الساعه 6 الصبح وحماتى بتفتح باب اوضتى
طلبت مني أساعد المحامي في تنفيذ حاجة معينة، لكنها قالت بالحرف ما تتعملش إلا لو مريم بنفسها وافقت بعد ما تشوف حقيقة الناس اللي حواليها.
خالد اتجمد مكانه.
يعني... أمي كانت عاملة كل ده علشان تختبرنا؟
المحامي هز رأسه وقال
لا.
أمال إيه؟
ابتسم المحامي ابتسامة خفيفة وقال
هي ما كانتش بتختبر حد... هي كانت بتحمي بنتها.
ساد صمت ثقيل.
حماتها لأول مرة ملامحها اتغيرت، لكن حاولت تتماسك وقالت
تحميها من إيه؟
المحامي مد إيده ناحية الملف، لكنه ما فتحهوش.
وقال
الإجابة موجودة هنا.
خالد مد إيده بسرعة عشان ياخد الملف.
لكن مريم سحبته قبل ما يلمسه.
وقالت بهدوء
الملف ده أمانة... ومش هيفتح غير لما أتأكد إن كل اللي كان لازم أشوفه... شوفته.
في اللحظة دي، رن هاتف مريم.
بصت للشاشة.
الاسم اللي ظهر خلاها تبتسم لأول مرة من غير أي وجع.
قفلت الموبايل من غير ما ترد.
خالد لمح الاسم، لكنه ما قدرش يقراه.
سألها بفضول
مين اللي بيتصل؟
مريم حطت الموبايل في جيبها وقالت
الشخص الوحيد اللي كان عارف سر أمي من البداية.
اتسعت عينا المحامي، بينما الرجل الكبير اكتفى بهزة رأس كأنه كان منتظر الاتصال ده.
أما خالد، فبدأ يشعر لأول مرة أن القصة أكبر بكثير من مجرد خمسة ملايين جنيه... وأن كل دقيقة تمر تقربه من حقيقة قد تغيّر حياته كلها.
لكن مريم لم تنطق بأي كلمة أخرى، وتركت الجميع يغرقون في أسئلتهم، بينما السر ما زال محفوظًا... ولم يحن وقت كشفه بعد خالد قرب منها بسرعة وقال
مين اللي كان بيتصل؟ جاوبيني.
مريم بصتله بهدوء، وكأنها لأول مرة ما بقتش خايفة من انفعاله.
قالت
هتعرف... بس مش دلوقتي.
حماتها ضربت كف بكف وقالت
إحنا هنفضل طول اليوم في لعبة الأسرار دي؟
المحامي قفل الملف قدامه وقال
أنا هنتظر عشر دقائق، وبعدها هنكمل الإجراء الأخير.
أول ما قال كلمة الإجراء الأخير، خالد حس بقلبه بيدق أسرع.
قال باستغراب
إجراء إيه؟
لكن المحامي اكتفى بالنظر في ساعته، وما ردش.
مرت دقائق ثقيلة، محدش فيهم اتكلم.
وفجأة...
موبايل مريم رن تاني.
المرة دي ردت.
أيوه...
فضلت ساكتة وهي بتسمع، وبعد ثواني قالت
تمام... أنا مستنياكم.
وقفلت المكالمة.
خالد قال بحدة
مستنية مين؟
ردت وهي بتحط الموبايل على الترابيزة
ناس ليهم حق يعرفوا الحقيقة... قبل أي حد.
حماتها اتعصبت وقالت
حق إيه؟ الفلوس دي تخص بيتكم.
مريم ابتسمت وقالت
هو ده اللي كنتوا فاكرينه.
وفي اللحظة دي...
سمعوا صوت عربية وقفت قدام البيت.
ثم صوت أكتر من باب بيتقفل.
المحامي وقف من مكانه وعدل بدلته، وقال بهدوء
وصلوا.
خالد جرى ناحية الشباك يبص.
لكن العربية كانت واقفة بعيد شوية، والناس اللي نزلت منها كانوا خارجين من زاوية ما قدرش يشوف وشوشهم.
بعد ثوانٍ...
خبط هادئ على الباب.
مريم هي الوحيدة اللي اتحركت.
فتحت الباب بابتسامة، وقالت
اتفضلوا... كنت مستنياكم.
ودخل ثلاثة أشخاص يحمل كل واحد منهم ملفًا مختلفًا.
أول ما دخلوا، وقفوا باحترام، وكأنهم داخلين لتنفيذ أمر متفق عليه من شهور.
خالد بص للمحامي وقال بقلق
هما مين؟
المحامي رد باقتضاب
دول آخر شهود على تنفيذ وصية المرحومة.
