احنا بقالنا يومين ماكلناش لقمه

لمحة نيوز

أكتر وقالت ليه يا سيد كريم؟ ليه تعمل كل ده مع ناس ما تعرفهم؟ كتير ناس شافونا في الشارع ومشوا كأنهم ما شافوش حاجة، وحتى الأقارب لما عرفوا بموت جوزي قطعوا علاقتهم بينا.
كريم ابتسم بمرارة وقال لأني كنت مكانكم زمان، وعرفت معنى إنك تكون وحيد في الدنيا، ومحدش يمد لك إيده. والدنيا لو مش وقف بعضنا مع بعض، هتبقى صعبة أوي يا سيدة منى.

الفصل الثالث الماضي اللي رجع
بعد ما تحسنت حالة منى، قرر كريم إنهم يروحوا معاه للفيلا لحد ما يلاقي لهم شقة مناسبة قريبة، مش عاوزهم يروحوا لملجأ أو مكان تاني. أول ما رجعوا للفيلا، البنات بدأت تستكشف المكان، بس كانت متأدبة أوي، مش بتلمس حاجة إلا لما يسألوه، وكل شوية يقولوا شكرًا ولو سمحت. منى كانت بتحاول تساعد في البيت، تنظف وتطبخ، وكريم كان بيمنعها في الأول، بس هي قالت له ده مش بيتك بس يا سيد كريم، ده بيتنا لحد ما نخرج منه، وأنا مش عاوزة أكون عبء عليك.
بعد أسبوع، جاله المحامي بتاعه، الأستاذ سامي، وقال له يا سيد كريم، أنا بحثت عن كل حاجة عن السيدة منى السيد، ووجدت إن في حاجة غريبة، الشقة اللي كانت ساكنة فيها، كانت ملك لعمها، وبيقول إنها باعتها قبل ما تموت، والفلوس كانت مخصصة لمنى والبنات، بس الفلوس اختفت، وكل الورق اللي يثبت ملكيتها للشقة مش موجود.
كريم تعجب وقال إزاي؟ ومن اللي قدر ياخد الفلوس؟
قال المحامي صاحب الشقة اللي طردها، اسمه رضا عبد الجواد، هو نفس الشخص اللي كان وكيل عمها في أمواله، وهناك شهود قالوا إنهم شافوه وهو بياخد الورق من بيت عمها بعد وفاته، وبيع الشقة تم بيع بثمن قليل أوي، والفرق كبير بين سعرها الحقيقي وسعر البيع، وكل العقود مختومة بتوقيع عمها، بس التوقيع مش متطابق، ودي حالة تزوير واضحة.
غضب كريم أوي، وقلق منى لما عرفت الخبر، وقالت كنت عارفة إن فيه حاجة غلط، بس مكنش معايا فلوس عشان أجيب محامي، وكنت وحيدة ومحدش صدقني، رضا قال لي إن عمها وصاه إنه يصرف الفلوس على مصاريف الدفن، وإن الباقي مش كفاية إيجار، فصدقت كلامه.
قرر كريم إنهم يرفعوا قضية، وجمع كل الأدلة الممكنة، وشهود، وطلب من المحامي يعمل فحص للتوقيع في العقود. لكن رضا ما كانش سهل، كان عنده معارف كتير، وحاول يضغط على كريم، مرة اتصل به وقال له أنت مالك ومال القضية دي؟ خليك في حالك، وإلا هتندم.
كريم رد عليه بثبات أنا مش خايف منك، والحق هيرجع لصاحبه، وكل من أكل مال بالباطل هيرده عاجلاً ولا آجلاً.
بدأت الإجراءات، وكل ما كريم كان بيجد دليل، كان بيختفي أو الشهود بيتراجعوا، لحد ما وصل لدليل مهم جداً، كانت منى محتفظة بصورة قديمة لعمها، ومكتوب عليها توقيعه في الجهة الخلف، وطلب من المحامي يقدمه للخبراء، وطلع بالفعل إن التوقيع في العقود مزور تماماً.
في نفس الوقت، لاحظ كريم إن البنات كانوا بيلعبوا في الحديقة، ولقوا تحت شجرة قديمة صندوق خشبي صغير مغلق، فجابوه لمنى، ولما فتحوه لقوا فيه ورق مهم، رسائل من عمها لمنى، وورق يثبت إن الشقة كلها ملك لها، وإن رضا كان مجرد وكيل مش ملك، وكل الكلام اللي قاله كذب. اتضح إن عمها كان خايف من رضا، فخبأ الصندوق ده عند جارهم القديم، والجار مات بعدين، ونسى يقول لحد عنه، لحد ما البنات لقوه بالصدفة العجيبة.

