سر ليلى حكايات ليان
لقيتها ست نحيفة جداً، عينها غارقة، وشكلها اللي شايف الموت بعينه. أول ما شافتني قالت بصوت ضعيف أنت مدرس ليلى صح؟ خدوني، قوليلي بنتي فين.. حرام عليكم رجعولي بنتي.
جلست جنبها ومسكت إيدها وقلت لها وأنا بحاول أكون قوي إن شاء الله هنرجعها يا ست سمية. أنا هعمل كل اللي أقدر عليه. وعد مني، ما هرتاح غير لما تكون ليلى في حضنك.
حكتلي سمية كل حاجة بالتفصيل. كيف عزيزة دخلت حياتها كملاك، وطلعت شيطان. كيف خدعتها وقالتلها إن ليلى هتكون في أمان معاها. وكيف لما حاولت تسترجعها، عزيزة هددتها وقالتلها لو تكلمي حد أو تحاولي تاخديها بالقوة، اللي هيحصل ليلى هيكون على إيدك. سمية خافت، وسكتت، وعاشت في عذاب الضمير كل الفترة دي.
قلتلها أنتِ ما عملتيش غلط يا سمية. هي خدعتكِ، واستغلت حاجتكِ. والذنب مش ذنبك. لكنني كنت عارف إن الكلام ده مش بيريحها، لأن عذاب الضمير ده بيجري في الدم ومش بيسهل.
الجزء الرابع البحث والطريق للحق
كمل البحث أسابيع طويلة. الرائد كمال وفريقه لم يقصروا أبداً. تتبعوا خطوات عزيزة، وسافروا لمدن تانية، وسألوا في المطارات والموانئ. وكل ما كانوا يوصلوا لطريق، كانوا بيلاقوها سبقتها بيوم أو بيومين. كأن حد كان بينبهها.
وفي يوم من الأيام، وأنا قاعد مع الرائد في المكتب، قال لي فجأة يا آدم، فيه حاجة غريبة. كل ما نقرب نلاقيها، نلاقيها هربت. وفيه معلومات بتاعتنا بتطلع تروح لها. ممكن يكون فيه حد جوا الموضوع بيساعدها؟ حد من اللي نثق فيهم؟
فكرت شوية، وفكرت في المديرة. المديرة اللي كانت دايماً تقول سيب المشاكل للإدارة، واللي كانت دايماً متساهلة مع عزيزة، واللي سلمت ليلى لها بكل سهولة. قلت للرائد اسمها.
الرائد رفع عينيه وقال بالظبط، دي كنت جاي أقولك عليها. لقينا تحويلات مالية وصلتها من حساب شخص تابع لعزيزة. مبالغ مش كبيرة، لكن منتظمة. يعني بينهم علاقة قديمة.
اتصدمت، لكن في نفس الوقت حسست إن القطعة ناقصة كملت. ده كان السبب من الأول. ده ليه كانت بتمنعني أتكلم. ده ليه كانت بتغطي على كل حاجة. كانت بتاخد فلوس عشان تسكت وتبعد.
قبضوا على المديرة في نفس اليوم. لم تنكر شيئاً. اعترفت بكل حاجة. قالت إنها كانت محتاجة الفلوس، وإن عزيزة عرضت عليها المبلغ وإنها ما توقعتش الحكاية تصل لكده. قالت بصوتها المبحوح كنت فاكرة هتخليها تعيش عندها كويس. ما عرفتش إن الوصول لهذا الحد. لكن لا عذر ينفع، ولا دموع تنفع. هي باعت طفلة مقابل فلوس، والبيع ده ثمنه غالي جداً.
باعترافها، عرفنا معلومات جديدة مهمة جداً. عزيزة كانت مختبئة في منطقة ساحلية بعيدة، في بيت صغير اشترته باسم مستعار، وكانت بتجهز أوراق سفر لليلى عشان تخرجها من البلاد بجواز سفر مزور. والوقت كان بيتنفد.
الجزء الخامس اللحظة الحاسمة
سافرنا جميعاً أنا مع الرائد كمال ورجال الأمن للمنطقة دي. كانت رحلة طويلة، وقلبي كان يدق في صدري كأنه هيروح من مكانه. كل دقيقة بتعدى ممكن تكون الفرق بين إنقاذ ليلى وضياعها للأبد.
وصلنا للمنطقة قبل الغروب بقليل. البيت كان معزول شوية، محاط بحديقة صغيرة، وبوابة حديدية قديمة. طلب الرائد مني أبقى وراهم، وقال لي خليك هنا، ما تتدخلش، احنا اللي نتصرف. لكنني ما قدرت أبقى ساكت. كل ما شفت المكان ده، حسست إن ليلى جوا، وإن لازم أكون معاها لما ننقذها.
