حماتى طردتنى قدام الكل

لمحة نيوز

تعالي نتفاهم.. سامحيني.. أنا ما كنتش أعرف إن أمي هتعمل فيكي كده، وما كنتش أعرف إنك بتدفعي كل حاجة من فلوسك.. والله ما كان قصدي أضيع حقك ولا أهينك أبداً.
بصيت له ببرود تام، وقلت له بهدوء ما فيه أي غضب ولا حنين
يا جلال.. مش عايزة نتفاهم في حاجة، ولا عايزة منك أي حاجة. الحقوق كلها رجعت لي، والشقة اللي كنت عايشة فيها سنين خلاص ملكتي أنا أقرر مصيرها. واللي حصل حصل، والزمن ما بيرجعش لورا، ولا الكلام اللي بتقوله دلوقتي بيمسح الإهانة اللي بلعتها ولا الوجع اللي سكن في قلبي سنين.
حاول يقرب مني أكتر ويقول لي
بس أنا بحبك يا ورده.. واللي شفتيه مجرد غلطة، وكنت فاكر إنك عارفة كل حاجة وإنك موافقة.. تعالي نرجع نعيش مع بعض زي ما كنا، وهعوضك عن كل اللي فات، وهاخدك في حضني ومش هسمح لأحد يضايقك تاني.
ضحكت بصوت خفيف، وقلت له وأنا شايفة الصورة اللي في تليفوني
الحب يا جلال مش بالكلام بس، الحب بيتثبت بالمواقف والصدق والوفاء. لو كنت حقاً بتحبني، ما كنتش خبيت علي كل حاجة، وما كنتش سمعت كلام أمك وسمحت لها تهينني وتطردني، وما كنتش ضحكت مع غيري بالضحكة اللي ما ضحكتها معايا من سنين. أنا سمعت كلامك وصدقتك لما قلت لي إنك مش عايز عيال تاني، وإنك عايز شريكة حياة، وكنت شريكة حياتك في السراء والضراء، وكنت أدفع وأصرف وأتحمل، بس أنت ما كنتش شريك لي، كنت مجرد شخص بياخد مني كل حاجة ومش بيعطيني حتى الاحترام.
طلعت التليفون من جيبي ووريته الصورة، ولما شافها تغير لونه واتكلم بصوت متعثر
ده.. ده مش اللي بتفتكريه يا ورده.. دي مجرد صدفة، وهي مجرد صديقة قديمة، وما كانش بينا أي حاجة حرام ولا غلط.. والله ما خنتك ولا فكرت فيك في يوم من الأيام.
قلت له بثبات
أنا مش قلت إنك خنتني ولا عملت حاجة حرام يا جلال، أنا قلت إنك كذبت علي، وإنك عشت معايا في كذبة، وإنك ما كنتش صادق معايا ولا مع نفسك. قلت لي إنك في مأمورية، وسكرتيرتك قالت لي إنك اخدت إجازة سنوية، وقلت لي إنك بتحبني وتقدر تعبي، وسمحت لامك تقول لي الكلام السم ده وتطردني قدام الكل، وانت عارف إنك مديون لي بالكثير والكثير. المشكلة مش في الصورة ولا في الشخص ده، المشكلة إنك فقدت الثقة، والثقة يا جلال عمرها ما تترجع تاني لو ضاعت.
سكت شوية، وقلت له كلام أخير
أنا مش عايزة منك تعويض ولا فلوس ولا حتى كلام اعتذار. كل اللي عايزاه إنك تتركني في حالي، وتعيش حياتك زي ما انت عايز، وتعرف إن اللي عملته كان الصح، وإن ما حدش يقدر ياخد حقه بالكلام الحلو ولا بالدموع. الحق بياخد بالجد والصبر والقوة، وكل واحد بياخد نصيبه اللي يستاهله في الدنيا قبل الآخرة.
سابته ومشيت، وهو واقف مكانه مش عارف يعمل إيه، ولا عارف كيف يرد عليا، لأنه عارف إن كل كلمة قلتها كانت صحيحة ومش فيها أي غلط.
مرت شهور، وميار وضعت طفلها، وسمعت إنهم عاشوا في شقة صغيرة ومش قادرين يوفروا كل طلباتهم، وإن الحاجة فوزية كانت كل شوية تتصل بي وتترجاني أسامحهم وتعوضهم، بس أنا ما رديتش عليها، لأن الندم اللي جاي بعد فوات الأوان ما بيفيدش، واللي زرع شوك ما بيحصدش غير شوك.
كنت في يوم ماشية في السوق، ولقيت رامى قدامي، وشكله كان متغير، ونزل عينيه في الأرض لما شافني، وقرب مني وقال بصوت خافت
