امبارح الضهر دفنا الست فاطمه جارتنا
المحتويات
زي الجبس أحمد! أحمد!. قلبنا الشقق كلها.. الحمامات.. السطوح.. الدكاكين المقفولة تحت.. صناديق الزبالة.. مفيش! ولا حتى تيشرت، ولا كوتشي، ولا أي أثر يدل عليه.
ثالث يوم الشرطة بطلت تسأل، وسابع يوم الجيران مبقوش يساعدوا، ومع مرور الشهر، الناس كلها بدأت تفتي وتقول إن أبوه خده وسافر بيه. بس فاطمة مكنتش مصدقة الكلام ده واصل. كانت بتطلع السطوح كل يوم بالليل، في نفس الميعاد بالثانية.. شايلة في إيدها جردل فاضي، وتقف قدام خزان المية الأسود الكبيرالخزان القديم اللي محدش بيستعمله عشان ميته طعمها مصدي وزي الحديدوبعدين تنزل من غير ما تنطق بكلمة واحدة. أربع سنين وهي بتعمل نفس الشيء.. تطلع، تبص في الخزان، وتنزل.. لغاية ما ماتت.
دفنا فاطمة امبارح الضهر في مدافن المدينة، وشاركت في شيل نعشها، وكان خفيف.. خفيف لدرجة تخوف، كأن الدنيا كانت بتاكل من جسمها وروحها من قبل ما تموت بكثير. أختها عيطت بحكم الواجب والقرابة، وجارين قرأوا الفاتحة على روحها، والشيخ اتكلم عن الموت ودار البقاء والراحة الأبدية، وكنت واقف أراقب التراب وهو بيترمى عليها ويخبيها عن العين.
عشان كدة، لما موبايلي هز وأنا واقف على السطوح في الليلة دي، ما جاش في بالي طيفها خالص. كنت بنشر لحاف مبلول، وكنت طالع عشان حر الصيف الخانق مكنش مخليني عارف أنام، وأوضتي تحت كانت كاتمة وريحتها كلور ورطوبة واختناق.
الموبايل هز تاني، طلعته من جيب البنطلون، واتسمرت في مكاني وأنا باصص للشاشة فاطمة الشقة ٢. برقت بعيني وأنا مستغرب الاسم والصورة، صورتها الشخصية كانت هي هي علطول؛ حاملة كيس القماش وبتتبسم ابتسامة باهتة من غير ما تبين سنانها.
الموبايل هز للمرة الثالثة، وكانت رسالة صوتية. ريقي نشف تماماً، وفكرت أمسح الرسالة فوراً، أو أرمي الموبايل من فوق السطح، فكرت أقرأ المعوذتين واستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.. بس فتحت التسجيل. في الأول مكنش فيه غير صوت شوشرة وهوا، بعدين ريح خفيفة، وبعدين أنفاس متقطعة وثقيلة كأن حد بيتكلم من تحت لحاف مبلول مية.. وبعدها طلع صوتها يا جاري....
الموبايل كان هيقع من إيدي، ده كان صوت فاطمة بجد، مش شبهه ولا مقلب من حد.. دي هي بعينها لو سمعت خربشة في الخزان... إياك تكشف غطاه. وانقطع الفويس.
وقفت هناك تحت اللمبة الصفرا الميتة، واللحاف بينزل مية على رجلي، وتحت كانت العمارة القديمة غرقانة في النوم والهدوء؛ عيل بيعيط في أوضة بعيدة، كلب بينبح في الشارع.. وبعدين حل سكات قاتل، لغاية ما طلع الصوت ده خربشة. صوت خافت جداً، ظنيته في الأول فار، أو حتة حديد الهوا بيحركها، أو إن عقلي بيتهيأله من كتر الخوف.. بعدين الصوت اتكرر خربشة.. أقرب المرة دي، وأوضح بكتير. الصوت كان جاي من زاوية السطح الورانية.. من خزان المية الأسود.
ماتحركتش شبر واحد، مكنتش قادر.. وبقت ريحة الجو غريبة وتقرف؛ مكنتش ريحة رطوبة وبس، دي كانت ريحة مية معفنة، صدى حديد، مجاري، وشيء تاني مسكر كأنه أكل حمضان.. الريحة اللي تعجز تسميها بس جسمك بيتعرف عليها ويقشعر منها قبل ما عقلك يستوعبها.
الموبايل هز تاني.. رسالة جديدة، مكنتش عايز أفتحها بس صوابعي اتحركت لوحدها ودست على زرار التشغيل. صوت فاطمة المرة دي كان واطي أكتر، وفيه عجلة ونبرة تحذير متطلعش هناك لوحدك.
كنت قلبي بيدق زي ما هو مطلعش من مكانه، وبدأت أعد لنفسي من واحد لعشرة عشان أهدي، بس كل ما أعد، الصوت الخربشة بيزيد وبيصير أوضح، وكأنه مش خدش في الحديد.. كأنه صغير بيضرب بإيده الصغيرة على حاجة زجاجية أو معدنية عشان يطلع!
