امبارح الضهر دفنا الست فاطمه جارتنا
وقالها إن الولد لسه عايش، وكل ما تطلع السطح تكلمنه، وإنها لو حاولت تفتح الخزان أو تقول لحد، هنقطع له رقبته.
قلبى وقع في رجلي، فكملت العمة فاطمة كانت قالتلي في السر أول أسبوع، وقالتلي إنها شافت الولد وهو بيحطوه جوه الخزان، بس كان معاه راجل تاني مكنتش تعرفه، وهددها بالقتل لو صرخت.. فسكتت، وسكتت أربع سنين كاملة، كانت بتموت كل يوم وهي بتشوف ابنها ولا تقدر تمد له إيد.. وكانت بتقوللي إنها حاسة إنها مش هتعيش كتير، وإنها لو ماتت، هتلاقي طريقة تخلصه.
كنت مش قادر أتكلم، فكرت في كل الأيام اللي كانت فاطمة تمشي فيها جنب الحيط، في كل المرات اللي كنت أشوفها واقفة قدام الخزان، وكنت أظنها مجروحة ومكسورة، وما عرفتش إنها كانت تعذب عذاب ما يتحمله بشر.
وعايزة أسألك كمان يا ستي.. مين كان أبو أحمد؟ وينه من كل ده؟.
هزت راسها بمرارة أبو أحمد كان ابن عمها، سافر لما الولد كان عنده سنتين، وسابها.. ورجع قبل أربع سنين بيومين بالظبط من يوم ما اختفى أحمد.. وبعدها مكنش لسه له أثر، ولا حد شافه.
الكلام ده فتح لي باب شك كبير، أبو أحمد رجع واختفي في نفس الوقت اللي اختفى فيه الولد؟ وينه دلوقتي؟ وهل هو اللي حبس ابنه جوه الخزان؟
قمت من عند العمة، ورحت مباشرة لمدخل العمارة، وبحثت تحت الحجر الكبير اللي فاطمة كانت بتقعد عليه زمان تبيع الأيس كريم.. ولقيت هناك صندوق صغير من الحديد، مخبي تحت الطين. رفعته وفتحته، ولقيت جواه أوراق قديمة، صور، ومذكرة مكتوبة بخط فاطمة اللي كان مهتز ومش واضح من كتر الدموع اللي وقعت عليها.
قرأت المذكرة، وبدأت أفهم كل حاجة من أولها لآخرها
إلى جاري اللي كان بيسمعني وأنا ببكي من ورا الباب، وإلى أي حد يقرأ الكلام ده بعدي..
رجع زوجي محمد من السفر، وكان عايز ياخد أحمد عشان يبيعه لفرقة بتشتري الأطفال، كان مديون بفلوس كتير، وما لقش حل غير كده.. رفضت، وتخاصمنا كتير، وهددني لو منعته يقتلني وياخده غصب.. في الليلة الماطرة دي، لقيتو جاي مع راجل تاني غريب، حاولت أمنعه، ضربوني وخلوني أغمى عليا.. ولما صحيت، لقيت أحمد اختفى، وسمعت صوته خافت من فوق السطح.. طلعت جري ولقيتهم بيحطوه جوه الخزان القديم، وقالولي إنهم سابوله أكل ومية تكفيه فترة، وإنهم هيرجعوا ياخدوه بعد ما أخلصو صفقة البيع.. وهددوني إنهم لو شافوني مع حد هناك أو حاولت أفتح الخزان، هيرموا الولد جوه المية ويغرقوه..
كنت عايزة أصرخ، كنت عايزة أقول للكل، بس خوفي على أحمد كان أكبر من أي حاجة.. كنت كل ليلة أطلع أسلم عليه، وأكلمه من برا، وأقوله اصبر شوية، ماما هتخلصك.. كان بيكلمني وبيقولي ماما أنا خايفة، المية بتجيني شوية شوية.. كنت بموت كل ما أسمع كلامه، بس مكنش في إيدي حيلة..
عرفت إن محمد والراجل التاني راحوا وسافروا برا البلاد، وإنهم رجعوا كتير المرات بالليل، بس كانوا بيتأكدوا إن الخزان مقفول ومحدش عارف بالحكاية.. وآخر مرة جوا كانوا قبل أسبوع، وقالوا إنهم جايين ياخدوه قريب، وإنهم هيسيبوه جوه لغاية ما يخلصوا كل حاجة..
عرفت إن نفسي قربت تخلص، والمرض مخلاني مش قادر أتحرك.. فخبيت كل الأوراق دي هنا، وكلها تثبت إن محمد هو اللي عمل كده، وعنوان اللي كان بيتعامل معاه.. ولما أموت، حاسة إن قلبي مش هيرتاح غير لما أخلص ولدي.. فاللي يقرأ الكلام ده، أرجوك.. افتح الخزان، وطلع أحمد من هناك.. واقبض على اللي عمل فيه كده..
أرجوك.. هو لسه صغير.. ومستني ماما..
