ضرتى

لمحة نيوز

القوة اللي بتخلي أوقف على رجلي وأقول كفاية، وأبدأ أفكر في نفسي ولأول مرة من سنين. رحت المطبخ وجهزت الفطار كالعادة، بس هذه المرة من غير دموع، ومن غير ما أجبر نفسي على الابتسامة المزيفة. سعد ومرام خرجوا من الأوضة، سعد كان شكله مبسوط ومرتاح، ومرام كانت بتملس على بطنها اللي كبرت قوي، وقعدوا على السفرة.
قدمتلهم الأكل، وكنت همشي عشان أرتب أوضة العيال، لفتتني مرام وقالت بنفس النبرة الآمرة اللي اتعودت عليها
هناء، قبل ما تمشي، هاتيلي كوباية ماية دافية مع عصير ليمون، وشاي سعد يكون سكر زي ما بيحب.. وتعالي شرفينا هنا نشرب سوا.
وقفت مكاني، وبصتلهم بنظرة هادئة واثقة، وقلت بصوت رصين مسموع، من غير ما أرتعش
آسفة يا مرام، مش هقدر أنفذ طلبك ده دلوقتي.
سعد رفع عينيه من على طبقه بدهشة وغضب، واتعدل في قعدته
نعم؟ إيه اللي بتقوليه ده؟ مش بتسمع كلامها؟ سمعتني قبل كده إني مش عايز أي مشاكل ولا عناد في البيت!
بصيت لسعد بكل ثبات، وقلتله وأنا باحط إيدي على حافة السفرة
يا سعد، الكلام ده كان له زمان، والزمان ده انتهى. أنا خدمتك وخدمت مرام وعيالها بما فيه الكفاية، وكرامتي اللي بعتها سنين طويلة قررت إن أردها لنفسي اليوم. أنا مش خدامة، أنا مرتك الأولى، واللي ليا من حقوق عند ربنا وعند القانون هاخده كاملاً غير منقوص. لكن إنني أستمر في الذل والمهانة دي، فده مش هيحصل تاني، ولو كانت النتيجة إنك تطلقني، فالله يفعل ما يشاء وهو خير الحاكمين.
مرام فتحت عنيها بذهول، مش مصدقة إنها تسمع مني الكلام ده، وسعد وقف بسرعة وكأنه هيضربني، واتقدمني خطوة وصرخ في وشي
أنتِ جنيتي؟ اتجننتي ولا إيه؟ نسيتي إنك من غيري ولا حاجة؟ نسيتي إن محدش هيقبلك بعد كده؟
رديت عليه بكل هدوء وثبات، وكل كلمة بتنزل كالصاعقة على راسه
عارفة إنني من غيرك كنت هعيش وأنا كريمة، ومنك ومن ذلك عشت وتعلمت. اللي جنيت يا سعد هو إنك نسيت إن ربنا فوق كل ظالم، وإن كرامة المرأة مش راجل بيمنحها ليها ولا مراتب تانية بتحدد قيمتها. أنا سبتلك البيت ده، وأنا هروح أشتكي لقس الشرع، وأطالب بكل حقوقي الشرعية من نفقة ومؤخر صداق وكل قرش أخدته من حقي ظلماً. العيال أمانة في رقبتك، ربنا يحفظهم ويهديهم، والله يفتح عليا وعليك الخير أو ياخد بحق كل مظلوم.
سعد وقف مصدوم، الكلام ده نزل عليه زي الصاعقة، مش عارف يرد إيه، لأنه عمره ما تخيل إن هناء المسكينة اللي كانت بتخاف من صوته، تقدر تقف في وشه وتتكلم بكل هذه القوة. مرام كانت قاعدة متسمرة، لونها اتغير من الصدمة، وحست إن قبضتها عليه بتتزلزل قدام ثباتي.
اتنفضت من قدامهم بكل كبرياء، مشيت على أوضتي، جمعت هدومي وحطتهم في حقيبة قديمة كانت عندي، طلعت صندوق الصداق اللي كان فيه وثائقي الشخصية وورق جوازي، وأخذت معايا بس اللي يخصني. مريت على أوضة العيال، بصيتلهم وهم نايمين ببراءة، دمعة نزلت من عيني، مسحتها بسرعة وهمست سامحوني يا عيال، مش بإيدي، ربنا يخليكم ويحفظكم من كل شر.
طلعت من الشقة وقفلت الباب ورايا، حسيت إن حمل جبال انزاح من على صدري، الهوا اللي استنشقته في السلم كان أنقى وأحلى من كل نفس اخدته جوا البيت ده. نزلت الشارع والشمس بدأت تطلع، بتشرق على حياة جديدة كنت أنا اللي بصنعها بنفسي، مش بتنتظر من أحد أي رحمة أو عطف.
رحت على مكتب محامى معروف، شرحتله حالتي بالتفصيل، وطلبت منه يمسك قضيتي ويجيبلي كل حقوقي الشرعية. المحامي استمع لي بكل اهتمام، وقالي إن الحق كليه ليا، وإن القانون هيحفظلي كرامتي وحقوقي بالكامل. بدأت إجراءات رفع القضية، وكل ما كنت أروح أتابعها، كنت أحس إن قلبي بيكبر وثقتي في نفسي بتزيد.
أخبار طلاقي وصلت لأهل الحارة والعيلة كلها، والناس بدأت تتكلم وتسأل، لكن هذه المرة محدش يقدر يبصلي بنص عين، لأن الكل عرف سبب الانفصال، والكل شاف بعينه الظلم اللي كنت أعيش فيه. كتير من الستات جولي ووقفوا جنبي، وباركولي على شجاعتي، وقالولي إنك فتحتى عيوننا على حقيقة إن الصمت على الظلم بيزيده، وإن لازم كل واحدة تدافع عن كرامتها.
