الساعه 6 الصبح وحماتى بتفتح باب اوضتى

لمحة نيوز


عليها، فتحت الملف بهدوء شديد، وطلعت منه ظرف بني كبير، ولسه هتفتحه، قامت قفلته تاني وحطته قدامها.
خالد اتضايق وقال بنفاد صبر مريم... إحنا مش فاضيين للألغاز دي. حولي الفلوس ونخلص.
رفعت عينيها ليه وقالت بنفس الهدوء هو ده اللي مستعجلك أوي؟
سكت.
قالت ولا مستعجل لأنك وعدت أخوك إن الفلوس هتدخل حسابه النهارده؟
اتفاجئ.
إنتِ عرفتي منين؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
مش مهم عرفت منين... المهم إنك وعدته فعلًا.
حماتها قاطعتها بسرعة وأهو وعد، وإيه المشكلة؟ الراجل أخوه.
مريم هزت رأسها وقالت المشكلة إن في وعد أهم بكتير من وعد أحمد.
خالد عقد حاجبيه.
قصدك إيه؟
مدت إيدها ناحية الظرف وفتحته بهدوء، وأخرجت ورقة مختومة بختم رسمي، وحطتها قدامهم.
حماتها قربت تبص عليها، لكن مريم سحبتها قبل ما توصلها.
وقالت دي مش هتتشاف دلوقتي.
بدأ الضيق يظهر على وش خالد.
هو إيه اللي بتعمليه ده؟
قالت بفكرك بحاجة نسيتها.
إيه هي؟
بصت له بثبات وقالت آخر أسبوع في حياة أمي... لما طلبت مني أروح معاها عند المحامي.
أول ما نطقت كلمة المحامي، وش خالد اتغير.
يمكن لأنها أول مرة تجيب سيرته.
قال بسرعة كانت بتعمل إيه عند محامي؟
ابتسمت.
أهو... ده السؤال الصح.
حماتها حاولت تتدخل يا بنتي ما تلفيش وتدوري.
لكن مريم رفعت إيدها لأول مرة تمنعها من الكلام.
استني يا حاجة... الدور عليكي هييجي.
البيت كله سكت.
حتى صوت التكييف بقى واضح.
مريم رجعت بصت لخالد وقالت إنت فاكر إن أمي كانت ست بسيطة... وإنها باعت الشقة وسابت الفلوس وخلاص.
هز كتفه وقال وده الطبيعي.
قالت لأ... أمي عمرها ما كانت تعمل حاجة من غير ما تحسبها.
مدت إيدها وأخرجت من الملف ظرفًا أصغر، عليه ختم أحمر.
تعرف الظرف ده مقفول ليه؟
خالد هز رأسه.
قالت لأن المحامي قال لي بالحرف... الظرف ده ما يتفتحش إلا بعد ما فلوس البيع تدخل الحساب، ولو حصل أي ضغط أو محاولة للتصرف فيها، افتحيه فورًا.
حماتها اتوترت لأول مرة.
وقالت بانفعال ضغط إيه؟ هو إحنا هنسرقها؟
مريم ردت بهدوء أنا لسه ما قلتش حد بيسرق.
ثم سكتت ثواني، وهي تراقب ملامحهم.
وأضافت لكن الغريب... إن أمي كانت متوقعة إن اليوم ده هييجي.
خالد حس إن الأرض بتتهز تحت رجليه.
يعني... إيه اللي جوه الظرف؟
مريم ابتسمت ابتسامة غامضة، وضمت الظرف لصدرها.
اللي جواه... هو السبب الحقيقي إن أمي أصرت تروح للمحامي وهي تعبانة، وهو السبب اللي خلاني من ساعة ما الفلوس نزلت الحساب ما صرفتش منها جنيه واحد.
اقترب خالد خطوة وقال بقلق واضح مريم... افتحيه.
نظرت إليه طويلًا، ثم أعادت الظرف إلى الملف، وأغلقته ببطء.
وقالت بنبرة واثقة
لأ... مش دلوقتي.
وفي نفس اللحظة، دوى جرس الباب بقوة.
رنّة طويلة، تبعتها رنة ثانية.
نظر الثلاثة إلى الباب في وقت واحد.
ومريم فقط... كانت تبتسم، وكأنها كانت تنتظر هذا الطارق منذ بداية اليوم جرس الباب فضل يرن للمرة التالتة.