سقطت المذكرة من إيدي، وبكيت بصوت عالي، كنت حاسس بذنب رهيب، ذنب إننا كلنا كنا نعيش جنبهم ونعذب، ولا سمعنا ولا شفنا ولا شعرنا بشيء.. ذنب إننا كنا نرجع بيوتنا وننام، والولد الصغير مسجون جوه صندوق حديد فوق السطح، ومامته بتعذب يوم بعد يوم ولا تقدر تقول لحد.
رجعت لفوق، وجمعت ثلاثة من الجيران اللي أثق فيهم، وقلتلهم كل الحكاية، ووريتلهم الأوراق والمذكرة.. في الأول ما صدقوا، بس لما وصلنا للسطح، وسمعنا الصوت الخافت بيستنجد، وشوفنا الغطاء والريحة اللي طالعة، عرفوا إن كل كلامي حق.
كنا أربعة، ومسكنا الغطاء ورفعناه بكل قوتنا.. ولما شلناه، طلعت ريحة قوية جداً من المية المعفنة، وشوفنا أحمد قاعد في الناحية التانية من الخزان، في مكان مرتفع شوية فوق مستوى المية، متكور على نفسه، وشعره طويل ومتداخل، وملابسه ممزقة ومبلولة، وعينيه غارقة في وجهه من كتر الجوع والخوف.
لما شافنا، حاول يتكلم بس ما طلعش صوت، ومد إيده الصغيرة ناحيتنا بصعوبة. نزلت له بسرعة، ومديت إيدي ومسكت إيده، كانت باردة جداً كالثلج، وقال بصوت خافت جداً ما يكاد يسمع ماما.. قالتلي اصبر.. قالتلي هتيجي...
طلعناه برا، وكان وزنه خفيف جداً، كأنه عظم بلا لحم، وملامحه كانت لسه باقية، بس كبرت شوية، واتغيرت من كتر ما عاشه. الجيران كانوا بيعيطوا، وكل واحد كان بيدعي لفاطمة بالرحمة، وكل واحد كان بيلوم نفسه على ما فات.
نزلناه بسرعة للمستشفى، والأطباء قالوا إنه عايش بمعجزة، إن المية كانت بتجي له شوية شوية، وكان بياكل طحالب وحشرات ومية مطر نازلة من فوق، وإن مناعة جسمه كانت قوية جداً عشان كده قدر يتحمل كل ده.. وإن اللي حبسه كان بيسيبله فتحات صغيرة جداً للهوا عشان يتنفس، ومحدش لاحظها لأنها كانت مخبية في الجانب التاني للخزان.
بعد يومين، أخذنا الأوراق والشهادات للشرطة، واعترف لنا أحمد بكل تفاصيل الحكاية، وكيف كان أبوه وصل الراجل التاني، وكيف حبسوه، وكيف كان بيجي يطمن عليه من وقت للتاني لغاية ما سافروا.. وبعد البحث، عرفنا إنهم اتقبض عليهم في دولة تانية، وإنهم كانوا في طريقهم لبيع مجموعة أطفال تانية، وحكم عليهم بالسجن مدى الحياة.
أحمد عاش مع عمة فاطمة، وبدأ يتعافى شوية شوية، بس لسه كل ما يشوف مكان مرتفع أو صندوق حديد، يرتجف ويخاف.. وكل جمعة، نطلع جميعاً للسطح، ونقف قدام الخزان القديم اللي فاضوه ونظفوه، ونقرأ الفاتحة لروح فاطمة، اللي صبرت أربع سنين، وماتت ومشوارها لسه مخلصش، لغاية ما رجعت من تاني عشان تخلص ابنها.
الخزان ده لسه موجود في مكانه لحد دلوقتي، ومحدش بيستعمله، ولا أحد يقرب منه.. بس كل ليلة، بسمع صوت خافت من هناك، مش خربشة ولا استنجاد.. دي صوت فاطمة وهي بتدندن بالأغاني القديمة اللي كانت بتحبها، وصوت أحمد وهو بيضحك جنبها.. وكأنهم دلوقتي في سلام أخيراً، ولا حاجة تقدر تفرق بينهم تاني.
يا ترى لو كنا سمعنا وشفنا واهتمينا شوية من أول يوم.. كانوا عاشوا في سلام من زمان؟ يا ترى كم من الحكايات الحزينة دي بتعيش جنبنا، واحنا مش حاسين ولا نعرف؟ عشان كده من اليوم ده، قررت إن مش هسمح لأي حاجة غريبة تمر من جنبي ولا أسأل عنها، ومش هقفل وشي وأنا شايف أحد محتاج مساعدة.. عشان الندم مش بيجي بفيد ولا ينفع حد بعد فوات الأوان.
وكل ما أتذكر الحكاية دي، أتذكر الرسالة اللي جاتني
في ليلة مظلمة، من واحدة ماتت وعندها أمل أخير في جارها.. واتأكدت إن الموت مش النهاية، وإن الحب والخوف على الأهل بيخلق معجزات، وإن الحق مهما طال الزمن واتخبي، بيطلع للنور في النهاية.. وإن كل غطاء حديدي، وكل سر مخبي، وكل ظلم بيحط في مكانه.. لابد يوم يتكشف، وينتهي، ويرد الحق لأصحابه.