دخل الرجال البيت بهدوء، وبسرعة. أنا دخلت وراهم بخطوات خفيفة. أول ما دخلت الصالة، شفتها. ليلى كانت قاعدة على الكنبة في ناحية الغرفة، وشكلها تعبانة جداً، وملابسها مش مرتبة، وعينيها بتدور على المكان بخوف. وعزيزة كانت واقفة جنبها، وماسكة إيدها بقوة، وشكلها عايزة تهرب.
لما شافتني ليلى، عينيها اتوسعت، وفتحت فمها بصوتها الصغير وقالت مستر آدم!
الكلمة دي كانت كأنها سهم أصاب قلبي. ركضت نحوها، وفي نفس الوقت رجال الأمن مسكوا عزيزة وابعدوها عنها. رفعت ليلى بقوة كأنها عايزة تدخل جواي، وقالت كنت خايفة جداً.. كنت خايفة.. هي قالتلي إنك مش هتيجي أبداً
قلتلها وأنا ببكي من الفرحة والحزن أنا جيت يا ليلى. أنا هنا. أنا آسف إني اتأخرت. لكن ما حدش يقدر يأخذك مني تاني. انتهى الكابوس. انتهى كل حاجة وحشة.
عزيزة كانت واقفة جنبهم، ورجال الأمن بيمشوا معاها لبرة، وشكلها مكسورة. لما مرت جنبي بصتلي وقالت بصوت بارد أنتِ كسرت كل حاجة. كنت هعمل بيها مستقبل أحسن اللي هي عايشته مع فقيرة أمها.
بصيت لها بكل غضب وقلت المستقبل اللي بتتباع فيه الطفولة والبراءة مش مستقبل يا عزيزة. ده جحيم. وأنتِ اللي خسرتي.
أخذنا ليلى ورجعنا بيها. في الطريق، نامت ، ووجهها اللي كان دايماً مكروب استرخى لأول مرة من زمان. كنت ببص لها وأشكر ربنا في كل لحظة إنه رجعها لنا.
رجعنا للقاهرة، وأول ما وصلنا بيت سمية، لما شافت بنتها والاتنين بيعيطوا ويتكلموا بصوت واحد، وكأنهم بيعوضوا الوقت اللي راح. وقفت بعيد شوية وسابتهم في لحظتهم دي، لأن ده الحق اللي لازم يرجع.
الجزء السادس الدرس والخاتمة
مرت شهور كتير من ساعتها. ليلى رجعت لمدرستها، لكن ما رجعتش زي ما كانت. بقت أقوى، وبدأت تضحك وتلعب تاني، بس في عينيها بقت نظرة مختلفة نظرة عرفت الدنيا مبكراً أكتر من لازم. وأنا كمان اتغيرت. بقيت ما
أسكت عن أي حاجة. بقيت أتابع كل طفل عندي في الفصل، وأعرف أحوالهم، وأتكلم لما أشوف شيء غريب، ومش أسمع لكلام حد يقولي اتنحى بعيد.
المديرة حكم عليها بالسجن، وعزيزة كمان، والعصابة اللي كانت بتتعامل معاها اتقبضت كلها. الحق رجع، لكن الثمن كان غالي. لأن فيه أطفال دفعوا تمنه ببراءتهم وسنين عمرهم.
في يوم من الأيام، كنت واقف في باب الفصل، وليلى جاتلي وهي بتضحك ومعاها رسمه صغير لونته. قالتلي ده أنا وأنت وأمي، عشان نعيش سوا للأبد. أخذتها منها وشكرتها، وقلبى اتملأ دفء. قلت لها إن شاء الله طول العمر يا روحي. وما حدش هيقربك تاني.
بصتلي شوية، وبعدين قالت بصوت هادي مستر آدم.. لما كنت خايفة، كنت عارفة إنك هتيجي.
الكلام ده خلاني أتأكد من حاجة واحدة مهمة جداً الأطفال مش بس أمانة في رقبتنا هم المرآة اللي بنشوف فيها نفسنا. وكل ما نمد إيد نساعدهم، بننقذ جزء من نفسنا اللي كان ممكن يضيع.
أنا ما عملتشي حاجة عظيمة. أنا بس سمعت طفلة، وصدقتها، ومشيت ورا كلامها لحد النهاية. وده اللي كل واحد فينا لازم يعمله. لأن الطفل اللي بيخاف يحكي، بيكون في انتظار حد يصدقه. وإن شاء الله، نكون دايماً أهل الثقة دي.