احنا بقالنا يومين ماكلناش لقمه

لمحة نيوز

يحس بيها. قرب منها وقال بصوت هادي خذي يا جنى، اشربي ده بالعسل، هيدفّيكِ ويدفي أختك، وبعدين نأكل شوية بسكويت لحد ما تجي الإسعاف وتطمنا على مامتكم.
مد لها الكوباية، ويده كانت ثابتة، عكس ما كانت هي متوقعة من الكبار اللي شافتهم قبل كده معظمهم كان بيدفعهم أو بيتكلم معاهم بصوت عالي. هي شافت إيده الكبيرة اللي عليها علامات شغل كتير، مش ناعمة زي ما كانت بتتخيل الأغنياء، وبصت لوشه لقته بيبص لها بقلق مش بشفقة زي الناس التانية. شربت شوية، وبعدين سقت لأختها، وبعدين خدوا كل واحد كوباية، والدفء بدأ يسري في أجسادهم شوية شوية.
ليلى كانت أول ما شربت قالت بصوت خافت طعمه حلو أوي... ومدت إيدها تاني عشان تشرب أكتر، لكن كريم منعها بلطف شوية شوية يا حبيبتي، معدتكم مش متعودة، لو شربتِ كتير دفعة واحدة هتتعبك.
وفجأة رن تليفونه، كان المستشفى بيقول له إن الإسعاف وصلت للباب، فطلع يفتح لهم، ورجع مع الدكاترة والممرضين اللي فحصوا منى بسرعة. واحد من الدكاترة رفع راسه وقال له الحمد لله إنك لقيتها بدري، كانت واصلة لمرحلة خطرة من انخفاض حرارة الجسم، وسوء تغذية شديد، بس هناخدها المستشفى نعالجها ونتابع حالتها، والبنات محتاجين كمان فحص عشان نطمن عليهم.
كريم هز راسه أنا جاي معاكم.
ركب معاهم في عربة الإسعاف، والطفلتين كانوا بين إيديه طول الطريق، ما ناموا ولا لحظة، كل شوية يسألوا عن مامتهم. لما وصلوا المستشفى، دخلوا منى غرفة العناية، والبنات خدوا فحوصات، والدكتورة قالت له إنهم عندهم ضعف عام ونقص في السكر والحديد، بس حالتهم مستقرة، ومحتاجين يرتاحوا وياكلوا أكل صحي لفترة.
جلست الدكتورة معاه في الممر وقالت مش عارفة إيه صلة القرابة بينك وبينهم يا سيد كريم؟ عشان نكمل الإجراءات.
كريم سكت شوية، مش عارف يقول إيه، وقال بصراحة أنا مش أعرفهم أصلاً، لقيتهم قدام فيلتي في الشارع، بس مش هسيبهم كده.
الدكتورة ابتسمت باحترام وقالت كلامك طيب، بس المشكلة إن الحالة دي محتاجة ولي أمر، والطفلتين ما يعرفوش غير اسم أمهم، وما عندهم أي ورق يثبت بياناتهم، ولا يعرفوا مكان أهل تانيين، ولا حتى لقينا معاهم بطاقة هوية للسيدة منى.
هنا كريم حس بثقل في قلبه، لحد ما هو طول عمره مش بيتدخل في حاجات مش بتاعته، بس إزاي يسيب طفلتين في السن ده، وأمهم تعبانة ومش عارفين حاجة عن الدنيا؟ قال للدكتورة أنا هكفل كل تكاليف العلاج، وهكلم المحامي بتاعي عشان نعرف إيه الإجراءات القانونية، وهفضل متابع الحالة لحد ما نعرف كل حاجة.

الفصل الثاني حكاية من وراء الصمت
عدت ثلاث أيام، ومنى لسه فاقدة الوعي، والبنات كانوا بيجوا يزوروها كل يوم، وبعدين كانوا بيقعدوا مع كريم في غرفة الانتظار. كان بيجيب لهم أكل، ويشتري لهم ملابس جديدة نظيفة، وجاب لهم دببة لعبة تانية زي القديمة اللي كانت مع ليلى، وبدأت جنى تتكلم معاه شوية شوية، وليلى كانت بتخجل بس بتمسك إيده كل ما ييجي يروح.
في اليوم الرابع، دخل عليهم الممرض وقال إن منى فتحت عينينها، فجرى كريم والبنات للغرفة. أول ما شافت البنات، عيونها دمعت، وحاولت ترفع إيدها، فجرت ليلى وجنى وحضنوها، وهي كانت بتعانقهم بكل قوتها اللي باقية لها، وتبكي بصمت لحد ما صوتها رجع شوية وقالت ظننت إنكم رحلتوا مني...
بعد ما هدأوا، طلب كريم من البنات يخرجوا شوية مع الممرضة عشان تشربهم عصير، وقعد جنب السرير وقال لمنى أنا كريم الرفاعي، اللي لقيتكم قدام فيلتي، الحمد لله على سلامتك، إيه اللي جابكم للوضع ده؟ وين الأهل؟ وين بيتكم؟
منى سكتت فترة، وبصت للشباك وقالت بصوت مكسور كان عندنا بيت صغير في حي السيدة زينب، جوزي كان شغال بناء، ومات في حادث شغل من سنة ونص، ما خدش تعويض ولا حاجة، الشركة رمته وقالت ده غلط منه. كان عندنا مبلغ بسيط دفعته إيجار الشقة، ولما خلص، صاحب الشقة طردنا، قلت له مهلني شوية لحد ما ألاقي شغل، بس رفض وقال مش ذنبي ظروفك.
سكتت تانية، ومسحت دموعها وقالت كنت شغاللة تنظيف بيوت، بس لما جالي الدوار وكشفت عند الدكتور قال عندي فقر دم حاد ومش قادرة أجهد نفسي، فما حدش قبلني شغل بعد كده. كنت أروح مع البنات للملاجئ، بس كانت ممتلئة، ومرة طردونا وقالوا لنا مفيش مكان، وفضلت نمشي من شارع لشارع، وننام في محطات المواصلات، ولما جاء المطر الأخير ما لقيتش مكان نروح له، فقعدت جنب السور ده، وقلبي وقع مني وما عرفتش أقوم تاني...
كريم سمعها وقلبي بيوجعه، وكل كلمة بتقولها كانت بتذكره بسنوات شبابه، لما كان هو وأمه بيجروا من مكان لمكان، ويناموا في أركان المحطات، قبل ما يحالفه الحظ ويكمل دراسته وينجح. كان طول عمره بيخبي الحكاية دي عن الكل، حتى عن مراته السابقة، كان بيحس إنها عار عليه، لكن دلوقتي حس إنها مش عار، إن دي حقيقة كتير من الناس بتعيشها ومش عارفين يخرجوا منها.
قال لها لا تقلقي من أي حاجة، أنا هكفل علاجك كله، وهلاقي لكم مكان تقعدوا فيه لحد ما تتحسن حالتك، وساعدك تلاقي شغل يناسبك، والبنات هنرجعهم للمدرسة قريب إن شاء الله.
منى بصت له بدهشة، ودموعها نزلت
تم نسخ الرابط