علاج امى تمن سر جوزى حكايات ليان

لمحة نيوز

كنت فاكرة إني بعالج أمي... لحد ما اكتشفت إني بدفع تمن سر جوزي!
أنا ساره، عمري تسعة وعشرين سنة، متجوزة من ست سنين، وعندي بنتين حلوين، نور في الخامسة ومريم في التالتة. جوزي حسن، سواق نقل، بيجي ويروح كل يوم، ووجهه غالباً عليه تعب الشغل وسفر الطرق الطويلة. وأنا بشتغل من البيت، أجهز أكل للناس، أطبخ محشي، طاجين، حلويات، كل حاجة عشان أجيب قرش أساعد به في مصاريف البيت.
مش عايشين حياة مرفهة أبداً. بالعكس، كل جنيه بيدخل البيت بيكون مقسوم قبل ما يلمس إيدي. إيجار الشقة اللي بتآكل نص مرتب حسن تقريباً، أكلنا اليومي، لبس البنات اللي بيكبروا بسرعة فمش يلبسوا حاجة فترة، مصاريف مدرسة نور، فواتير الكهربا والمية اللي بتجي كل شهر وتقلق قلوبنا. وفوق كل ده، علاج أمي. أنا المسؤولة عنها من بعد ما أبويا مات، وإخواتي الكبار كل واحد سافر واختفي، كل واحد ليه حجته، واحد قال إنه في الخليج ومش بيلحق، والتاني متجوز وبيقول مصاريفه كتير ومش عنده فاضل. فبقيت أنا وحدي اللي أرد عليها كل ما تتصل.
كل أول شهر، بتتصل بي أمي، بصوتها اللي بتبدو فيه الضعف والحاجة، وتقول لي يا بنتي لو معاكي ميتين جنيه ابعتيهم لي، أنا الدوا خلص ومحتاجة أجيب من جديد. وأنا من غير ما أفكر ولا أسأل، أروح أعد الفلوس وأبعتهالها. حتى لو معنديش، أستلف من جيراني أو أقلل من أكلنا عشان أجمعها. كنت أقول لنفسي دي أمي، دي اللي ربتني، واجب عليا أخدمها وأرعاها مهما كان الثمن. وكنت فاكرة إني بفعل خير، إني بعلجها وأحافظ عليها.
لحد ما جاء اليوم اللي هز كل حاجة في حياتي، وبدلت نظري لكل حاجة كنت فاكراها صحيحة.
رجع حسن من الشغل يومها متأخر شوية، ولما دخل البيت لقيته وشه متغير، مش عادته، مش بيتكلم كتير زي ما هو دايماً، وعينيه حمرا وكأنه كان في حاجة تزعجه جداً. سلم علي بصوت تقيل، وقعد على الكرسي جنب الباب، ما حطش حقيبته ولا غسل إيده زي ما بيفعل عادةً.
قلت له وأنا بأقدم له الشاي اللي بيشربه كل يوم أول ما يجي مالك يا حسن؟ حصل حاجة في الشغل؟ ولا حد حصل لك على الطريق؟
بصلي شوية صمت، وكأنه بيتردد يقول اللي في باله، وبعدها قال بصوت هادي بس فيه حدة إنتي بعتّي لأمك فلوس تاني الشهر ده؟
قلت له وأنا بتحط الكوباية قدامه آه يا حبيبي، هي اتصلت بي وقالت الدوا خلص. عادي، إحنا نقدر نعوضها، أنا كنت بجهز طلبية أكل وهجيب فلوسها قريب.
هز راسه شوية، وابتسم بابتسامة ما كانتش فرحانة أبداً، وقال الغريبة والغريبة جداً إن الصيدلية اللي بتجيب منها دوا أمك من سنين، سألت صاحبها اليوم صدفة، وقالي إن والدتك مبقتش بتاخد العلاج ده من شهرين كاملين. قالي جيت لي مرة واحدة قبل كده، وقالي مش محتاجاه دلوقتي، ومش عايزاه.
ضحكت من التوتر، قلت له أكيد في سوء تفاهم يا حسن، ممكن هي راحت صيدلية تانية، أو اشترت بكمية كبيرة ومش محتاجة تشتري كل شهر.
قال وهو بيقف وبيقرب مني شوية سألت كمان الجيران اللي جنب بيتها، قالوا بتروح وتجي عادية، بتتحرك، بتخرج، مفيهاش مرض يمنعها من الحركة زي ما بتقوللي. وأنا مش عايز أشك في حد يا ساره، بس الفلوس دي بتتروح فين؟
سكتت أنا، ما عرفت أرد عليه. قلت في قلبي أكيد غلط، أمي مش هتكدب عليا أبداً. دي أمي. لكن الكلام كان بيلعب في راسي طول الليل، ما نمتش غير شوية، وقررت أروح لها تاني يوم من غير ما أقول لها إني جاية.
وصلت بيت أمي في الصباح، فتحت لي الباب، وبدت لي عادية، مبتسمة، قالت لي يا حبيبة قلبي، جيتي من غير ميعاد؟ خير يا بنتي؟
دخلت، وسلمت عليها، وقعدت، وقلت لها جيت أطمن عليك يا ماما، وأشوف الدوا بتاعك، عشان أتأكد إنك بتاخديه في ميعاده زي ما الدكتور قال.
لفيت عيني في البيت، ولقيت كيس الدوا الأصلي، زي ما هو، مقفول، مركون فوق الترابيزة القديمة، ما فتحتهوش من الأساس. قمت قمت، أخذته في إيدي، وبصيت لها بقلبي بيدق بسرعة كأنه هينطلع من مكانه.
ماما... إنتي مش بتاخدي الدوا؟ الكيس ده مقفول من زمان، وكل شهر بعتلك فلوس الدوا وانتِ مش بتشتريه؟ الفلوس دي بتروح فين؟
وشها اتغير لونها، وشحت، وبدت عليها الارتباك، وقالت بصوتها اللي بتتعثر فيه الكلام مين قالك كده؟ مين جابلك الكلام ده؟
قلت لها حسن اللي عرف. سأل الصيدلي وسأل الناس. وأنا عايزة أعرف الحقيقة دلوقتي. الفلوس اللي ببعتهالك كل شهر من تعبي وشقي، دي فين بتروح؟
سكتت فترة طويلة، تفرك في إيديها، وتنظر للأرض، وكأنها بتتردد تفتح سراً كان مخبأه في قلبها سنين. وبعدها رفعت راسها، وبصت لي بعينين دامعتين، وقالت جملة واحدة خلتني أحس إن الأرض كلها اهتزت تحت رجلي، وإن كل حاجة كنت عايشة بيها كانت كذبة كبيرة.
أنا مش باخد فلوسك عشان الدوا يا بنتي... أنا باخدها عشان أسدد فلوس جوزك.
اتجمدت مكاني. ما قدرش أتحرك ولا أتكلم. كلماتها ضربتني كالصاعقة. جوزي؟! يسدد إيه؟ يعني إيه الكلام ده يا ماما؟ حسن معندوش ديون، هو بيقول لي مرتبه يكفينا وخلاص،

تم نسخ الرابط