اتسعت عينا خالد، بينما حماته بلعت ريقها.
أما مريم... فكانت تنظر إلى الوجوه الجديدة بثبات، ثم قالت
دلوقتي... نقدر نبدأ.
وقبل أن يفتح أي واحد منهم الملف الذي يحمله...
قال أكبرهم سنًا جملة واحدة جعلت الجميع يلتفت إليه
قبل أي ورقة تتفتح... في سؤال لازم الأستاذ خالد يجاوب عليه بنفسه.
وساد الصمت من جديد... بينما بدت على وجه خالد علامات التوتر، لأنه لم يكن يعرف ما هو السؤال، ولا لماذا أصبح هو محور كل ما يحدث خالد بص للرجل باستغراب، وقال
أنا؟ أسألوني.
الرجل فتح ملفًا صغيرًا، ثم رفع نظره إليه وقال بهدوء
السؤال بسيط... لكن إجابته هتحدد إذا كنا هنكمل ولا لأ.
ابتلع خالد ريقه.
اتفضل.
قال الرجل
لو النهارده عرفت إن الخمسة ملايين دول مستحيل تاخد منهم جنيه واحد... هل هتفضل متمسك بجوازك من الأستاذة مريم بنفس الرضا اللي كنت بتتكلم بيه من شوية؟
الصالة كلها سكتت.
حتى حماته بصت لخالد، مستنية رده.
خالد اتردد.
فتح بقه يقولي طبعًا... لكن الكلمة ما خرجتش.
ثانية...
واتنين...
وثلاثة...
ولأول مرة، مريم شافت الحيرة على وشه.
الرجل ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
اتفضل... جاوب.
خالد قال بسرعة وهو بيبص لمريم
طبعًا هفضل متمسك بيها... هي مراتي.
الرجل هز رأسه، وقفل الملف.
وقال بهدوء
كنت أتمنى تكون الإجابة دي طلعت قبل ما تطلبوا الفلوس.
حماتها اتضايقت وقالت
إحنا مش في محكمة.
رد الرجل
بالعكس... إحنا بننفذ رغبة إنسانة كانت بتعرف قيمة الكلمة.
ثم التفت إلى مريم وقال
حضرتك جاهزة؟
أومأت برأسها.
مد لها الملف.
لكن قبل ما تفتحه...
رن جرس الباب مرة تانية.
الجميع التفت ناحية الباب باستغراب.
المحامي بص في ساعته، وابتسم لأول مرة.
وقال
واضح إن آخر شخص وصل.
خالد قال بعصبية
آخر شخص مين تاني؟
مريم مشت ناحية الباب، وفتحت.
أول ما شافت اللي واقف...
اتسعت عيناها من الدهشة.
والرجل الواقف خارج الباب قال بهدوء
أنا آسف على التأخير... لكن معايا الحاجة اللي والدتك طلبت أسلمها ليكي بعد ست شهور بالظبط.
كانت في إيده علبة خشبية صغيرة، مقفولة بمفتاح نحاسي قديم، وعلى غطائها بخط الأم الراحلة مكتوب
لا تُفتح إلا بعد أن تعرفي من يحبك... ومن يحب ما تملكين.
مريم لمست الكتابة بأطراف أصابعها، وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
أما خالد... فشعر لأول مرة أن كل كلمة قالها منذ الصباح قد تكون السبب في ضياع شيء أكبر بكثير من المال.
لكن مريم لم تفتح العلبة...
واكتفت بأن ضمتها إلى صدرها، وقالت بهدوء
واضح إن لسه في أسرار أمي ما خلصتش...
ثم نظرت إلى الجميع، بينما بقي المفتاح في يدها... دون أن تديره في القفل مريم فضلت ماسكة العلبة الخشبية، وبصت للمفتاح ثواني طويلة.
كل اللي في الأوضة كانوا مستنيين تفتحه.
لكنها رفعت رأسها وقالت بهدوء
مش هفتحها دلوقتي.
حماتها صاحت بعصبية
يعني إيه مش هتفتحيها؟ هو إحنا هنقضي اليوم كله مستنيين؟
مريم ردت من غير ما تعلي صوتها
العلبة دي أمي قالت تتفتح بعد ما أعرف الحقيقة... وأنا لسه الحقيقة كلها ما اكتملتش.
الرجل اللي جاب العلبة أخرج من جيبه ورقة صغيرة مطوية.
وقال
نسيت أسلمك دي.
أخذتها مريم، ولما فتحتها لقت سطر واحد بخط أمها
يا مريم... لو وصلتي للمرحلة دي، يبقى افتكري كويس إن القرار اللي هتاخديه بعد دقائق هيغير بقية عمرك، فلا تخليه يطلع من وجعك... خليه يطلع من عقلك.
