جوزى بيتريق عليا

لمحة نيوز

تعرف إن ده غلط وحرام قلت له بلهجة حزينة. وإنك بتخون الأمانة اللي بيننا.
كنت عارف قال بصوت مخنوق. بس كنت أعمى يا إيمان! حبيتها، وصدقت كل كلمة تقولها لي. وكل ما كنت أحاول أبعد عنها كانت تسحبني تاني. ولما شفتكِ بدأتِ تبيع الأكل وتشغلي، خفت. خفت تكتشفي، وخفت المشروع يفشل، فحاولت أمنعكِ، أقطع عنكِ المصروف، أهينكِ، أجعلكِ تحسين إنكِ محتاجة لي عشان تبقي ضعيفة ومش تسألي عن حاجة. وكنت فاكر إني نجحت، لحد ما لقيتكِ قوية أكتر من أي وقت.
وأين الفلوس دلوقتي؟ سألته. راحت فين؟
اتغير لونه وقال بصوت خافت
المشروع فشل من أول شهر. كل الفلوس راحت. وهي اللي كانت بتدير كل حاجة، ولما خسرنا، قالتلي إني أنا المسؤول، وإن لازم أسدد القرض وحدي. وكل يوم كانت تضغط عليا عشان أخلص ورق الشقة وأبيعها، عشان أسدد الدين اللي عليها.
سكت أنا، وقلبي اتوجع مش عشانه، بس عشان السنين اللي ضاعتهم وصدقي اللي عطيتوه لشخص ما يستاهلش. عرفت دلوقتي إني كنت محظوظة بفضل الله وفضل شغلي وتعبي لو ما اكتشفت الحقيقة اليوم، كان بكره راح يروح يبيع الشقة بالكامل، ويهرب، وأنا والعيال نلاقي نفسنا في الشارع.
أنت مدين بقد إيه؟ سألته أخيرًا.
مبلغ كبير قال بصوت مرتجف. تلاتة وخمسون ألف جنيه. والقرض اللي كنت هاخده بضمان الشقة كان ستين ألف، عشان أسدده وأكمل كمان.
تنهدت بعمق. المبلغ كان كبير، بس مش مستحيل وخصوصًا إن شغلي بدأ يكبر، والحساب اللي عندي فيه مبلغ كويس كنت حوشته شهور طويلة. بس المهم مش الفلوس المهم هو القرار اللي لازم أخده دلوقتي.
تمام قلت له. سمعني كويس. أنا مش هبلغ الشرطة دلوقتي، عشان العيال مش يروح أبوهم في السجن. بس ده معناه مش إني سامحتك أبدًا. كل حاجة بينا انتهت. هنفصل، وكل واحد يروح في حال سبيله. وأما الدين ده، فأنا هساعدك تسدده بشرط واحد تتنازل عن كل حق في البيت وفي أي حاجة، وتوقع على ورق الطلاق، وتكون بعيد عننا.
بصلي كأنه مش مصدق
تساعديني؟ بعد كل اللي عملته فيكِ؟
مش عشانك قلت له بوضوح. عشان العيال. مش عايزة حياتهم تتدمر أكتر من كده. ولازم تفهم من اليوم، أنا المسؤولة عن البيت والعيال. وأنت تبدأ حياة جديدة، وتشتغل وتعرف قيمة القرش اللي بيتعب فيه الإنسان. وإن نسيت، تذكر دائمًا أنت خسرت كل حاجة لما خسرت ثقتي.
رامي بكى بصرخة مكتومة، وطلب مني السماح مرات ومرات، بس كنت عارفة إن السماح سهل، بس الرجوع لما كان مستحيل. الجرح كان عميق، والثقة اتكسرت كالزجاج المكسور مستحيل يتلم تاني ويروح زي ما كان.

الفصل الثالث البداية الجديدة في شبرا
عدت الأيام، وكل يوم كان بيعلمني حاجة جديدة. ورامي وقع على ورق الطلاق وتنازل عن كل شيء، وساعدته في ترتيب أموره عشان يسدد الدين جزءًا بعد جزء، واتفقنا على أن يبقى يزور العيال بانتظام لأنه أبوهما مهما كان، ومش لازم يحرمهم منه. لكن بينا كان حاجز حديدي، ما بينفعش يكسره ولا يتعداه.
المحل اللي استأجرته افتتحته رسميًا بعد شهر، وسميته بيت إيمان. ما كانش محل كبير، بس كان مليان بالحب والتعب والاجتهاد. كنت أبيع فيه أكل بيتي زي ما بيعته من قبل، بس كمان بدأت أوسع شغلي جبت مساعدتين، وبدأت أقدم وجبات للمدارس والمستشفيات والشركات، وكل يوم الطلبات تزيد وتكبر.
الجيران في شبرا كانوا معايا بكل قلب. لما عرفوا باللي حصل، ما حدش سألني أسئلة كتير، بس الكل كان بيدعمني الستات بيجوا يشتروا وتجلسوا معايا، والرجالة كانوا بيساعدوني في أي حاجة محتاجاها. شبرا دي مش مجرد حي سكني، دي ناس بتعيش مع بعض كالعيلة، ولما تشوف واحدة منهم وقعت، كلها تمد إيدها تساعدها تقف على رجليها تاني.
يومًا وأنا قاعدة في المحل بنهاية النهار، شفت رامي واقف من بعيد، بيشوفني من ورا الشباك، ومش عارف يقرب ولا يروح. رفعت راسي وبصيتله، وأشرتله بيدي إنه تعالى. دخل وهو متردد، وقف قدامي وبصلي بنظرة مليانة ندم وافتقاد
المحل جميل يا إيمان. بارك الله لكِ فيه.
شكرًا قلت له بابتسامة هادئة. الحمد لله كل حاجة ماشية تمام. العيال بخير، وبيحبوا ياجوا للمحل ويساعدوني.
أنا شايفهم قال بصوت خافت. كبروا واتغيروا. وأنتِ... أنتِ تغيرتي كتير. بقيتِ أقوى.
ده شغل الزمن يا رامي قلت له. كل واحد فينا اتغير بسبب اللي مر بيه. أنا تعلمت إني ما أعتمدش على حد غير نفسي، وإن السعادة مش بتيجي من حد تاني، بتيجي من جواك لما تعرف قيمة نفسك.
سكت شوية، ثم قال بتردد
أنا آسف. كنت أتمنى أكون راجل أحسن، وأكون أهل للثقة اللي عطيتيني إياها. وإن رجعت بيا الزمن لورا، كنت عملت كل حاجة غير اللي عملته.
وأنا كمان كنت أتمنى قلت له بصدق. بس الزمن ما بيرجعش يا رامي. وكل واحد يتحمل نتيجة اختياراته. أنا اخترت أقف وأكمل طريقي، وأنت لازم تختار طريقك وتكمله. وربنا يهديك ويصلح حالك.
خرج من المحل، وشفته وهو ماشي في شارع شبرا القديم، وكل خطوة كان بتبعده عني أكتر فأكتر. وما حزنتش عليه، لأن اللي كنت بحبه زمان مات من زمان، والشخص اللي كان واقف قدامي
تم نسخ الرابط