احنا بقالنا يومين ماكلناش لقمه
إحنا بقالنا يومين ماكلناش لقمة... الجملة اللي قالتها طفلتين غلابة خلت رجل أعمال ملياردير ينهار من العياط
كان كريم الرفاعي تقريبًا هيكمل طريقه ويمشي.
وده كان أكتر قرار فضل طول عمره ندمان عليه.
طفلتين صغيرين كانوا لازقين في سور فيلته، وأمهم مرمية وراهم على الرصيف وسط البرد القارس، ولثانية واحدة بس، عقله دور على أي حجة تخليه يمشي بدل ما يقف يساعدهم.
كانت ليلة شتا قاسية جدًا في القاهرة. المطر والبرد ماليين الشوارع، والهوا بيقطع في العضم. من جوه الفيلات الدافية، الجو كان باين هادي وجميل، لكن في الشارع كان قاسي بشكل يخوف.
كريم كان راجع من اجتماع شغل اتأخر فيه. عنده واحد وأربعين سنة، وصاحب واحدة من أكبر شركات التطوير العقاري في البلد. بنى كومباوندات، ورمم عمارات قديمة، وغير شكل مناطق كاملة بقرارات كان بياخدها وهو قاعد على ترابيزة اجتماعات فخمة.
الناس كلها كانت بتقول عليه راجل ناجح وليه كلمة.
أما مراته السابقة، فكانت بتقول عليه إنه بقى إنسان قلبه مات.
كان ساكن في فيلا كبيرة اشتراها بعد الطلاق، مليانة أثاث غالي، وتحف، وإضاءة هادية... لكن مفيهاش روح.
كانت دايمًا تقول له
دي مش فيلا... دي قلعة مليانة صمت.
وهو كان مقنع نفسه إن الصمت راحة.
لحد ما لمح حركة بسيطة جنب بوابة الفيلا.
وقف مكانه.
في الأول افتكرهم شكاير أو كراتين مرمية.
لكن لما ركز، شاف بنتين توأم، شكلهم مايزدش عن خمس سنين، مستخبيين في بعض من البرد. هدومهم خفيفة ومغطية بطبقة مطر وتراب، واحدة ماسكة دب لعبة قديم، والتانية واقفة قدام أختها كأنها بتحاول تحميها... بعينين مليانين خوف وشجاعة أكبر من سنها بكتير.
وراهم مباشرة، كانت أمهم قاعدة على الأرض وسندة ضهرها على السور.
راسها ميلة لقدام.
شعرها متبهدل ومبلول.
والبلوفر اللي لابساه خفيف جدًا على الجو.
من بعيد كان شكلها كأنها نايمة.
لكن لأ...
كان واضح إن في حاجة غلط.
غلط جدًا.
سواق كريم كان مستنيه بالعربية، الموتور شغال، والتكييف دافي، وكل حاجة جاهزة يرجع بيها لحياته المريحة اللي عمره ما كان فيها مكان للفوضى.
وأول فكرة جت في دماغه...
ما كانتش إنه يساعدهم.
قال لنفسه
أتصل بالإسعاف... أو بالشرطة... هما يتصرفوا.
أكيد فيه جمعيات.
وفيه ملاجئ.
وفيه ناس شغلها تساعد الحالات دي.
هو مش دكتور.
ولا أخصائي اجتماعي.
ولا يعرفهم أصلًا.
وفجأة...
البنت اللي كانت واقفة قدام أختها رفعت وشها وبصت له.
وقالت بصوت واطي بالكاد كان بيتسمع وسط الهوا
يا أستاذ...
وقف مكانه.
كانت الرموش بتاعتها مليانة نقط مطر.
بلعت ريقها وقالت
إحنا بقالنا يومين ماكلناش أي حاجة.
الجملة نزلت عليه أقوى من أي صريخ.
مافيهاش استعطاف.
ولا تمثيل.
ولا مبالغة.
مجرد حقيقة... طفلة عندها خمس سنين اتعلمت بدري جدًا إنها تقول وجعها ببساطة، يمكن الكبار يقرروا يهتموا.
قرب منهم وقعد على ركبته.
ولما شافهم من قريب...
