امبارح الضهر دفنا الست فاطمه جارتنا
امبارح الضهر دفنا الست فاطمة جارتنا، والنهاردة بعد نص الليل، لقيتها باعتالي رسالة صوتية على الموبايل! كل اللي قالته فيها كان متكشفيش غطا خزان المية... أنا سبت الولد جوه. كان الموضوع مستحيل وعقلي مش قادر يستوعبه، الست فاطمة ميتة مفيش من اتناشر ساعة، وابنها أحمد مختفي من أربع سنين،حرفيا فص ملح وداب.. من غير نقطة دم واحدة، ولا صرخة، ولا حتى فردة جزمة سابها وراه!
في حتتنا وحارتنا القديمة دي، محدش كان بيجرؤ يجيب سيرة فاطمة خالص. مش عشان صعبانة عليهم، ولا عشان النميمة، ولا حتى خوف.. في المنطقة دي بتتعلم بسرعة إن في أسامي كدة مينفعش تنطقها بصوت عالي. يا دوب تهمس بيها همس، أو تدعيلهم في سرك بعد صلاة الفجر.
الست فاطمة كانت ساكنة في شقة رقم ٢. علطول لوحدها، وعلطول بنفس العباية السودا بتاعتها، ورابطة شعرها كدة أي كلام تحت الشال، وفي إيدها كيس قماش كأنها راجعة من السوق، مع إنها مكنتش بتشتري حاجة تقريباً. من ساعة ما أحمد ابنها اللي عنده ست سنين اختفى، مبقتش بتقول صباح الخير زي زمان. قبل الموضوع ده، كانت بتقعد تبيع أيس كريم للأطفال عند مدخل العمارة.. قبل كدة، كانت بتكنس السلم وتمسحه بالمية.. كانت بتتدندن بالأغاني القديمة وهي بتنشر الغسيل. بعد كدة، بقت تمشي جنب الحيط، كأنها بتعتذر للناس إنها لسة عايشة!
الليلة اللي الولد اختفى فيها كانت بتمطر مطر زي الطوب. أنا فاكر اليوم ده كويس، وفاكر الصريخ والعويل اللي صحى المنطقة كلها. فاطمة نزلت تجري على السلم حافية ووشها أبيض زي الجبس أحمد! أحمد!. قلبنا الشقق كلها.. الحمامات.. السطوح.. الدكاكين المقفولة تحت.. صناديق الزبالة.. مفيش! ولا حتى تيشرت، ولا كوتشي، ولا أي أثر يدل عليه.
ثالث يوم الشرطة بطلت تسأل، وسابع يوم الجيران مبقوش يساعدوا، ومع مرور الشهر، الناس كلها بدأت تفتي وتقول إن أبوه خده وسافر بيه. بس فاطمة مكنتش مصدقة الكلام ده واصل. كانت بتطلع السطوح كل يوم بالليل، في نفس الميعاد بالثانية.. شايلة في إيدها جردل فاضي، وتقف قدام خزان المية الأسود الكبيرالخزان القديم اللي محدش بيستعمله عشان ميته طعمها مصدي وزي الحديدوبعدين تنزل من غير ما تنطق بكلمة واحدة. أربع سنين وهي بتعمل نفس الشيء.. تطلع، تبص في الخزان، وتنزل.. لغاية ما ماتت.
دفنا فاطمة امبارح الضهر في مدافن المدينة، وشاركت في شيل نعشها، وكان خفيف.. خفيف لدرجة تخوف، كأن الدنيا كانت بتاكل من جسمها وروحها من قبل ما تموت بكثير. أختها عيطت بحكم الواجب والقرابة، وجارين قرأوا الفاتحة على روحها، والشيخ اتكلم عن الموت ودار البقاء والراحة الأبدية، وكنت واقف أراقب التراب وهو بيترمى عليها ويخبيها عن العين.
عشان كدة، لما موبايلي هز وأنا واقف على السطوح في الليلة دي، م جاش في بالي طيفها خالص. كنت بنشر لحاف مبلول، وكنت طالع عشان حر الصيف الخانق مكنش مخليني عارف أنام، وأوضتي تحت كانت كاتمة وريحتها كلور ورطوبة واختناق.
الموبايل هز تاني، طلعته من جيب البنطلون، واتسمرت في مكاني وأنا باصص للشاشة فاطمة الشقة ٢. برقت بعيني وأنا مستغرب الاسم والصورة، صورتها الشخصية كانت هي هي علطول؛ حاملة كيس القماش وبتتبسم ابتسامة باهتة من غير ما تبين سنانها.
