ولا حتى لحقت تقلع الأسود.. أهل جوزها اقتحموا الشقة ينهبوها، لكن اللي حصل بعد خبط الباب قلب الدنيا!
الاستاذة سلوى، ومعايا اتنين من رجال الشرطة، وموظف من الشهر العقاري، وكلهم واقفين بجدية تامة.
الحاجة صفية لما شافت الشرطة، وقعت قلبها، وحاولت تظهر إنها المظلومة وقالت بصوت عالي
يا باشا.. يا باشا الحقني! دي الست دي بتطردني من بيت ابني، وبتقول إنها صاحبته، ودي شقة ابني شريف الله يرحمه وأنا أمه وحقي فيها أكيد!
الاستاذة سلوى بصت لها ببرود، ورفعت ملف في إيدها وقالت بصوت واضح سمعه كل اللي في الشقة
أول شيء يا ست صفية، دي مش شقة ابنك.. دي شقة ملكية مسجلة رسمياً باسم فريدة محمد عبد المنعم، وده عقد الملكية الموثق في الشهر العقاري بتاريخ ١٢ من شهر ٦ الماضي.
صفية صرخت كأنها مجنونة
كلام فاضي! كيف؟ دي كانت باسم شريف! شريف هو اللي اشتراها!
صحيح ردت سلوى بهدوء شريف كان اشتراها باسمه أول شيء، لكنه عمل تنازل رسمي وموثق لزوجته فريدة، ودفع كل التكاليف والضرائب، والشقة دي خلاص بقت ملكها بالكامل، لا ليكِ ولا لحد غيرك فيها أي حق أبداً. وده مش كل حاجة.. شريف عمل وصية رسمية عندي، وموثقة من مأذون شرعي ومحكمة الأحوال الشخصية، وكل أملاكه الشخصية، مدخراته، حصته في الشركة، وحتى ميراثه من أبوه اللي كان محجوز لكم، كلها تركها لفريدة بالكامل، لأنه كان عارف إنكم مش هترحموا حتى ذكراه، وإنكم طول عمركم بتعاملوها بقسوة بلا سبب.
الكلام ده نزل عليهم زي الصاعقة.. ميادة وقعت على الكنبة ومش عارفة ترد، وعاشور مسك الحيطة عشان ما يقع، وصفية بقت تتنفس بصعوبة وعيونها بتدور زي المجنونة.
كيف ده؟.. كيف يعمل كدة؟ قالت صفية بصوت مكسور إحنا أهله.. إحنا دمه ولحمه.. كيف يترك كل حاجة لغريبة؟
غريبة؟ ردت فريدة وهي بتقرب منها خطوة، وعيونها بتلمع من القوة والعدل أنا الغريبة؟ وأنتِ اللي طردتيه من بيتك وهو صغير عشان تاخدي فلوس زوجك التاني؟ وأنتِ اللي كنتِ بتعامليه كأنه خادم عندك؟ وأنتِ اللي منعتيه ياخد نصيبه من أبيه لحد ما مات؟ شريف كان يعرف كل حاجة يا صفية.. كان يعرف إنك بتحبي الفلوس أكتر منه، وإنك ما جيتيش تزوريه ولا مرة لما كان في المستشفى، وإنك طول عمرك بتخططي تاخدي كل حاجة لما يموت. هو قال لي قبل ما يغمض عينيه يا فريدة.. ما تثقش في حد من عيلتي أبداً، همهم الفلوس بس، وأنا أمنت لك كل حاجة عشان ما يقدروا يضروكِ.
سلوى فتحت الملف وقرت بصوت واضح نص الوصية
أنا شريف كمال الدين، بصحة وعافية، أقرر إن كل أملاكي المنقولة وغير المنقولة، وكل ما أملك من مدخرات وأسهم وحقوق، تؤول بالكامل لزوجتي فريدة محمد عبد المنعم، لأنها الوحيدة اللي وقفت جنبي في كل ظروفي، واللي تعبت معايا وساعدتني، واللي كانت لي نعم الرفيقة والصديقة. وأوصي الجميع باحترام وصيتي، لأنها الحق والعدل، ولأن عيلتي لم تعطني إلا الأذى والقسوة طوال حياتي، ولا أريد لهم أي شيء من مالي أو ممتلكاتي. والله شاهد على كلامي.
لما خلصت القراءة، ساد صمت مخيف في الشقة، وما حدش قدر يفتح فمه. فريدة بصت لهم واحد واحد، وشافت في عيونهم الندم والخزي والغضب اللي ما لوش لازمة، لأنهم جابوه على نفسهم.
