قعدت جمب عدو ابوها من غير ما تعرف
حامل، أخفاها في مكان بعيد، وطلب من حسن الجندي يكون يراقبها ويحميها من بعيد، وما يخلي حد يعرف بوجودك أبداً. وحتى لما مامتك اتوفت، هو فضل متمسك بالقرار ده، خايف إنك تروحي له وتتعرضي للخطر.
كلماته كانت زي الصاعقة، كل الذكريات اللي كانت محفورة في دماغها، كل القصص اللي كانت بتقولها لنفسها، كل شعور بالوحدة والغربة، اتكسرت قدامها كأنها زجاج. حاولت تتكلم بس ما طلعتش منها أي كلمة، واتكأت على باب العربية عشان ما تقع.
والناس اللي جايين يخطفوني؟ سألت بعد دقائق طويلة من الصمت.
دهم رجال فؤاد منصور، عمي وعدو أبوكي اللدود رد آدم هو عرف بوجودك من شهور، وانتظر الفرصة المناسبة لحد ما اكتشف إنني قريب منك. طلب مني أسلمك ليه، علشان يضغط على أبوكي يسلم كل أراضيه وممتلكاته، وإن رفض يقتلك. ما كانش عارف إنني عرفت الحقيقة قبل ما ينفذ خطته، وإنني مش هسمح لأحد يأذيكِ مهما كان الثمن.
وأنت؟ سألته وهي تنظر له بترقب أنت من عيلة أعداء أبويا، ليه خاطرت بنفسك ضده؟ ليه ساعدتني؟
آدم سكت شوية، وبص للنيل اللي المياه بتتحرك ببطء تحت الضوء الخافت، وقال
لما كنت صغير، كنت بسمع كتير من القصص عن عيلة المرسي، وكلها كانت بتقول إنهم عصابة قتلة ولصوص. لكن لما عرفتك، وعرفت إنك بنت الزعيم ده، اكتشفت إنك مش زي ما قالوا. إنت طيبة، بتخافي على الناس، بتحبي مساعدة الغير، وكل همك إنك تخلصي دراستك وتكوني ممرضة كويسة زي مامتك. وبعدين لما عرفت الحقيقة كاملة، عرفت إن الحرب بين العيلتين بدأت بغلط من الجانبين، وإن كتير من الأبرياء دفعوا التمن غالي بسببها. أنا مش عايز أضيف ضحية تانية لقائمة الموتى، ومش عايزك تدفعي تمن حرب ما دخلتيش فيها.
في تلك اللحظة، رن تليفون آدم، وكان الرقم غريب، فأجاب بسرعة
ألو؟
أنا كمال المرسي جاء الصوت من الجهة التانية، عميق ومليان بالحنان والقلق في نفس الوقت شكراً يا آدم، حسن أخبرني بكل حاجة. أريدك أن تأتي بها للمكان الآمن، أريد أن أرى ابنتي بعد عشرين سنة.
وصلوا للفيلا الكبيرة اللي كانت وسط حديقة مليانة أشجار، وبعيد تماماً عن ضوضاء المدينة. كان الباب مفتوح، ورجال يرتدون ملابس رسمية واقفين باحترام في كل جانب. لما دخلت كاميليا، شافت راجل في الستين من عمره، شعره بدأ يتحول للبياض، لكن عينيه كانت نفس لون عينيها العسلي، ووجهه كان يحمل نفس الملامح اللي كانت تشوفها في المرآة كل يوم. لما شافها، توقف مكانه، ودموعه نزلت غصب عنه، ومد يده ببطء وكأنه خايف إنها تختفي لو لمسها.
كاميليا... همس بصوت متقطع أنا آسف، آسف جداً إني خليتك تعيشي كل السنين دي لوحدك، آسف إني ما كنتش جنبك في كل لحظة من حياتك.
كاميليا كانت مش عارفة تتصرف، قربت منه شوية، وبعدين مسكت يده، ولما شافت الخاتم اللي في إصبعه اللي كان نفس الخاتم اللي كانت مامتها بتحطه في صندوق الذكريات بتاعها، اتأكدت إن ده أبوها حقاً. سقطت في حضنه، وبدأت تبكي بكل ما تملك من قوة، وبقى هو كذلك يحتضنها كأنه بيسترجع كل السنين اللي فاتت.