الفصل الرابع الحق اللي رجع
بعد ما جمعوا كل الأدلة، صدر الحكم النهائي من المحكمة، بإدانة رضا عبد الجواد بتزوير المستندات، واسترداد الشقة لمنى، ودفع تعويض عن الأضرار اللي لقيتها هي والبنات. لما سمعت الحكم، منى بكيت من الفرحة، والبنات كانوا بيقفزوا من الفرحة، وحضنوا كريم جامد، وقالت جنى هنرجع بيتنا يا بابا كريم؟
كلمة بابا دخلت قلب كريم كالسكينة، وسكت شوية مش عارف يقول إيه، لحد ما قال بهدوء ده بيتكم الأول يا حبيبتي، وإن شاء الله تكونوا فيه سعيدين، وأنا هفضل معاكم دايماً.
جهزوا الشقة، رمموها، واشتروا أثاث جديد، واشترى كريم ملابس ومدرسة للبنات، وسجلهن في مدرسة قريبة من الشقة. أول يوم مدرسة، البنات كانت خايفة، فذهب معاهم كريم، وقعد معاهم شوية لحد ما اتعودوا، وكل ما كانوا بيحسوا بالخوف كانوا بيتذكروا كلامه الشجاعة مش إنك ما تخافش، الشجاعة إنك تمشي قدام حتى لو كنت خايف.
بعد فترة، بدأت منى تشتغل في حضانة قريبة، كانت تحب الأطفال أوي، والمديرة عجبت بها جداً لما شافت صبرها وحنانها، وقررت تعينها معلمة، ومرتبها كان كويس ويساعدها في حياتها. حاولت منى تسدد لكريم الفلوس اللي صرفها، بس هو رفض وقال لها الفلوس دي مش مهمة، المهم إنكم رجعتوا لمكانكم، وإنكم سعيدين.
كان كريم كل جمعة يروح يزورهم، ياكل معاهم، ويلعب مع البنات، وبدأت الفيلا الكبيرة تفضل أقل صمتاً، كان بيحس إن الروح اللي كانت مفقودة رجعت له، وإن الندم اللي كان حاسسه طول عمره على قراراته الصعبة، بدأ يزول. ذات يوم، كان قاعد معاهم في الشرفة، والبنات كانوا بيحكوا له عن دروسهم، قالت ليلى فجأة ليه ما تعيشش معانا يا سيد كريم؟ بيتنا كبير وكفاية لينا كلنا،
وهنسعد بيك أوي.
منى بصت لليلى وقالت لها يا بنتي سيد كريم عنده فيلا كبيرة خاصة به، ومش ممكن يسيبها ويجي يسكن هنا.
لكن كريم فكر في كلامها، وفكر في السنين اللي عاشها وحيد، وفكر في الحنان اللي كان بيحسه لما يكون معاهم، وبعد فترة طويلة من التفكير، قرر يبيع الفيلا، ويشتري شقة كبيرة في نفس المبنى اللي ساكنين فيه، أو يكمل معاهم في الشقة دي، لأن الحياة مش في الأماكن الفخمة، الحياة في الناس اللي بيحبوك وبيكونوا معاك في كل الأوقات.

الفصل الخامس السعادة اللي اتأخرت
عدت سنتين، والدنيا تغيرت كتير، منى كانت من أفضل المعلمات في الحضانة، والبنات كانوا من المتفوقين في المدرسة، وكل المعلمين بيحبوا أدبهم وذكائهم. كريم قرر يغير طبيعة شغله، بدل ما يبني مباني بس، بدأ يخصص جزء كبير من أرباح شركته لبناء مدارس ومستشفيات في المناطق الشعبية، ويساعد الأسر الفقيرة، وكل ما كان بيقابل ناس محتاجة، كان يتذكر ليلة الشتاء القاسية، والجملة البسيطة اللي قالتها جنى إحنا بقالنا يومين ماكلناش أي حاجة.
في ذكرى اليوم اللي لقاهم فيه، جهزوا عيدية صغيرة، وجابوا كعك وحلويات، وقعدوا كلهم حول السفرة، قالت جنى لو كنت مش مشيت في ذلك اليوم، ما كنا عرفناك أبداً، وما كنا رجعنا لبيتنا.
كريم ابتسم وقال وأنا كمان لو كنت مش وقفت، كنت فضلت طول عمري وحيد، ومش عرفت معنى السعادة الحقيقية، إن الله بيبعت لنا الناس المناسبين في الوقت المناسب، بس لازم نكون مستعدين نمد لهم إيدنا.
كان فيه ناس كتير تعجب من القرارات اللي خدها، من بيع الفيلا، وتغيير نشاط الشركة، والعلاقة اللي تربطه بمنى والبنات، لكنه ما كانش يهتم لكلامهم، لأنه هو اللي حاسس بالراحة والسلام النفسي اللي ما حاسسه طول عمره. ما كانتش بينه وبين منى علاقة زواج، كانت علاقة أخوة وصداقة واحترام، وكل واحد منهم كان بيعتبر التاني نعمة من الله، والبنات كانوا بيحبوه كأب، وهو كان بيحبهم كبنات، وملأوا الفراغ اللي كان في قلبه.
ذات يوم، كان كريم بيتكلم مع صديقه القديم الأستاذ سامي، قال له سامي كنت أتخيل إنك طول عمرك هتفضل تعيش وحدك، ومش هتعرف طعم السعادة، الحمد لله إنك لقيتها.
كريم رد عليه بابتسامة مليانة سلام كنت أتخيل إن السعادة في الفلوس والمناصب، لكن اكتشفت إن السعادة الحقيقية في إنك تكون سبب فرحة لغيرك، وفي إنك تملك ناس بيحبوك بصدق من غير أي مصلحة، وإن الحياة مش كلها شغل ونجاح، الحياة فيها حب وتضحية ووقوف مع بعض.
وكانت ليلة شتاء تانية، المطر نزل بغزارة زي ما نزل في الليلة الأولى، والهوا بارد، لكن داخل الشقة كان الدفا مليان، والضحك مالي المكان، والبنات كانوا بيلعبوا، ومنى كانت بتجهز العشاء، وكريم كان قاعد بيشوفهم ويشكر الله في سره، عشان القرار الصغير اللي خده، اللي غير حياته وحياة ناس تانية، وعرف إن أجمل الأشياء في الدنيا بتجي في اللحظات اللي ما نتوقعها، وإن أصدق الكلام وأبسطه هو اللي بيغير مسار الحياة كلها.
تمت القصة بحمد الله

تم نسخ الرابط