عدت شهور، وكسبت القضية بفضل الله، حصلت على مؤخر صداقي كاملاً، ونفقة عدّة وعدة، وكل ما ليا من حقوق. اشتريت شقة صغيرة في حي شعبي هادئ، نضيفة ومريحة، جهزتها بكل حب واهتمام، لأول مرة في حياتي بيت يكون ملكي، بيت أفرشه زي ما أنا عايزة، أطبخ فيه اللي أنا نفسي فيه، أنام وأصحى على راحتي من غير ما حد يأمرني أو ينهاني.
بدأت حياة جديدة، رجعت أشتغل في المهنة اللي كنت بحبها ومتميزة فيها، كنت خياطة ماهرة، فتحت محل صغير جنب بيتي، استقبلت الزبائن بصدر رحب، وشغلي بدأ يكبر وينتشر، الناس كانت تجيلي من كل حتة عشان جودة شغلي وأمانتي. كونت علاقات طيبة مع الجيران والزبائن، حطيت حدود بيني وبين أي تعامل ممكن يجرني لماضي مؤلم، وركزت كل طاقتي على عملي ورضا ربنا.
سعد بعد ما خسر القضية ودفع كل الفلوس اللي كان جمعها، بدأت الأحوال تتغير معاه.. مرام لما حسّت إن مفيش
فلوس كتير، وإن سعد فقد هيبته واتصاب بالهم والديون، بدأت تتغير معاملته، وتتخانق معاه على أتفه الأسباب، وتطلب منه يروح يشتغل شغل إضافي يجيب ليها طلباتها اللي مالهاش آخر. العيال كبروا وشافوا معاملة أمهم القاسية مع أبوهم، وبعدوا عنها، وفضلوا جنب أبوهم اللي حاس بندم كبير على اللي عمله في حق نفسه وحقي.
في يوم كنت قاعدة في محلي بخيط فستان، لقيت واحد واقف على الباب، رفعت عيني لقيت سعد، شكله اتغير كتير، وشه شاحب، وشعره بدأ يبيض، وملامحه كلها ندم وإنكسار. دخل ببطء، وسلم عليا بصوت واطي، رديت السلام بهدوء وأنا قاعدة مكاني
إيه الأخبار يا سعد؟ خير، في حاجة جبتك لحد هنا؟
نزل عينيه في الأرض، وقال بتلعثم وندم واضح
جيت.. جيت أسأل عليكِ، وأقولك إني.. آسف. آسف على كل دمعة نزلت من عينيكِ، آسف على كل ذل شفته مني، آسف إنى خسرت أغلى ما كان ليا بسبب عمى وغروري. مرام.. مرام سابتني هي وعيالها، بعد ما لقيتني خسرت كل حاجة، طلعت من البيت وتركتني لوحدي محمل بالديون وندم السنين. عرفت إن ما كانش في حياتي حد يحبني بصدق ويخلص ليا غيرك، بس بعد ما فات الأوان.
بصتله بكل رحمة وصفاء قلب، قلتله وأنا باحط الخيط والإبرة على الترابيزة
يا سعد، اللي فات مات، وربنا بيغفر لمن تاب وأناب. أنا سامحتك من زمان، عشان ربنا يسامحني ويريح قلبي. لكن الحياة ما يمكن ترجع لورا، واللي اتكسر ما يتصلحش تاني. أنا بنيت حياة جديدة، مستقرة، مرتاحة البال، راضية بربي. وأنت، ربنا يهديك ويصلح حالك، ويكافئك على قد نيتك. لازم تبدأ صفحة جديدة، تبني نفسك من جديد، وتعامل الناس بالعدل والإنصاف عشان ربنا يباركلك في حياتك.
سعد بكي من كل قلبه، وشكرني على كرمة روحي وتسامحي، وطلب يقدر يطمن على العيال من فترة للتانية، وافقت بكل سماحة نفس، لأنه أبوهم وماليش مانع في الخير. مشي سعد وقلبي كان مليان بالسلام والرضا، حسيت إن ربنا عوضني خيرًا بما كنت أتمنى وأكتر.
مرت السنين، وأنا بقيت سيدة محترمة، عندي عملي الخاص اللي كبر واتوسع، بيتي ملىء بالخير والبركة، والناس كلها بتحبني وتقدرني. سعد أصلح حاله، واتعلم من أخطائه، وبقى راجل تاني، يعامل الناس بكل احترام وتقدير، وكل فترة يزورني أنا والعيال، نتبادل الأخبار والمعلومات بكل ود واحترام، كأننا عيلة ربطتها المحبة والاحترام المتبادل، بعيد عن أي ماضي مؤلم.
عرفت في النهاية إن الكرامة مش مجرد كلمة تُقال، ده جوهر الإنسان اللي ربنا كرمه به. وإن الصمت عن الحق مش علامة من علامات القوة، بل ضعف بيسمح للظلم يتمادى. وإن ربنا سبحانه وتعالى بيحفظ لمن يحفظ نفسه، ويعوض الصابرين خيرًا مما فقدوا. وقفت قدام المرآة في بيتي، بصيت لنفسي وابتسمت، وهمست الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.. الحمد لله الذي عوضني ورفع قدري، وكرمني من حيث لم أحتسب.
وكانت نهايتي بداية لبداية جديدة، حياة مليئة بالعزة والكرامة والنجاح، اللي صنعتها بإيدي، وبإصراري إنني أكون أنا.. لا خادمة لأحد، ولا ضعيفة أمام أي ظلم.

تمت القصة بحمد الله

تم نسخ الرابط