكالمة كان لسه بيعد! 12 دقيقة.. 13 دقيقة.. 14 دقيقة.
قلت في نفسي ده أكيد نسي يقفل الخط وحط التليفون على الترابيزة ونام مسطول من التعب.
سحبت التليفون وقربته من ودني تاني عشان أقول له يا إبراهيم اقفل الخط، بس قبل ما أفتح بوقي.. سمعت صوت حركة غريبة. صوت خطوات ورجلين بتتحرك وقربت من التليفون، وبعدها.. صوت ناعم، صوت واحدة ست بتكلمه بلهجة واثقة ومش غريبة على البيت
خلصت كلام معاها؟
دمي اتجمد في عروقي. إيدي اللي ماسكة التليفون بدأت اترعش. قلبي ضرب ضربة جامدة لدرجة حست إن صدري بيتخلع من مكانه. سكت.. وسكنت في مكاني زي الحصوة، مش قادرة أتنفس ولا أطلع نفس واحد.
الست كملت كلامها بصوت فيه غل وعتاب
الهانم بتاعتك لما تيجي هنا هتنساني وتطنشني.. أنا مش هقبل بالوضع ده يا إبراهيم! لازم تعرف إنك جوزي زي ما أنت جوزها، وليا فيك حق زي ما ليها بالظبط، ولا فاكرني تسلية؟
السقف بدأ يدور بيا، والجدران اتزلزلت تحت رجلي.. وفي
وسط الذهول والرعب اللي كنت عايشة فيه في الثانية دي، سمعت صوته هو.. صوته اللي كنت من دقيقة بس بدعيلك بيه.. رد عليها بكل هدوء وبرود وقال لها
طبعاً يا حبيبتي.. إنتي مراتي وحبيبتي ومفيش حد يقدر ياخد مكانك.
الجزء الثاني الصمت اللي أثقل من الكلام
مرّ يوم كامل وأنا مش عارفة أكلّمه. كل ما أفتح شاشة التليفون وأشوف اسمه، أتذكّر صوته وهو بيقول لها طبعاً يا حبيبتي وقلبي يتعصر من الألم. لما رن عليّ في الموعد المعتاد، رديت عليه بعد تردد طويل. حاولت أتكلّم بصوت طبيعي، لكن كلامي كان مكسور ومتقطّع.
ألو يا سمر.. وحشتيني جداً.. عملتي إيه في القنصلية النهاردة؟
قال لي بصوته الدافئ اللي كان يخدعني كل مرة. سكتّ ثوانٍ، وقلت بصوت حاولت أجعله ثابت
خلصت كل حاجة يا إبراهيم. الورق جاهز. السفر بعد أسبوع إن شاء الله.
سمعتُه يفرح ويقول ألف حمد وشكر لله! أنا فرحان جداً يا حبيبتي.. مش مصدق إنك هتيجي فعلاً.
وكان نفسي أقول له أنا كمان مش مصدقة إنك بتخدعني بالشكل ده! لكن سكتّ. سكتّ وقلت له كلام عادي، وودّعتُه، وقفلت الخط، وبكيت تاني.
أسبوع كامل مرّ بالبطيء، كل يوم بيعدّي عليه زي سنة. كنت أعيش في بيتنا القديم وحيدة، وأفكر في ألف سيناريو وسيناريو. هل أروح له وأواجهه؟ ولا أسيبه وأبقى هنا؟ وإذا رحت ولقيتها فعلاً هناك.. أعمل إيه؟ أتخانق معاهم؟ ولا أمشي وأسيبهم في جحيمهم؟
وفي نفس الوقت كان فيه جزء مني ما صدّقش إبراهيم يعمل كده. اللي عرفته عنه إنه شريف، وابن ناس، وحبّني بجد.. يمكن يكون في حاجة غلط؟ يمكن هي اللي بتضغط عليه؟ يمكن هو مجبور؟ الأسئلة ده كانت بتعذّبني كل ليلة لحد ما السفر قرّب.
يوم السفر جاء. ودّعت أهلي، وسافرت الطائرة، وطول الرحلة ما نمتش ولا أكلّمت حد. كنت نازلة بمطار الغربة وقلبى معقود، مش عارفة أنا جاية عشان إيه بالظبط عشان أجمع شملنا؟ ولا عشان أتأكد من خيانة عميقة حصلت ورا ضهرى؟
هو كان مستنياّني في المطار. شفتُه من بعيد، وقلبي اتحرك شوية من الفرحة القديمة اللي كنت أحسّها لما أشوفه، لكن اللحظة دي اتّخلطت بألم وريبة وخوف. لما قرب مني وحضنني، حسّيتُه دافئ زي ما كان، بس أنا كنت حاسة إن بيننا حاجز زجاج سميك مش قادرة أعدّيه.
وحشتيني يا سمر.. وحشتيني جداً
قالها وهو ماسك إيدي ومشى بيّ لسيارته. رديت بصوت خافت وأنت كمان يا إبراهيم.
الطريق للبيت كان طويل، وهو بيكلّمني عن الشغل والبلد والناس، وأنا أردّ عليه بكلمات قليلة. كنت شايفة كل حاجة حواليا جديدة وغريبة، بس اللي كان يشغل بالي هو البيت.. البيت اللي عايش فيه هو ويمكن هي كمان.
وصلنا لعمارة نظيفة في منطقة هادية، وصعدنا معاه للطابق التالت. فتح الباب ودخلتُ وراه، وقلبى بيدقّ بسرعة. الشقة مرتبة ونظيفة، فيها صالة أنيقة وغرف نوم ومطبخ.. وشفت على الحائط صورة لي وله من يوم جوازنا، معلّقة بفخامة.
قال لي وهو بيحط شنطي في الغرفة الرئيسية
ارتحي يا حبيبتي.. أنا جهزتلك كل حاجة. الشقة دي بتاعتنا، وهنا هنعيش مع بعض من دلوقتي.
كنت عايزة أسأله وبعد؟ وهل في حد تاني هنا؟ لكن سكتّ. قررت أستنى وأشوف هيجي إيه في الأيام الجاية.
الجزء الثالث الحقيقة بتتكشف شوية بشوية
اليوم الأول مرّ بهدوء مزعج. إبراهيم كان معايا طوال الوقت، يخدمّني ويسألني عن راحتى، وكل كلمة منه كانت بتزيد ألمي لأني عارفة إنه بيقول نفس الكلام لغيري. حاولت أكون طبيعية معاه، لكن عيناي كانت تتفقد كل ركن في الشقة هل فيها