حماتى طردتنى قدام الكل
المحتويات
بعلو صوتها تلم الجيران
الحقوني يا ناس! حرامية! بتسرق شقة ابني وبتخرب بيته!
سبت المفتاح على تربيزة الصفرة الفاضية وقلتلها بنظرة كلها جبروت وثقة
لا يا حاجة.. مش بتاع ابنك. العفش ده كله مدفوع تمنه بشقا الست اللي انتي لسه طاردتيها بإيدك من شوية.. والشقة دي كمان الإيجار بتاعها هيقف من بكرة لأن العقد هيتلغي بوصولاتي.
رعشت جسمها بان لما سبتها وسط الأوض الفاضية، مفيش حواليها غير باكات البامبرز، سرير بيبي مفكك مترمي في الأرض، وكذبة كبيرة خلاص بقت على المكشوف ومسيرها تنفجر في وش الكل عن قريب...
وأنا ماشية بعربية النقل، مكنتش أعرف المفاجأة اللي الأيام مشيلاها لجلال وعيلته والصورة اللي معايا هتعمل فيهم إيه...
تفتكروا ورده عملت الصح والا كان لازم تواجههم وتهزأهم الأول قبل ما تأخد حقها؟
السيارة النقل كانت تمشي ببطء في شوارع المنيل القديمة، والريح بتدخل من الشبابيك المفتوحة وتلعب بشعري اللي ما عدلتوش من يوم ما خرجت من البيت. كنت قاعدة في المقعد الأمامي جنب السواق، ويديا على الشنطة الجلدية اللي فيها كل ما يثبت حقي، وكل دقة في قلبي بتقول لي إن مرحلة جديدة بدأت، وإن ما كنت أستحمله سنين كتير خلاص انتهى ومش هيرجع تاني.
ما كنتش عايزة أواجههم ولا أهزأهم، ولا حتى أرد عليهم كلامهم اللي كان بيجرح القلب قبل اللسان. لأن اللي بيستاهل الرد والهزأ هو اللي عنده قلب بيحس وضمير بيأنبه، وهما دول ما بقاش عندهم لا ده ولا ده. الحاجة فوزية كانت شايفة إن دمها أحسن من أي دم تاني، وإن جلال ابنها ملك كل حاجة، وإن أنا مجرد خادمة جت تسد فراغ لحد ما تيجي الفرصة المناسبة وتطردني. وجلال.. ده كان أعمى قلبه عن كل الخير اللي كنت بعمله، وصدق كلام أمه ونسى العشرة والسنين والحقوق اللي عليه.
كان عندي ٤٦ سنة، وعمري ما حسست إنني قوية زي ما كنت حاسة في اللحظة دي. ما كنتش خايفة من المستقبل، ولا عايزة أعيش في الماضي، ولا حتى نادمة على السنين اللي ضاعت. لأن كل يوم عشته هناك كان درس تعلمته، وكل إهانة بلعتها كانت بتزيد من صبري لحد ما جاء الوقت اللي أقدر آخذ فيه حقي كاملاً من غير ما أحتاج لأحد ولا أطلب مساعدة من أي مخلوق.
وصلت للشقة الصغيرة اللي استأجرتها قبل كده بسنوات، كنت بادفع فيها قسط بسيط كل شهر من فلوسي الخاصة، وكنت مخبيتها كضمان لليوم ده، لأن قلبي كان حاسس إن يوم ما هحتاج لمكان يضمني بعيد عنهم. كانت الشقة في حي شعبي هادئ، مكونة من غرفة واحدة وصالة ومطبخ صغير، بس كانت لي وحدي، ولا أحد يقدر يطردني منها ولا يقول لي كلام يجرحني.
العمال نزلوا العفش ورتبوه، وكل حاجة وضعتها في مكانها المناسب، ولما خلصوا سلمتهم أجرهم وشكرتهم، وقفلت الباب ورايا وأنا أخيراً حسست بالراحة والهدوء اللي حرمتني منه سنين طويلة. جبت كوب شاي دافئ وقعدت على الكرسي القديم اللي كان عندي من أيام الخطوبة، وبدأت أفتكر كل حاجة حصلت معايا خطوة بخطوة، والصورة اللي شفتها في تليفون البنت بتاعة القهوة ما فارقت مخي ولا لحظة.
جلال كان بيضحك ضحكة ما شفتها في عينيه من سنين، ويده على يد السيدة اللي تصغره بعشرين سنة، وكل حاجة في الصورة بتقول لي إنني كنت عايشة في كذبة كبيرة، وإن الراجل اللي كنت بستحمل طوب الأرض عشانه ما كان يستاهل حتى دمعة واحدة من عيني.
مرت الأيام، وكنت مستقرة في حياتي الجديدة، رجعت لشغلي في العيادة وكنت بذهب وأجي لوحدي، وكنت أتجنب أي طريق ممكن يقابلني فيه أحد من عيلة جلال. بس الأخبار كانت بتوصل لي بكل سهولة، لأن الجيران كانوا عارفين الحقيقة كلها، وكل واحد كان بيقول لي حاجة تزيد من ثقتي إن اللي عملته كان الصح تماماً.
أول ما لغيت عقد الإيجار، صاحب الشقة جاء لهم وطلب منهم يخرجوا، وقل لهم إن العقد كان باسمي وإن أنا اللي كنت بدفع كل شهر، فما لهمش حق في البقاء هناك ولا حتى يوم واحد. الحاجة فوزية حاولت تترجاه وتقول له إن ابنها صاحب شقة ومكانة، بس هو قال لها إن العقود والدفاتر هي اللي بتحكم، وإن ما يقدرش يخالف القانون ولا رغبة المستأجر الأصلي.
رامى وميار كانوا جايين يوم الجمعة زي ما كانت مخططة، ولما وصلوا لقوا الباب مغلق، وعرفوا الخبر كلهم، ووقعت الحاجة فوزية في حيرة وقلق ما لهمش وصف. جلال كان غايب ومحدش يعرف مكانه، فما كانش قدامهم حل غير إنهم ياخدوا العفش اللي اشتروه لطفلهم ويمشوا لشقة تانية يستأجروها، وكل فلوسهم اللي صرفوها في تجهيز الشقة والشراء راحت هباءً، واتضح لهم إنهم ما كانوش غير ضيوف مؤقتين في مكان ما كانش لهم.
بعد أسبوعين، جلال رجع أخيراً، ولما وصل للشقة لقيها فاضية، وعرف كل الحكاية من الجيران ومن صاحب المكان، واتصل بي مرة تانية وتالتة، بس أنا ما رديتش عليه. لحد ما جاء لي في العيادة، ووقف في انتظاري لحد ما خلصت شغلي، ولما خرجت شفته واقف في نهاية الطريق، وشكله تغير تماماً، وجهه شاحب وعينيه مليانة قلق وندم.
قرب مني وقل لي بصوت مهزوز
ورده..
متابعة القراءة