أغمضت مريم عينيها للحظة.
كانت كأنها سامعة صوت أمها بنفس النبرة.
ولما فتحت عينيها، بصت لخالد وقالت
عايز أسألك سؤال.
قال بسرعة
اسألي.
لو مكاني... وكان ده تعب أبوك الله يرحمه، وواحد طلب منك تديه لأخوك من غير ما يستأذنك... كنت هتوافق؟
خالد سكت.
المرة دي سكوته طال.
وأخيرًا قال بصوت منخفض
...لأ.
هزت مريم رأسها.
وده كل اللي كنت محتاجة أسمعه.
ساد الصمت.
حماتها حاولت تتكلم، لكن خالد رفع إيده لأول مرة وقال لها
سيبينا.
استغربت.
طول عمره كان بينحاز لكلامها.
أما النهارده... فطلب منها تسكت.
بص لمريم وقال
أنا غلطت... وغلط كبير.
مريم ما ردتش.
قال
يمكن كنت بفكر أساعد أخويا... لكن نسيت إن الفلوس دي مش حقي.
كانت دي أول مرة يعترف بالجملة دي بصراحة.
لكن مريم فضلت هادئة.
ثم التفتت للمحامي وقالت
دلوقتي... نقدر نكمل.
المحامي مد إيده ناحية العلبة الخشبية، وقال
قبل ما تتفتح... لازم كل الموجودين يعرفوا إن اللي جواها مش فلوس، ولا مفاتيح، ولا عقود.
حماتها عقدت حاجبيها.
أمال إيه؟
ابتسم المحامي ابتسامة غامضة، وقال
شيء احتفظت به المرحومة سنوات طويلة... وكانت تقول إنه لو خرج للنور في الوقت المناسب، هيغير نظرة ناس كتير لكل اللي حصل.
كل الأنظار اتجهت إلى العلبة.
مريم أدارت المفتاح ببطء...
وسُمِع صوت تك.
رفعت الغطاء سنتيمترات قليلة...
ثم اتسعت عيناها فجأة.
وشحب وجه المحامي.
أما الرجل الكبير، فأغمض عينيه وكأنه كان يتوقع ما رآه.
وخالد حاول يقترب ليرى ما بداخلها...
لكن مريم أغلقت العلبة بسرعة، واحتضنتها بكلتا يديها، وهي تهمس بصوت مرتجف
مستحيل...
ثم رفعت رأسها، ونظرت إلى خالد نظرة مختلفة تمامًا عن أي نظرة سبق أن نظرَتْها له...
وكأن ما رأته داخل العلبة لم يكن مجرد تذكار من أمها...
بل بداية سر أكبر بكثير، لم يحن موعد كشفه بعد مريم كانت لسه ماسكة العلبة بإيديها، وأنفاسها بقت أسرع.
خالد قرب منها وقال بقلق
في إيه؟ شوفتي إيه؟
رفعت عينيها إليه، ثم هزت رأسها.
مش هينفع حد يعرف دلوقتي.
حماتها فقدت أعصابها.
يعني إحنا هنتجنن! افتحيها.
لكن المحامي وقف وقال بحزم
من فضلك يا حاجة... سيبوها تاخد قرارها.
مريم أخدت نفسًا طويلًا، وبصت للمحامي.
حضرتك كنت عارف اللي جوه؟
هز رأسه بالنفي.
لأ... المرحومة أصرت إن العلبة تفضل مقفولة، وقالت إن بنتها هي أول واحدة تشوفها.
الرجل الكبير قال بهدوء
وده معناه إن الرسالة كانت ليكي لوحدك.
مريم فتحت العلبة مرة تانية، لكن المرة دي بحيث محدش يشوف اللي فيها.
أخرجت منها ورقة قديمة مطوية، وظرفًا صغيرًا، ومفتاحًا نحاسيًا قديمًا مربوطًا بشريط أزرق.
بصت للمفتاح طويلًا، وكأنها افتكرت حاجة كانت ناسيها.
ثم همست لنفسها
علشان كده...
خالد سمعها.
علشان كده إيه؟
مريم ما ردتش.
فتحت الورقة، وقرت أول سطر فيها، وفجأة دموعها نزلت من غير صوت.
مش دموع انكسار...
لكن دموع شوق.
رفعت الورقة بسرعة، ومسحت دموعها قبل ما حد يشوف المكتوب.
حماتها قالت بحدة
إيه اللي مكتوب؟
مريم طوت الورقة تاني، وقالت
دي بيني وبين