حماتها اتضايقت وقالت بعصبية مين اللي جاي في وقت زي ده؟
أما مريم، فقامت من مكانها بمنتهى الهدوء، وعدلت طرحتها، ومسكت الملف في إيديها، وكأنها كانت مستنية اللحظة دي بالدقيقة.
خالد وقف قدامها وقال استني... هفتح أنا.
ابتسمت وقالت لا... الضيف ده جايلي أنا.
اتجهت ناحية الباب وفتحته.
وقف قدامها راجل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة رمادي شيك، وماسك شنطة جلد سوداء، ومعاه شاب أصغر منه شايل ملف كبير.
الراجل أول ما شاف مريم، هز رأسه باحترام وقال صباح الخير يا أستاذة مريم... آسف لو جيت بدري، لكن حضرتك طلبتي إن أول ما الإجراءات تخلص أجيلك بنفسي.
ردت بابتسامة هادئة اتفضل يا أستاذ.
خالد خرج من الصالة بسرعة وهو مستغرب.
مين حضرتك؟
الرجل بص له نظرة سريعة، ثم قال بأدب أنا مجرد منفذ لإجراءات قانونية تخص المرحومة والدة الأستاذة مريم.
أول ما سمعوا كلمة إجراءات قانونية، حماتها بصت لخالد بقلق.
قال خالد إجراءات إيه؟
لكن الرجل ما جاوبش.
دخل وقعد على أقرب كرسي بعد ما استأذن، وحط الشنطة قدامه.
فتحها، وطلع منها ملف عليه أختام كتير.
قال وهو بيبص لمريم الحمد لله، كل المستندات بقت جاهزة، وباقي خطوة واحدة زي ما المرحومة أوصت.
حماتها فقدت هدوءها.
هو في إيه؟ إحنا مش فاهمين حاجة.
الرجل قال باحترام المعذرة... الكلام ده موجه للأستاذة مريم فقط.
خالد حس إنه خارج الصورة لأول مرة.
قرب من مريم وقال بصوت منخفض إنتِ مخبية عني إيه؟
مريم ردت بهدوء مش مخبية... أنا بس ما اتكلمتش.
ثم التفتت للرجل وقالت حضرتك معاك الحاجة كلها؟
أومأ برأسه.
كما طلبت المرحومة بالضبط.
ثم أخرج ظرفًا صغيرًا مغلقًا بالشمع الأحمر، وقال ده كان أمانة عندنا، وممنوع يتفتح إلا بعد انتهاء بيع الشقة بالكامل.
مده ناحية مريم.
أخذته بإيد ثابتة، لكنها ما فتحتهوش.
خالد كان بيبص للظرف وكأنه شايف فيه إجابته كلها.
قال بلهفة افتحيه.
مريم هزت رأسها.
لسه.
الرجل ابتسم ابتسامة خفيفة وقال المرحومة كانت دقيقة جدًا... حتى ترتيب الخطوات كتبته.
وأخرج ورقة مطوية.
قرأ منها يُسلَّم الظرف أولًا... ثم يُطرح على ابنتي سؤال واحد فقط.
سكت الجميع.
رفع الرجل عينه ناحية مريم وقال السؤال هو...
وأغلق الورقة مرة أخرى.
لا... آسف.
استغرب خالد وقال آسف إيه؟
رد الرجل بهدوء المرحومة طلبت إن السؤال يتقال في وجود الشخص الأخير الناقص.
اتسعت عينا مريم قليلًا، وكأنها فهمت المقصود.
أما خالد فقال بقلق شخص مين؟
وفي نفس اللحظة... سُمعت سيارة تقف أمام البيت، ثم صوت باب يُغلق في الخارج، وأعقبه طرق هادئ على الباب الرئيسي.
ابتسم الرجل وقال واضح... إنه وصل.
ونظرت مريم إلى الباب، بينما ازداد ارتباك خالد وحماته، لأنهما لم يكونا يعلمان من هو الزائر القادم، ولا لماذا كانت الأم الراحلة قد رتبت كل شيء قبل رحيلها ساد الصمت لثوانٍ، وكل العيون اتجهت ناحية الباب.
مريم أخدت نفسًا عميقًا، ومشت بخطوات ثابتة لحد ما فتحته.
وقف قدامها رجل كبير في السن، شعره كله أبيض، لكن هيبته كانت مالية المكان. أول ما شافها، قال بحزن
البقاء لله يا بنتي... سامحيني إني اتأخرت.
