حماتى زقتنى من ع السلم سقطت البيبى
لدرجة دي؟ ولا كانت بتحبني يوماً؟
منى قالت له بصراحة ما فيها مجاملة
كانت بتحبك بكل قلبها يا عصام. وكانت مستعدة تبيع الدنيا كلها وتشتريك. بس أنت بعتها بأبخس ثمن. واللي بيضيع كنز من إيده غباء.. مفيش حد يلومه غير نفسه. روح.
خرج من المكتب ومش عارف فين يروح. شعر إن كل كلمة قالتها له كانت سكاكين بتقطع في قلبه، بس عارف إنها الحقيقة المرة اللي ما كانش عايز يسمعها. دفع تكاليف علاج أمه، وبعد شهور طلعت الحاجة فوزية من المستشفى بس لسه معاقة، مش بتقدر تمشي كويس ولا تتكلم بوضوح، وكل ما تشوف عصام تدمع عينيها وتحس إنها خسرت كل حاجة بسبب غرورها.
عصام استأجر غرفة صغيرة جداً في الحارة الشعبية اللي كانوا ساكنين فيها قبل ما يغنوا، واشتغل عامل مساعد عند مقاول صغير، يرفع طوب وينقل أسمنت ويكادح كل قرش بيده. كل ليلة بيجلس جنب شباك الغرفة الصغيرة، وبيفتكر أيامهم، وبيفتكر كلام رضوى، وبيقول لنفسه ملايين المرات يا ريتني سمعتها.. يا ريتني كنت أكرمها.. يا ريتني ما كنت أعمى عن النعمة اللي كانت في إيدي. بس الندم ما بيرجع ميت، ولا بيرجع فرح راح، ولا بيرجع طفل سقط بسبب الغباء والقسوة.
وبعد مرور سنة كاملة، رضوى كانت قوية جداً ومشيت في طريقها بكل ثقة. أعادت بناء شركتها على أسس سليمة ونظيفة، ووسعت نشاطها لحد ما أصبحت من أشهر سيدات الأعمال في مصر، ومعروفة بصدقها وعدلها ومساعدتها للفقراء واليتامى والنساء اللي بتتعرض لظلم زي ما هي تعرضت. كانت بتقضي وقت طويل في الجمعيات الخيرية، وبتساعد في علاج الأطفال وتعليمهم، وكل ما تشوف طفل صغير بتبتسم وتدعو لابنها اللي ما اكتمل، وتقول له سامحني يا روحي.. أنا عملت كل اللي أقدر عليه، والحق جاي لوحده.
كانت عايشة بسلام داخلي لم تحسه من قبل، وجمالها زاد لأن جمالها جاي من جواها، من النقاء والعدالة والقوة. ناس كتير طلبوا يدها للجواز، رجال أشراف ومحترمين بيحبواها لنفسها ولشخصيتها، بس كانت بتعتذر بلباقة وتقول قلبي استراح، ومش عايزة أربط نفسي بحد تاني.. كفاية عليا حريتي وسلامي.
وفي يوم من الأيام، كانت راكبة عربيتها بتعبر منطقة الحارة القديمة، شافت من بعيد راجل واقف بجانب جدار بيت قديم، ملابسه بسيطة ومش عايز يرفع عينه للناس. عرفته فوراً.. هو عصام. كان واقف بيشيل أكياس مواد بناء على كتفه، وشكله تعبان ومتعب جداً. السائق سألها نوقف يا ست الكل؟ رضوى هزت راسها ببطء، وقالت له بهدوء تام
لا.. امشي. ما عادش في حاجة تجمع بيننا ولا في حاجة نكلم بعض عليها. الحمد لله اللي أظهر الحق ونصر المظلوم.
ومشت العربية قدام، وتركته وراها في المكان اللي هو اختاره لنفسه بكل أفعاله. ما شعرت بكراهية ولا بغضب ولا حتى رغبة في الانتقام.. شعرت بس براحة تامة، وكأنها أغلقت كتاباً ثقيلاً ومؤلماً وخلاص مش هتفتحه تاني أبداً.
في المساء، جلست في حديقة فيلتها والهواء الطلق بيلعب بشعرها، وفتحت صندوق صغير كان فيه السلسلة الفضة والانسيال بتوع أمها، وهمست بكل طمأنينة
يا ست الكل يا أمي.. كنتي دايماً تقولي لي إن الحق زي الزيت مهما طال الزمن بيطلع لفوق. وإن الظلم مهما قوي وارتفع.. نهايته سقوط ومش بعيد. وإن اللي بيعمل خير بيلاقيه، واللي بيعمل شر.. بيرجعله في عنقه. صدقتي يا أمي.. كل كلامك كان صحيح. وأنا الحمد لله ربنا نصرني وكرمني وأعوضني خيراً مما فقدت.
ومن بعيد كانت النجوم بتضوي في السماء، والدنيا هادئة وجميلة، ورضوى عرفت إن العدالة الإلهية ما بتغلطش أبداً. وإن الرب لما بياخد منك حاجة عشان يحميك من ناس ما تستاهلكش.. بيعوضك بأضعافها، وبيريح بالك، وبيجعل نهايتك دايماً سعيدة وآمنة.. لو كنت صبورة ومتمسكة بحقك وعدلك.
والحكاية دي بتبقى عبرة لكل بنت وكل راجل لا تستهنوا بمن هو أضعف منكم، ولا تظلموا أحداً ولا تغدروا به، ولا تفرحوا بزوال نعمة غيركم.. لأن الدنيا دولاب، يوم ليك ويوم عليك، والحق لابد وأن يظهر مهما طال الزمن، والصبر الجميل آخره دايماً فرج كبير وكرم من رب العالمين.
تمت بحمد الله