اتصدم أكتر.
شفايفهم مزرقة.
صوابعهم حمرا من السقعة.
وشوشهم دبلانة.
والبنت الصغيرة كانت سنانها بتخبط في بعض من البرد لدرجة إن الدبدوب اللي في إيدها كان بيتهز.
سألهم بهدوء
بقالكم قد إيه قاعدين هنا؟
ردت البنت
من أول ما الليل دخل.
ابتسم ابتسامة حزينة وقال
اسمك إيه؟
قالت
أنا جنى... ودي أختي ليلى... وإحنا عندنا خمس سنين.
بص للأم اللي وراهم وسأل
ومامتكم؟
ردت جنى
اسمها منى السيد... تعبت وهي بتحاول تلاقي مكان ننام فيه، وكل الأماكن كانت مليانة... وبعد شوية ماعرفتش حتى تقف على رجليها.
مد كريم إيده يتحسس نبضها.
إيديها كانت ساقعة كأنها تلج.
وقلبه وقع.
دي ما بقتش مجرد ظروف صعبة...
دي بقت حياة أو موت.
طلع موبايله بسرعة واتصل بالإسعاف.
وقال بثبات وهو عينه عليها
في سيدة فاقدة الوعي من شدة البرد... ومعاها طفلتين صغيرين... ابعتوا إسعاف بسرعة.
أول ما قفل المكالمة...
ليلى شدت هدوم أختها بخفة وقالت وهي بترتعش
يا جنى... أنا سقعانة أوي.
كريم وقف وقال
بيتي هنا... تعالوا معايا لحد ما الإسعاف توصل. لازم تدفوا.
جنى بصت له بعدم تصديق.
وقالت
بجد؟
ابتسم وقال
أيوه... بس يلا بسرعة.
فتح بوابة الفيلا.
وشال الأم بين إيديه.
كانت خفيفة بشكل يخوف.
جنى مسكت إيد ليلى.
ودخلوا وراه.
وأول ما ليلى دخلت وشافت المكان الدافي حواليها...
همست بصوت ضعيف
هنا... دافي.
وساعتها كريم فهم من نبرة صوتها إنها مش مستوعبة إن الدفا ممكن يفضل موجود... كأنها متعودة إنه يختفي في أي لحظة.
أول ما دخلوا الصالة الكبيرة، الهوا الدافي لفهم كلهم، وريحة الخشب العطر والدفء اللي طالع من المدفأة الكبيرة في النص كان غريب عليهم لدرجة إن الطفلتين وقفوا مكانهم مش عارفين يخطوا خطوة تانية. كريم حط السيدة منى بحرص على الأريكة الواسعة اللي قريبة من المدفأة، ورجع لهم بسرعة، شال ليلى اللي كانت أضعف، وحطها جنب أمها، وبعدين ساعد جنى تطلع هي كمان.
قال لهم وهو بيخلع الجاكيت الثقيل ويلقيه فوقهم استنوا هنا مش تمشوش مكان، هروح أجيب لكم حاجات دافية وأتأكد من الحاجات الضرورية، تمام؟
جنى هزت راسها ببطء، وعينها ما فارقت وش أمها اللي كانت لسه مغمضة العينين وشكلها ما بتحس بحاجة. ليلى كانت بتقرب من الجاكيت وتشم ريحته، كأنها مش مصدقة إن حاجة بهالدفء ممكن تكون موجودة. كريم ركض لغرفة الغسيل، جاب بطانيات سميكة ونظيفة، ورجع بيها، لفهم فيها كويس لحد ما خلا وجوههم بس اللي ظاهرة، وبعدين راح للمطبخ الكبير اللي كان نظيف ومقفول من زمان، شغل الغلاية، وفكر إيه اللي ممكن يقدمه لهم. مش عاوز حاجة تقيلة على معدتهم اللي فارغة من يومين، فسخن لهم لبن دافي بالعسل، وجاب كوبايات صغيرة، وبعدين جاب كيس بسكويت سادة خفيف.
لما رجع بيهم، شاف جنى بتحاول تفرك إيد أمها عشان تدفّيها، ودموعها بتسيل بصمت مش عاوزة تحدش