علاج امى تمن سر جوزى حكايات ليان
المحتويات
إيه اللي عليه؟
قربت مني، ومسكت إيدي بيدها اللي بترجف، وقالت بصوت واطي ومخضوع كأنها خايفة حد يسمعها حتى لو ما حدش معانا إنتي فاكرة إن جوزك بيرجع من الشغل كل يوم وهو خسران بس؟ ده عليه مصيبة لو عرفتيها، مش هتصدقي إنك كنتي عايشة معاه كل السنين دي جنباً إلى جنب وما شفتيش منها شيء.
جلست على الكرسي، وقلبي بيوجعني، وقلت لها قولي لي كل حاجة من الأول. ما تخبيش عني حاجة. أنا لازم أعرف الحقيقة كلها.
تنهدت أمي، وبدأت تحكي لي الكلام اللي نسج حولي شبكة من الحيرة والخوف والصدمة، كلمة وراء كلمة، وكأنها بتفتح صندوقاً مغلقاً من سنين.
قبل ما يتجوزك يا ساره، حسن كان شغال في مشروع مع ناس مش خير. ناس سمعتهم وحشة، بيتعاملوا بطرق مش قانونية، واتورط معاهم في قضية تهريب بضاعة كبيرة. لما قبضوا عليهم، هو كان معاهم، بس هو قال إنه ما كانش يعرف حاجة، وإنهم استخدموه وهو ما دريش. واتفقوا معاه إنه يساعدهم في الخروج من القضية مقابل إنه يدفع لهم مبلغ كبير من الفلوس، وإلا هيفضحوه ويدخلوه السجن بدلهم. اتفقوا على مبلغ خمسين ألف جنيه، يدفعهم على أقساط كل شهر، ولما يخلص يبقى كل حاجة انتهت.
وهو ما كانش معاه قرش واحد. لما جيتي أنا في الصورة، وحب بعض، وعايز يتجوزك، خاف يخبرك فيضيع منك. وخاف يخبر حد فيضيع مستقبله. فجاني هو قبل الجواز، وبكى قدامي، وحكي لي كل حاجة، وقال لي إنه بيحبك بجد، وإنك حياته، ومش عايز يخسرك، وطلب مني طلبة قلت له عليها نعم من غير ما أفكر إني أكون اللي أطلب منك الفلوس كل شهر بحجة علاجي، وأنا أديها له، عشان تروح للناس دول ويخلص منهم شوية بشوية. وقال لي إنه كل ما يقدر يجمع فلوس زيادة بيدفعها، وإن القسط الشهري اللي بيدفعه لي هو اللي بتبعتيه لي، وإن الحال هتتعدل قريب ونعيش في سلام من غير خوف.
ووافقت يا ساره... وافقت عشان خاطرك أنتِ. شفتك سعيدة معاه، وكنت خايفة أقولك وتتكسري قلبك، وتسيبيه، وتضيعي سعادتك. وقلت لنفسي الفلوس هتروح وتجي، لكن سعادة بنتي غالية، وأنا أقدر أتحمل ذنب الكذبة دي شوية لحد ما يخلص منها. واستمريت كل شهر أطلب منك الفلوس، وأبعتهاله، وأنا كل مرة بقول لنفسي الشهر الجاي يخلص، والشهر اللي بعده، والسنين مرت وأنا عايشة في خوف إنك تكتشفي الحقيقة وتكرهيني.
دموعي نزلت بغزارة وأنا بسمعها. يعني كل تعبي، كل سهر الليالي وأنا أجهز الأكل وأيدي بتتعب، كل قرش كنت بقلل من عيشة بناتي عشان أجمعه، كل ده كان بيروح لدفع دين حسن؟ وكل ده كانوا متفقين عليه من ورايا؟ أمي وجوزي، أقرب الناس لي، كانوا شركاء في كذبة واحدة عليا طول السنين دي كلها!
وكم بقي عليه من الفلوس؟ قلت لها بصوت مخنوق بالبكاء.
قال لي آخر مرة كلمته إن بقى عليه قليل، حوالي خمسة آلاف جنيه، وإن الشهر ده أو اللي بعده يقدر يخلص كل حاجة وينتهي الكابوس ده للأبد.
قمت من مكاني، مش عارفة أروح فين، قلت لها أنا ماشية دلوقتي. لما أروح البيت حسن أتكلم معاه. وأعرف منه كل حاجة بنفسي.
رجعت البيت وقلبي محروق. كل حاجة في البيت بتشوفها عيني كانت غريبة. حسن رجع من الشغل كالعادة، ولما شافني بالحالة دي، عرف إن الحقيقة طلعت. قعدنا جنب بعض، وبدأت الكلام ببطء، وبكيت وأنا بقول له كل ده صحيح؟ كل اللي قالتلي أمي صحيح؟ إني كنت بادفع من دم قلبي عشان أسدد دينك وأنا ما أعرفش؟
بكى هو كمان، واعترف لي بكل حاجة من الأول للأخر، زي ما قالت أمي وزيادة. حكالي كيف كان صغير ومش عارف الطريق الصح، وكيف اتورط مع ناس كانوا بيستغلوه، وكيف خاف من السجن ومن الفضيحة، وكيف حبني بجد وما قدرش يخسرني، وكيف وافق على الاتفاق ده واتفق مع أمي يخفوا الحقيقة عني. قال لي إنه كان كل شهر بيحس بالذنب وهو بيديني الفلوس اللي كنت ببعتهالها، وكل مرة كان بيقول لنفسه الشهر ده الأخير، وكل مرة يتأخر.
سامحيني يا ساره... والله ما كانش قصدي أأذيك. كنت فاكر إني بحميكِ، وإني بحافظ على بيتنا. كنت خايف لو عرفتي تسيبيني. وأنا مقدرش أعيش من غيرك ولا من غير البنات.
بصيت له، ولما شفت الدموع في عينيه، حسيته صادق في حبه لي وفي ذنبه، بس الألم اللي في قلبي كان كبير. قلت له أنا مش عايزة أسيبك يا حسن. إحنا بناتنا عندنا، وبيتنا، وسنين عيشنا مع بعض. لكن اللي وجعني مش الفلوس. اللي وجعني إنك خبيت عليا، وإنك وثقت في الغريب وما وثقتش فيا. أنا زوجتك، شريكتك في الحياة، المفروض نمر مع بعض بالحلوة والمرة. ليه سافرت عليا وحدي؟ ليه خليتني أكون آخر من يعرف؟
سكت هو، وما قدرش يرد، عشان عرف إن كلامي حق. واتفقنا من ذلك اليوم على حاجة مهمة جداً ما بيننا وبين بعض سر أبداً، مهما كانت الظروف ومهما كانت المصيبة. وبدنا نحسب الفلوس اللي بقت عليه، خمسة آلاف جنيه، وقلنا نجمعها مع بعض بسرعة ونخلص الموضوع.
مرت الأيام، وبقيت الحقيقة بيننا، وأصبحت أشوف الأمور بوضوح أكتر. بس
متابعة القراءة