لو سمحت يا بيه، اشتري مني العروسة دي... ماما ما كلتش بقالها 3 أيام
لو سمحت يا بيه، اشتري مني العروسة دي... ماما ما كلتش بقالها 3 أيام
لو سمحت يا بيه، اشتري مني العروسة دي... ماما ما كلتش بقالها 3 أيام.
البنت الصغيرة ظهرت من بين خطوط العربيات في وسط زحمة شارع جامعة الدول العربية، كانت ضامة عروسة قماش قديمة ومبهدلة لصدرها بقوة، وماسكاها كأنها آخر حتة باقية لها من الدنيا دي كلها.
ما تزيدش عن 6 سنين من عمرها. شعرها كان منكوش، والجاكيت الصوف اللي لابساه كان واسع ومبهدل على كتافها الصغيرين، وفردة شبشبها المقطوعة كانت بتعمل صوت حك في الأسفلت مع كل خطوة بتمشيها. البنت مكانتش بتشحت ولا بتستجدي حد.. كانت يدوبك بتحاول تبيع الحاجة الوحيدة اللي تملكها في دنيتها.
يا بيه.. تشتريها مني؟ سألته بصوت ناشف ومجهد من التعب، بس مكنتش بتبكي، أمي مكلتش لقمة بقالها 3 أيام.
الراجل اللي وقف قدامها في اللحظة دي كان كامل بيه، صاحب أبراج المكاتب، والفنادق ال نجوم، والمستشفيات الاستثمارية، ورئيس جمعية خيرية لرعاية الأطفال بتظهر في التلفزيون كل سنة مع مزيكا هادية وإضاءة مفيش غلطة. المجلات والجرائد كانوا بيسموه ملك الاستثمار. وفي الحفلات الكبيرة، كان دايمًا يخطب ويقول إن مفيش طفل في البلد دي لازم ينام جعان.
بس أول ما البنت الصغيرة دي اتكلمت معاه ووقفته، أول حاجة عملها إنه بص في ساعة إيده الذهبية بتوتر.
مش فاضي دلوقتي يا شاطرة.. عندي اجتماع ومستعجل.
البنت جريت خطوتين وراه، وكلبشت في العروسة أكتر وقالت
أنا مش بطلب منك لله ولا بشحت.. أنا ببيعها لك. اسمها لولا.. أمي هي اللي خيطتها لي بإيدها من يوم ما اتولدت.
كامل بيه لف وشه وبص لها، وملامحه كان باين عليها الضيق في الأول. كان خلاص هيزعق لها ويقول لها تبعد عن الشارع قبل ما عربية تخبطها.
بس الكلمات اتجمدت في زوره.
البنت مكانتش بتمثل الحزن.. ولا بتنزل دموع بالعافية عشان تصعب عليه. كانت واقفة بمنتهى الثبات، وصوابعها الصغيرة المتوسخة بتراب الشارع لافة حوالين العروسة القماش الدبلانة. كان فيها عزة نفس وكرامة مينفعش يعيشوا جنب الجوع والفقر بالشكل ده.
تنحنح كامل بيه وسألها بهدوء
عايزة فيها كام يا شاطرة؟
ردت بسرعة
تسعين جنيه.. عشان أجيب بيهم عيش وشوربة، والعلاج اللي أمي محتاجاه جوة البيت.
كامل بيه فتح محفظته الجلد الفخمة. مكنش معاه فكة، كل اللي فيها أوراق مالية كبيرة.
سحب ورقة بألف جنيه ومد إيده بيها ليها.
البنت برقت عينيها من الصدمة.
بس أنا معيش فكة يا بيه أرجعلك الباقي.
مش عايز باقي.. خديها.
بصت للعروسة لآخر مرة، وضمتها لصدرها بلوعة، وسألته ببراءة قطعت قلبه
هتاخد بالك منها وتصونها يا بيه؟
كامل بيه حس بغصة غريبة جواه.