يا رب استر.. يا رب استر.. كنت بكرر الكلام ده بصوت مسموع، وبدأت رجلي تتحرك من غير إرادة مني، خطوة بخطوة ناحية الخزان. كل ما أقرب شوية، الريحة بتقوى أكتر، والصوت بيصير واضح أكتر، وبدأت أسمع همس خافت جداً كأنه يا ماما.. ماما...
تذكرت فاطمة وهي كل ليلة تطلع تقف هنا، تذكرت عينيها اللي كانت بتمتلئ دموع كل ما بتبص على الخزان، تذكرت كلام الناس اللي كانوا بيقولوا إنها جنت من كتر الحزن، وإنها بتتكلم مع نفسها هناك.. والآن عرفت إنها مكنتش مجنونة، ولا كانت بتتكلم مع نفسها.. كانت بتكلم ابنها اللي ساكن جوه الخزان طول الأربع سنين دي!
وقفت قدام الخزان بالظبط، كان كبير وضخم، مصنوع من حديد أسود متآكل، والغطاء بتاعه كان مثبت بمسامير قديمة ومغبرة، وعليه طبقة من الطين والطحالب الخضراء. الصوت جاي من جوه بالظبط، وكل شوية بيزيد وكأنه حس بوجودي ماما.. أنا هنا.. خدني.
دموعي نزلت لوحدها، ونسيت الخوف خالص، نسيت إنها رسالة من ميتة، نسيت إن ده مستحيل يحدث.. كنت بس فاكر الولد الصغير اللي كان بيجي ياخد مني شوكولاتة وهو ماشي مع مامته، اللي كان بيضحك وريحته برتقال وحلاوة. مديت إيدي عشان أرفع الغطاء، بس الموبايل هز بقوة في إيدي، رسالة صوتية تانية لا.. مش دلوقتي.. تعال بكره الصبح.. خد معاك الحاجة اللي خبيتها تحت الحجر الكبير جنب الباب.. ولا تقلعش الغطاء غير لما يكون معاك ناس تثق فيهم.. عشان اللي حبسه جوه لسه قاعد ينتظر تحت.
سحبت إيدي بسرعة زي ما يكون حد حرقني، وبدأت أرتجف من كل جسمي. اللي حبسه؟ يعني أحمد مكنش ضاع ولا سافر.. حد حبسه جوه الخزان؟ ومين اللي عمل كده؟ وليه فاطمة سكتت أربع سنين؟ وليه بعتتلي الرسايل دلوقتي بعد ما ماتت؟
رجعت لورا خطوات لغاية ما خبطت في الحيط، وقعدت على الأرض، ومسكت الموبايل وبصيت للشاشة.. لقيت الرسايل كلها اختفت! اختفت تماماً، ولا أثر لاسم فاطمة ولا لتسجيلاتها، ولا حتي في سجل المكالمات أو الرسايل المحذوفة. كأنها كانت مجرد وهم، أو حلم.. بس الصوت اللي سمعته، والريحة، والخربشة اللي لسه بتردد في وداني، كل ده كان حقيقي أكتر من أي حاجة عشتها في حياتي.
ظليت قاعد هناك لغاية ما طلع الفجر، ومش قادر أتحرك. كل شوية بص للخزان، وكل شوية أسمع صوت خافت كأنه بيستنجد بي، بس مكنتش أقدر أقرب تاني، كلام فاطمة كان بيرن في دماغي ولا تقلعش الغطاء غير لما يكون معاك ناس تثق فيهم.. عشان اللي حبسه جوه لسه قاعد ينتظر تحت.
لما الشمس بدأت تطلع، سمعت صوت الجيران بيبدؤوا يطلعوا، فقمت ومسحت وجهي، ونزلت من السطح وأنا مش عارف رايح فين. رحت لشقة فاطمة في الشقة رقم ٢، لقيت الباب مفتوح شوية، وعمتها اللي جات من المحافظة عشان تقعد شوية وتشوف أغراضها جوه. دخلت عليها وسلمت، ولقيتها قاعدة تبكي قدام صورة فاطمة وأحمد وهو صغير.
يا ستي.. عايز أسألك عن حاجة.. قلتلها، وهي رفعت راسها وبصتلي بعيون حمراء إيه يا بني؟.
كنت عارفة إن فاطمة كل ليلة كانت تطلع السطح تقف قدام خزان المية القديم؟.
تنهدت بقوة، ومسحت دموعها بكمها كنت عارفة يا بني.. وكنت عارفة كمان إنها كانت خايفة تقول لحد حاجة.. من يوم ما اختفى أحمد، جالها واحد غريب، قالها لو فتحت فمها بكلمة واحدة، هيكون مصير الولد وحش..
متابعة القراءة