الموبايل هز للمرة الثالثة، وكانت رسالة صوتية. ريقي نشف تماماً، وفكرت أمسح الرسالة فوراً، أو أرمي الموبايل من فوق السطح، فكرت أقرأ المعوذتين واستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.. بس فتحت التسجيل. في الأول مكنش فيه غير صوت شوشرة وهوا، بعدين ريح خفيفة، وبعدين أنفاس متقطعة وثقيلة كأن حد بيتكلم من تحت لحاف مبلول مية.. وبعدها طلع صوتها يا جاري....
الموبايل كان هيقع من إيدي، ده كان صوت فاطمة بجد، مش شبهه ولا مقلب من حد.. دي هي بعينها لو سمعت خربشة في الخزان... إياك تكشف غطاه. وانقطع الفويس.
وقفت هناك تحت اللمبة الصفرا الميتة، واللحاف بينزل مية على رجلي، وتحت كانت العمارة القديمة غرقانة في النوم والهدوء؛ عيل بيعيط في أوضة بعيدة، كلب بينبح في الشارع.. وبعدين حل سكات قاتل، لغاية ما طلع الصوت ده خربشة. صوت خافت جداً، ظنيته في الأول فار، أو حتة حديد الهوا بيحركها، أو إن عقلي بيتهيأله من كتر الخوف.. بعدين الصوت اتكرر خربشة.. أقرب المرة دي، وأوضح بكتير. الصوت كان جاي من زاوية السطح الورانية.. من خزان المية الأسود صابرين_محمد النسخ بدون حذف اسمي
ماتحركتش شبر واحد، مكنتش قادر.. وبقت ريحة الجو غريبة وتقرف؛ مكنتش ريحة رطوبة وبس، دي كانت ريحة مية معفنة، صدى حديد، مجاري، وشيء تاني مسكر كأنه أكل حمضان.. الريحة اللي تعجز تسميها بس جسمك بيتعرف عليها ويقشعر منها قبل ما عقلك يستوعبها.
الموبايل هز تاني.. رسالة جديدة، مكنتش عايز أفتحها بس صوابعي اتحركت لوحدها ودست على زرار التشغيل. صوت فاطمة المرة دي كان واطي أكتر، وفيه عجلة ونبرة تحذير متطلعش هناك لوحدك.
صابرين_محمد
صل على الحبيب المصطفى
امبارح الضهر دفنا الست فاطمة جارتنا، والنهاردة بعد نص الليل، لقيتها باعتالي رسالة صوتية على الموبايل! كل اللي قالته فيها كان متكشفيش غطا خزان المية... أنا سبت الولد جوه. كان الموضوع مستحيل وعقلي مش قادر يستوعبه، الست فاطمة ميتة مفيش من اتناشر ساعة، وابنها أحمد مختفي من أربع سنين،حرفيا فص ملح وداب.. من غير نقطة دم واحدة، ولا صرخة، ولا حتى فردة جزمة سابها وراه!
امبارح الضهر دفنا الست فاطمة جارتنا، والنهاردة بعد نص الليل، لقيتها باعتالي رسالة صوتية على الموبايل! كل اللي قالته فيها كان متكشفيش غطا خزان المية... أنا سبت الولد جوه. كان الموضوع مستحيل وعقلي مش قادر يستوعبه، الست فاطمة ميتة مفيش من اتناشر ساعة، وابنها أحمد مختفي من أربع سنين، حرفيا فص ملح وداب.. من غير نقطة دم واحدة، ولا صرخة، ولا حتى فردة جزمة سابها وراه!
في حتتنا وحارتنا القديمة دي، محدش كان بيجرؤ يجيب سيرة فاطمة خالص. مش عشان صعبانة عليهم، ولا عشان النميمة، ولا حتى خوف.. في المنطقة دي بتتعلم بسرعة إن في أسامي كدة مينفعش تنطقها بصوت عالي. يا دوب تهمس بيها همس، أو تدعيلهم في سرك بعد صلاة الفجر.
الست فاطمة كانت ساكنة في شقة رقم ٢. علطول لوحدها، وعلطول بنفس العباية السودا بتاعتها، ورابطة شعرها كدة أي كلام تحت الشال، وفي إيدها كيس قماش كأنها راجعة من السوق، مع إنها مكنتش بتشتري حاجة تقريباً. من ساعة ما أحمد ابنها اللي عنده ست سنين اختفى، مبقتش بتقول صباح الخير زي زمان. قبل الموضوع ده، كانت بتقعد تبيع أيس كريم للأطفال عند مدخل العمارة.. قبل كدة، كانت بتكنس السلم وتمسحه بالمية.. كانت بتتدندن بالأغاني القديمة وهي بتنشر الغسيل. بعد كدة، بقت تمشي جنب الحيط، كأنها بتعتذر للناس إنها لسة عايشة!
الليلة اللي الولد اختفى فيها كانت بتمطر مطر زي الطوب. أنا فاكر اليوم ده كويس، وفاكر الصريخ والعويل اللي صحى المنطقة كلها. فاطمة نزلت تجري على السلم حافية ووشها أبيض