يا طنط ورده.. سامحيني.. كنت غلط في حقك، وما كنتش عارف قيمتك إلا لما خسرتك. أنا كنت بكرهك من غير سبب، وصدقت كلام جدتي واعتقدت إنك جاية تاخدي مكان أمي، بس عرفت إنك كنت أحسن من أم كنت أتمناها، وإنك عملتي معايا كل خير وما قابلتيش إساءتي إلا إحسان. والله ما كان قصدي أضايقك ولا أهينك، بس كنت صغير ومش فاهم حاجة.
بصيت له، وقلت له بكل رحمة
يا بني.. أنا سامحتك من زمان، لأن القلب اللي بيحب ما بيحقدش ولا بيكره. بس لازم تتعلم من الغلط، وتعرف إن الحكم على الناس مش بيجي من كلام الغير، ولا من المظهر، لازم تعرف الحقيقة بنفسك قبل ما تحكم. وتعرف إن العشرة والخير والمعروف دي أشياء أغلى من الدم، وإن المكانة ما بتجيش بالعنصرية ولا بالغرور، بتجيش بالعمل الصالح والقلب الطيب. وإن شاء الله تكون أب طيب لولدك، وتعلمه إن الخير هو اللي بيدوم وإن الحق هو اللي بيعلو.
دمع عينيه وقال لي شكراً ومشى، وأنا كملت طريقي وقلبي كان مطمئن، لأنني ما حملت في قلبي غل ولا حقد لأحد، وكل ما عملته كان لطلب حقي وعدم ظلم نفسي.
وبعد فترة، قررت أبيع حقي في الشقة اللي كانت لجلال، واخدت فلوسها واشتريت شقة صغيرة في مكان هادئ، وافتكرت أفتح حضانة صغيرة للأطفال اللي محتاجين رعاية، وكنت أخصص جزء من وقتي ومصروفي لمساعدة الأرامل والأيتام، لأن ده كان أمنية نفسي من زمان.
جلال حاول يتصل بي مرة أخيرة، وقل لي إنه ترك السيدة اللي كان معاها، وإن ندم ندم شديد، وإن عايز
يبقى صديق لي على الأقل، بس أنا قلت له إن الصداقة والعلاقات لازم تبنى على الصدق والاحترام، وإننا مش هنقدر نكون أصدقاء ولا نرجع زي ما كنا، وإن الأفضل كل واحد يمشي في طريقه ويبني مستقبله من جديد.
وبعد سنين، كنت قاعدة في الحضانة بتاعتي وشايفة الأطفال يلعبوا ويضحكوا، وجاء لي رامى ومعاه زوجته وابنه الصغير، وقال لي إنهم سموا الطفل كرم تيمناً بالكرم اللي كان في قلبي، وإنهم كل فترة بيجوا يزوروني، وإن جلال كان عايز يجي معاهم بس خاف مني، وقلبي رق له وقلت لهم يجي في أي وقت عايزه.
ولما جاء جلال، كان شيخ شعره، وملامح الندم واضحة عليه، وقعد معايا واعتذر مني مرة تانية، وقال لي
عرفت يا ورده إنك كنت نعمة كبيرة ربنا رزقني بيها، وإن أنا اللي ضيعتها بيدي، وإن ما فيش حاجة في الدنيا تقدر تعوضني عنك. ربنا يخليك ويبارك فيكي، وأتمنى لك كل السعادة والهناء في الدنيا والآخرة، لأنك ما ظلمتي حد في حياتك، وكل اللي عملتيه كان عادل وصحيح.
قلت له بابتسامة هادئة
السعادة جاية للي يستاهلها يا جلال، وكل واحد بياخد نصيبه اللي كتبه له ربنا. المهم إنك تعلمت الدرس، وتعرف إن الحق مهما طال الزمن ومهما حاولوا يخفوه، فهو بيظهر في الآخر، وإن الظلم ما يدومش، وإن الخير هو اللي بيبقى.
وهكذا عرفت إن اللي عملته كان الصح تماماً، لأنني لم أجري وراء الهزأ والانتقام، بل أخذت حقي بالطرق السليمة والقانونية، وتركتهم يواجهون نتيجة أفعالهم بنفسهم، وثبت لهم إن المرأة مهما كانت صابرة ومستحملة، ففي النهاية ما بتقبلش الظلم، وإن الحق هو اللي بيعلو وما شيء غيره بيدوم.
وما كنتش عايزة أواجههم في البداية لأني عرفت إن المواجهة بالكلام مش بتفيد، وإن الدليل والحق هو اللي بيجيب النتيجة الصحيحة، وإن من يرتكب غلط فهو لازم يتحمل نتيجته، وإن الزمن كفيل بيكشف كل الأسرار ويظهر كل الحقائق، وإن مهما حاول الناس يغيروا الحق ويمشوا وراء الأوهام، ففي النهاية الحقيقة هي اللي بتنتصر.
تمت القصة

تم نسخ الرابط