ضرتى

لمحة نيوز

منه، وهي راحت لفّة دراعاتها حوالين رقبته ورست رأسها على صدره، وبصتلي من فوق كتفه وهي رايحة معاه الأوضة وابتسامة انتصار وشعنونة مالية وشها.
دخل بيها الأوضة ونيمها على السرير بكل رقة وشال طلباتها، وأنا وافقة في الصالة حاسة إن أرض البيت بتتهز بيا، ودموعي بتنزل بسكوت، سامعة صوت ضحكتها الدلوعة جوه وصوته وهو بيراضيها ويقولها حقك عليا يا قلبي، الماية جاية لحد عندك دلوقتي.
كانت اللحظة دي هي القشة اللي قسمت ضهري بجد، وعرفت إن القسوة والعمى اللي فيه بسببتها ما بقاش ليهم علاج.
وقفت مكاني كأنني صنم، مش قادرة أتحرك ولا أتنفس، صوتهم جاي من ورا الباب بيلعبوا وبيضحكوا كأنهم عرسان جديد، وأنا اللي كنت شريكة حياته في الحلو والمر، بقيت مجرد ذكرى مزعجة بيحاول يمسحها من حياته بأي طريقة. حسيت إن كل دقة قلبي بتتعصر، وإن كل قطرة دم في عروقي بتغلي من القهر والذل اللي شفته من أغلى إنسان كنت فاكرة إنه هيحفظ عشرة العمر.
مشيت بخطوات تقيلة على المطبخ، كل خطوة بتاخد من روحي أكتر، فتحت الحنفية ومليت الطبق ماية، ورميت عليها قبضة ملح من غير ما أحس بإيدى اللي كانت بترعش جامد. كنت عايزة أرمي الطبق في الحيطة وأخرج من البيت ده للأبد، بس فكرت في نفسي.. فين أروح؟ أهلي ماتوا، والدنيا ضاقت عليا من كل حتة. مشيت رجليّ غصب عني، بتحمل الذل عشان لقمة عيشي، عشان مكنش حد يقدر يقولي أهلك رموك ومحدش يريدك.
وصلت لباب الأوضة، دفعته برفق، لقيتهم قاعدين جنب بعض على السرير، هو بيمسح على شعرها وبيقولها كلام حب وغرام عمري ما سمعته في يوم من الأيام، وهي بتبصله بنظرات دلال وغرام، ولما شافتني دخلت، رفعت حاجبها بكل شماتة وقالت بصوت عالي متصنع الوجع
أخيرًا جيتي يا هناء! كنت فاكرة إنك نسيتي أو مش عايزة تخدمي.. يلا، حطي الطبق هنا ووطي اغسليلي رجليّ كويس، المفاصل مش قادرة تستحمل وجع أكتر.
بصيت لسعد لعل وعسى يحرك ساكن، يبصلي نظرة رحمة أو حتى كلمة عدل، لكنه حط إيده على ركبتها وفضل يطبطب عليها وهو بيقولي بنبرة جافة خالية من أي شفقة
اسمعي كلامها واغسليها بسرعة، مفيش لزمة التأخير، الست تعبانة ومش ناقصة وجع قلب.
نزلت الطبق على الأرض ببطء، ووطيت جسمي بتعب وانهيار، مسكت رجلها اللي كانت ناعمة ومترفة، وبدأت أفركها بالمية والملح بحركات ميكانيكية، دموعي كانت بتتساقط جوا الطبق واحدة ورا التانية، مختلطة بالمية اللي بتغسل رجليها اللي داست على كرامتي كتير. وهي كانت كل شوية تئن وتقول أه.. أقوى شوية.. لا، دي وجعتني.. خففي إيدك.. يلا، خلصي بسرعة عايزة أنام. وسعد كان بيوجهني كإني خدامة جايه من الشارع يمين.. شمال.. خليكي وراها.. اتأكدي إنها ارتاحت.
خلصت المهمة بأسرع وقت، مسحت رجليها بالمنشفة اللي مدتهالي بترفع دراعها كأنها ملكة وأنا جاريه تحت أمرها، وقفت على رجليّ بتعب، وبصت لهم وأنا باحاول أتمالك نفسي
أي حاجة تانية محتاجة تعملها؟
مرام ردت وهي بتتثاوب وبتقلب وشها للحيطة
لأ، شكرًا.. دلوقتي تقدري تروحي تنضفي المطبخ وتجهزي العشا، سعد بيحب الأكلات الدسمة وأنا مش قادرة أطبخ وأنا تعبانة كده. ولما تخلصي، خدي العيال ناميهم في أوضتهم، متخليهمش يصحوني عشان البيبي الجاي محتاج راحة تامة.
سعد أشار بإيده ناحية الباب كأنه بيطردني
روحي شغلك يا هناء، متوقفيش كده، الوقت بيمشي والبيت لسه محتاج عناية.
خرجت من الأوضة وأنا حاسة إن جسمي كله مصاب بكسور، كل خلية فيا بتصرخ من القهر. رحت المطبخ وشغلت التلفزيون بصوت واطي عشان أملا المكان اللي مليان بصوت ضحكهم وكلامهم، وبدأت أقطع الخضار وأجهز اللحمة، وعقلي بيحضرني ذكريات قديمة لما كنت أنا اللي في قلب حياته، لما كان يجيلي يشتكي من تعب الدنيا وأنا اللي أطبطب عليه، لما كان يقولي أنا من غيرك مش عايش. الكلام ده بقي سراب، واتبدل بكل قسوة وازدراء.
عدت شهور والحيال بيكرر نفسه، مرام بتكبر في بطنها وتزيد في دلعها وسيطرتها، وسعد بيغرق أكتر في حبها وطاعتها، وأنا بقيت فعلاً الخدامة الرسمية للبيت والعيلة كلها. كنت أقوم قبل الفجر، أجهز الفطار، أنضف البيت، أغسل وأكوي، أطبخ كل اللي نفسهم فيه، وأراعي العيال التلاتة اللي بيكبروا وشقاوتهم بتزيد، وكل ما يصدر منهم أي صوت، تجيلي مرام بكل عصبية وتقولي شدي عليهم، دول هيتعبوا أبوهم، لازم يبقوا هاديين! ولما كنت أشكي لسعد، كان يقولي معاها حق، العيال لازم يتعلموا الأدب، أنتِ اللي مرباهم عالإهمال.
لحد ما جاء اليوم اللي وصلت فيه لقمة الهرم من التعب النفسي والجسدي.. كنت تعبانة جداً، راسي بيوجعني من كتر السهر والبكاء، وضهري مش قادر يتحمل شيل أي حاجة، وكنت حاسة إن جسمي بيسيب روحه شويه شويه. رحت أصلي الفجر وأدعى ربنا يخفف عني، أو ياخدني عشان أرتاح من العذاب اللي أنا فيه. وبينما أنا قاعدة ساجدة، حسيت بشيء غريب جوا قلبي، كأن نور صغير بدأ يشرق جوا الظلام اللي عشته سنين.. تذكرت إن ربنا عادل، وإن الظلم مهما طال لابد له من نهاية، وإن كرامة الإنسان مش هتتباع ولا تتشري بفلوس ولا بذل.
قمت من الصلاة وأنا حاسة بقوة غريبة، مش القوة اللي بتخلي أضرب أو أتخانق، لكن
تم نسخ الرابط