رد بصوت واطي
آه.. هصونها.. أوعدك.
البنت الصغيرة حطت العروسة لولا بين إيديه، وراحت جارية بأقصى سرعة ناحية محطة الأتوبيس والورقة الألف جنيه مقفول عليها جوة قبضة إيدها الصغيرة.
في الليلة دي، كامل بيه رجع لشقته الفخمة في الزمالك. حط العروسة القماش على طرابيزة رخام غالية، جنب عقود بملايين الجنيهات، وقلم فضة، وكاس من مشروب مستورد.
فك كرافتته وقعد على الكرسي ومد إيده للكاس.
وفجأة سمع حاجة.
صوت خروش خفيف.
صوت أنين مكتوم.
الصوت مكانش جاي من الشبابيك، ولا من الطرقة، ولا من الموبايل.
الصوت كان طالع من قلب العروسة القماش.
كامل بيه لف وشه ببطء وبص للطرابيزة.
العروسة كانت مرمية على الرخام ووشها المتخيط باصص للسقف.
لثواني حاول يقنع نفسه إن ده وهم.
لكن فجأة...
بطن العروسة اتحركت.
حركة خفيفة جدًا.
كأن فيه حاجة جوة بتحاول تاخد نفس.
كامل بيه قرب منها، وطلع مقص من درج المكتب، وبدأ يفك الخياطة القديمة بحذر شديد.
وجوة بطن العروسة لولا، مستخبي وسط القطن القديم والفتل الدايبة، كانت فيه حاجة عمره ما تخيل إن طفلة صغيرة تكون شايلاها وماشية بيها وسط الشوارع.
وأول ما عين كامل بيه وقعت على اللي جوة العروسة، الراجل اللي مصر كلها بتقول عليه ملك الاستثمار فهم في ثانية واحدة إن البنت الجعانة دي ما قابلتوش بالصدفة.
دي جابت له بإيدها السر والمستندات اللي ناس كبار وأصحاب نفوذ بقالهم سنين بيدفعوا دم قلبهم ويقتلوا النفوس عشان يدفنوها تحت الأرض.
في الليلة دي، كامل بيه ما شربش المشروب بتاعه.
ولا رد على التليفونات اللي كانت بترن وراه.
فضل واقف بطوله في صالة شقته، وهو ماسك بإيديه الدليل والورق اللي يقدر يهد إمبراطوريته ويدمر كل بنيانه.. وفي نفس الوقت يقدر ينقذ البنت الصغيرة وأمها المرمية في الغلب والفقر واللي كان خلاص هيعدي من جنبهم وم يبصش وراه.
يا ترى كامل بيه لقى إيه جوة بطن العروسة القماش وهيقدر يقلب بيه الطرابيزة على مين؟
وإيه حكاية أم البنت الصغيرة وهل ليها علاقة بشركات كامل بيه القديمة؟
وكيف كامل بيه هيجيب حق الغلابة بالورق اللي في إيده ويواجه حيتان السوق؟
كامل بيه فضل واقف قدام الترابيزة كأنه اتحول لتمثال.
في إيده كانت رزمة ورق صغيرة، متطبقة بعناية ومغلفة بكيس بلاستيك قديم عشان ما تتبهدلش.
فتح أول ورقة.
ومع أول سطر قراه، حس إن الدم اتسحب من وشه.
الورقة كانت عبارة عن عقود شراء أراضي.
وده في حد ذاته مش غريب.
لكن الغريب كان الأسماء.
والتوقيعات.
والتواريخ.
كلها راجعة لأكتر من سبع سنين.
وكلها خاصة بمشروع ضخم اتعمل وقتها باسم شركة تابعة لمجموعته الاستثمارية.
مشروع سكني كبير كان المفروض يتبني عليه آلاف الوحدات.
لكن الحقيقة اللي كانت مستخبية في الورق إن الأراضي دي اتاخدت من أصحابها بالغش والتزوير.
في ورقة تانية