بعد ساعات، لما هدأت الأمور، اجتمعوا كلهم في غرفة المعيشة، وحكى كمال كل الحكاية من أولها لآخرها كيف قابل مامتها في المستشفى لما تعرض لمحاولة اغتيال، وكيف كانت هي الوحيدة اللي رفضت تتركه ومساعدته رغم الخطر، وكيف وقع في حبها، وكيف اضطر يخفيها ويخفيها علشان يحميهما من أعدائه، وكيف مامتك رفضت تروح تعيش معاه في مكانه خوفاً إنها تكون عبء عليه، وطلبت منه ما يقرب منها لحد ما تخلص دراستها، لحد ما جاء اليوم اللي توفت فيه وهو بعيد عنها.
كنت كل شهر أروح أشوفك من بعيد، وأشوفك وأنتِ رايحة المدرسة، وأنتِ بتذاكرين في الشرفة، وأنتِ بتضحكين مع صديقاتك قال كمال وهو يمسح دموعه كنت أريد أدخل وأقولك كل حاجة، لكن كنت خايف، خايف إنك تكرهيني، وخايف إن الخطر يوصل لك.
أنا مش أكرهك يا بابا قالت كاميليا بابتسامة مليانة دموع أنا بس كنت محتاجة أعرف ليه، والآن فهمت كل حاجة.
بعدين التفت كمال لآدم اللي كان قاعد في الزاوية وكتفه معقول بالشاش، وقال بجدية
أنت خاطرت بنفسك علشان ابنتي، وعرفت إنك رفضت تنفذ أمر عمك حتى لو كان معناه إنك تتعرض للخطر هو كمان. ده مش مجرد شجاعة، ده شرف ونخوة قل ما تجدهم في الناس هذه الأيام. أنا مدين لك بحياة ابنتي، ومدين لك بحياتي كمان.
أنا ما عملتش غير الصواب يا سيدي رد آدم باحترام والحرب بين العيلتين لازم تنتهي، كتير من الناس ماتوا بلا سبب، وما ينفعش نكملها تاني.
اتفق الاثنان على وقف العداء، وبدأوا يجمعوا الأدلة ضد فؤاد منصور واللي كانوا معاه، وكيف كان بيعمل صفقات غير قانونية وبيستخدم العنف والقتل لتحقيق أهدافه. في الأيام التالية، ساعد آدم كاميليا تتأقلم مع الحياة الجديدة، ومع إنها كانت خايفة من المسؤولية الكبيرة اللي بقت تقع على عاتقها، لكنها كانت سعيدة جداً إنها أخيراً وجدت أبوها، ووجدت عائلتها الحقيقية.
لم يمر شهر إلا والشرطة ألقت القبض على فؤاد منصور وكل من كان معاه، واتحكم عليهم بالسجن لمدة طويلة، وبدأت العدالة تأخذ مجراها. قررت كاميليا تكمل دراستها، وقررت
تفتح مستشفى خيري لعلاج الفقراء، وطلبت من أبوها وآدم يساعدوها في تحقيق الحلم ده، وكلاهما وافق بكل سرور.
وفي يوم من الأيام، وهما ماشيين جنب النيل زي ما كانوا بيفعلوا من قبل، قالت كاميليا لآدم
أتذكر لما قلتلي إنك غريب ومش غريب وحش؟
ابتسم آدم وقال
أتذكر تماماً.
أنت مش غريب أبداً يا آدم قالت وهي تمسك يده أنت صديقي، وإن شاء الله تكون دائماً جنبي، مهما حصل.
وكان السكينة تغمر المكان، والشمس بتشرق ببطء على القاهرة، وتبشر ببداية حياة جديدة، خالية من الحروب والخوف والخداع، حياة مليانة بالأمل والعدالة والمحبة، حياة استحقها كل منهم بعد ما دفعوا التمن غالي.
كانت السرية اللي جمعتهم في البداية هي السبب في تقاربهم، والخطر اللي واجهوه مع بعض هو اللي أثبت إن الصدق والشرف دائماً ينتصران، وإن مهما طال الزمن، الحق لابد يظهر، والظلم لابد ينتهي، والقلوب الطيبة لابد تجد طريقها للسلام والأمان.
انتهت القصة