مريم هزت رأسها وقالت ولا يهمك يا عمي... اتفضل.
دخل الرجل، وأول ما خالد شافه، حاول يفتكر هو مين، لكنه ما عرفوش.
أما حماته فسألت باستغراب حضرتك تبقى مين؟
ابتسم الرجل وقال أنا صديق والدتها من أكتر من ثلاثين سنة... وكانت موصياني أحضر اليوم ده لو ربنا كتب إنها تسبقنا.
اتبدلت نظرات خالد مع أمه.
الرجل قعد بهدوء، والمحامي قال دلوقتي اكتمل العدد.
فتح الورقة اللي كانت في إيده، وقرأ بصوت واضح
إذا وصلتم لهذه المرحلة، فاسألوا ابنتي سؤالًا واحدًا فقط... هل ما زالت متمسكة بآخر وعد وعدته لوالدتها؟
رفع المحامي عينه إلى مريم.
ابتسمت مريم لأول مرة من غير وجع، وقالت بثقة
أيوه... وما خالفتش الوعد لحظة واحدة.
أومأ الرجل الكبير برأسه، وقال كنت عارف إنها هتوفي بوعدها.
خالد ما بقاش مستحمل.
قام من مكانه وقال بعصبية حد يفهمني! إيه الوعد؟ وإيه كل الغموض ده؟
مريم بصت له للحظة، ثم قالت
الوعد بيني وبين أمي... وعمره ما كان يخص حد غيرنا.
حماتها قالت بانفعال يعني كل اللي بيحصل ده علشان وصية؟
المحامي قفل الملف وقال بهدوء مش مجرد وصية... دي مسؤولية كانت المرحومة حريصة إنها تتنفذ بالحرف.
خالد قرب خطوة وقال والفلوس؟
مريم ردت وهي ماسكة الظرف بإحكام الفلوس لسه في مكانها... وما اتحركش منها جنيه.
ظهرت على وش خالد علامات ارتياح، لكنه لسه مش فاهم.
وقبل ما يتكلم، قال الرجل الكبير جملة قلبت ملامحهم كلهم
المرحومة كانت بتقول دايمًا... الإنسان ما بيتعرفش وقت الرخاء، الإنسان الحقيقي بيبان أول ما يشوف المال قدامه.
سكت، وبص لمريم بابتسامة رضا.
أما مريم، فنظرت إلى الظرف المختوم، ووضعت يدها عليه بهدوء، ثم قالت
واضح إن الوقت قرب... لكن لسه فيه حاجة لازم تحصل الأول.
خالد قال بلهفة إيه هي؟
مريم رفعت عينيها إليه، وقالت
لما تحصل... ساعتها كل واحد في البيت ده هيعرف الحقيقة كاملة.
ثم أعادت الظرف إلى الملف، وأغلقته مرة أخرى.
وانتهى المشهد والجميع ينظر إليها، وكل واحد منهم يفكر في سر مختلف... بينما الحقيقة الكاملة ما زالت حبيسة ذلك الظرف المغلق خالد فقد أعصابه.
ضرب بإيده على الترابيزة وقال بانفعال
أنا مش فاهم! هو كل شوية هتقولوا الحقيقة لسه، والسر لسه؟! أنا جوزها ومن حقي أعرف.
المحامي بصله بهدوء وقال
من حقك تعرف... لكن في وقته.
حماته قامت من مكانها وهي بتتكلم بصوت عالي
إحنا مش هنفضل قاعدين نتفرج. افتحي الظرف وخلصينا.
مريم بصتلها بثبات، وقالت
الغريب إنكم مستعجلين أوي تعرفوا اللي فيه... مع إنكم من شوية كنتوا مستعجلين على الفلوس.
الكلمة أصابتهم في مقتل.
خالد حاول يغير الموضوع وقال
طيب خلاص... إحنا غلطنا لما اتكلمنا بالطريقة دي، لكن في الآخر إحنا أهل.
ابتسمت مريم ابتسامة صغيرة.
أهل؟
ثم أكملت
لما كنت بلف بين المصالح الحكومية لوحدي، كنتوا فين؟ ولما كنت برجع كل يوم منهارة، مين فيكم سألني محتاجة حاجة؟
ما حدش رد.
الرجل الكبير تنهد وقال
رحمها الله... كانت متوقعة إن اليوم ده هييجي.
وسكت لحظة قبل ما يكمل
عشان كده، قبل وفاتها بأيام،
 

تم نسخ الرابط