والآن قالت سلوى بجدية أنتم دخلتموا شقة السيدة فريدة بلا إذن، وقمتم بسرقة محتوياتها، وده جريمة يعاقب عليها القانون بالسجن والغرامة. والفضل لله إن السيدة فريدة كانت عارفة إنكم هتعملوا كدة، فأبلغتني من قبل، وطلبت مني أجيب معايا القوة القانونية عشان نواجهكم، والورقة اللي مكتوبة على السفرة والشنط دي كلها أدلة دامغة ضدكم.
صفية حاولت تترجى وتعيط
سامحيني يا بنتي.. سامحيني يا فريدة.. كنت غلطانة.. طمعاني عمياني.. ما عرفتش قيمة شريف إلا لما مات.. ارحمني أنا أمك..
فريدة بصت لها ببرود ما فيه أي رحمة، وقالت
الرحمة لازم تكون موجودة في القلب يا صفية، وأنتِ ما عندكش قلب يرحم. أنا ما طالبتكش بحاجة، وكنت مستعدة أعطيكِ نصيبك الشرعي اللي لكِ فيه حق، بس إنكم تقتحموا بيتي في يوم دفن جوزي، وتنهبوا كل حاجة وتشتمني وتقولوا عليا كلام مش صحيح، ده شيء ما يغتفر أبداً. أنتم اخترتوا الطريق ده، وتحملوا نتيجة اختياركم.
الشرطة بدأت تسجل الأقوال، وتكتب محضر بالسرقة وانتهاك حرمة المسكن، وكل واحد منهم كان بيتكلم بلهجة خوف وندم، بس فات الأوان. فريدة طلبت منهم يفرغوا الشنط ويرجعوا كل حاجة لمكانها، وشافت بعينها كيف كانت قلوبهم مليانة شر وطمع، وكيف العدل لما يجي بياخد حقه بلا رحمة.
بعد ما خرجوا، وفضلت فريدة وحدها في الشقة، راحت للمكتب وفتحت الدرج اللي كان شريف مخبي فيه الوصية، وطلعت منه ورقة صغيرة مكتوبة بخط يده، مكتوب عليها
يا روحي.. لو أنا رحت قبلك، اعرفي إن كل حاجة عملتها عشانك، وإن حبي ليكي ميتغيرش ولا يموت أبداً. حقك هيرجع مهما حصل، وكوني قوية زي ما أنا عارفك. أحبك يا فريدة، وسأظل أحبك في الدنيا والآخرة.
قرأت الكلام ده ودموعها نزلت بحرية، بس كانت دموع راحة وامتنان، عشان شريف ما سابها وحدها، وعشان العدل جاب حقها وخلّى كل واحد ياخد جزاء فعله. قعدت على الكنبة اللي كان بيقعد عليها جنبها، وحست بوجوده حولها، وسمعت صوته في بالها بيقول
لها خلاص يا روحي كل حاجة خلصت، وارتاحي.
مرت الأيام، وفريدة رفعت قضية رسمية ضدهم، وحكمت المحكمة بإنهم مذنبين، وحكم عليهم بالغرامة والسجن المؤجل بشرط عدم الاقتراب منها أو مضايقتها مرة أخرى. وعرف كل الجيران والمعارف حقيقتهم، وكل واحد كان بيتعاطف معاهم قبل كده ابتعد عنهم، وعرفوا إن الظلم مهما طال بيوم بيجي عليه يوم وينكشف.
فريدة فضلت تحب شريف طول عمرها، وما نسيتش حبه ولا جميله، وعاشت في بيتها اللي كان بيت حبهم وسعادتهم، وتذكر دايماً إن مهما كان الطمع والظلم قوي، فالعدل أقوى، وإن اللي بيعمل خير بيلاقيه، واللي بيعمل شر بيلاقيه مهما تأخر. وكل ما كانت تمر بجانب كاسات الكريستال اللي اشترتها مع شريف، كانت تبتسم وتقول في قلبها شكراً يا روحي.. كنت عارف كل حاجة، وما خليت لحد فرصة يضيرني.. وأنا هفضل أحبك لآخر نفسي.
وكانت عيلة شريف عرفت بعد كده إن الفلوس مش كل حاجة، وإن الحب والاحترام والعدل هي اللي بتبقى، وإن الظلم ما بيبنيش بيت ولا يرفع شأن، وإن كل إنسان ليه حساب على كل كلمة وكل فعل يعمله في الدنيا، والله سبحانه وتعالى فوق كل ظالم، وله الحكم في الأول والآخر.
تمت بحمد الله