"ممكن تيجي عيد ميلادي... بس كعاملة خدمة مش أكتر."
المحتويات
حياتنا كانت قوية.
مسيطرة.
واثقة.
لكن دلوقتي كانت مرعوبة.
قالت وهي بتمسح دموعها
أنا استلفت فلوس كتير للحفلة دي.
سكتنا.
كملت
أكتر مما تتخيلي.
أنا ما اتكلمتش.
فريدة بصت للأرض.
كنت عايزة أثبت إني ناجحة.
الجملة دي فاجئتني.
لأنها خرجت بصدق.
كملت
كل صحابي بقوا أغنيا.
كل واحدة بتنزل صور من أماكن أحسن.
كل واحدة عندها عربية أغلى.
وكل مرة كنت بحس إني أقل.
أول مرة أسمع الكلام ده منها.
طول عمرها كانت بتظهر عكس كده.
لكن واضح إن الحقيقة مختلفة.
كريم قال بعصبية
مش وقت الكلام ده.
لكنها صرخت فيه
اسكت!
وبعدين بصتلي.
أنا غلطت.
سكتت ثواني.
وغلطت في حقك كتير.
المكان كله هدي.
لأن محدش متعود يسمع فريدة تعترف بحاجة.
أنا ما رديتش.
لكن الحقيقة إن جزء جوايا كان محتاج يسمع الاعتذار ده من سنين.
بعد مراجعة الحسابات اكتشفنا إن المبلغ المتبقي كبير.
أكبر مما توقعت.
وكان لازم يتدفع قبل بدء الحفل.
فريدة ما كانش معاها السيولة.
كريم كمان.
وأمي كانت مرتبكة.
وقتها قلت
في حل.
كلهم بصوا ناحيتي.
نلغي نص الإضافات.
المنسقة قربت.
بدأنا نراجع التفاصيل.
هرم الشمبانيا اتشال.
ألعاب نارية داخلية اتلغت.
ورود مستوردة اتبدلت ببديل محلي ممتاز.
بوفيه فيه أصناف زيادة مالهاش لازمة اتشالت.
خلال ساعة كاملة اشتغلنا.
وأخيرًا وصلنا لرقم يقدروا يدفعوه.
فريدة بصتلي باستغراب.
إنتِ بتساعديني؟
ابتسمت.
طبعًا.
ليه؟
عشانك أختي.
للحظة عينيها لمعت.
وكأنها ما كانتش متوقعة الرحمة دي.
الساعة بقت ستة مساء.
والقاعة بدأت تتحول.
العمال بيتحركوا بسرعة.
الورد بيتعلق.
الإضاءة بتشتغل.
الموسيقى التجريبية شغالة.
والمكان بقى جميل فعلًا.
وقفت أبص من بعيد.
يمكن لأول مرة أحس بالفخر الحقيقي.
مش عشان القاعة.
لكن عشان الطريق اللي وصلت بيه لحد هنا.
افتكرت الليالي اللي كنت بنام فيها أربع ساعات.
افتكرت الشغل الإضافي.
افتكرت الديون.
افتكرت الخوف.
كل خطوة كانت صعبة.
لكنها كانت تستاهل.
قبل وصول الضيوف بنص ساعة.
أمي قربت مني.
وقالت بصوت منخفض
أنا آسفة يا مايا.
بصيتلها.
ما توقعتش الجملة دي منها.
قالت
كنت فاكرة إنك ضعيفة.
وكنت غلطانة.
ابتسمت.
كلنا بنغلط.
هزت راسها.
لا.
أنا ظلمتك.
عيونها دمعت.
وأكملت
لما كنتي بتتعبي ما وقفتش جنبك.
ولما وقعتي سيبتك.
سكتت.
سامحيني.
الجملة دي وجعتني أكتر من أي إهانة قديمة.
لأنها كانت حقيقية.
وأنا كنت محتاجاها من زمان.
.
لأول مرة من سنين.
وحسيت إنها بترتعش.
الحفلة بدأت.
والضيوف دخلوا.
كل حاجة ماشية كويس.
وفريدة بدأت تستعيد ثقتها.
الناس مبسوطة.
الأكل ممتاز.
التنظيم ناجح.
وأخيرًا قدرت أتنفس.
لكن ما كنتش أعرف إن الليلة لسه مخبية مفاجأة أكبر بكتير.
مفاجأة هتغيّر حياة العيلة كلها.
لأن قبل نهاية الحفلة بساعة واحدة...
وصل راجل أنيق في الخمسينات.
ونزل من عربية فخمة.
وسأل أول سؤال
فين الأستاذة مايا؟
ولما عرفوا إني موجودة...
قال جملة خلت الدم يتجمد في عروقي
أنا جاي بخصوص ميراث والدك.
أول ما الراجل قال
أنا جاي بخصوص ميراث والدك.
حسيت إن قلبي وقف لحظة.
والدي متوفي من سبع سنين.
وموضوع الميراث ده اتقفل من زمان على حد علمنا.
بصيتله باستغراب وقلت
حضرتك متأكد؟
هز راسه.
متأكد جدًا.
كان راجل هادي، شكله محترم، لابس بدلة بسيطة لكن واضحة إنها غالية.
مد إيده ببطاقة تعريف.
طلع محامي.
وأول ما قريت الاسم افتكرت إني شفته مرة زمان في عزاء أبويا.
لكن ما كناش اتكلمنا.
أمي كانت واقفة قريب مننا.
ولما سمعت كلمة ميراث قربت فورًا.
كريم كمان.
وفريدة.
وكلهم بقوا باصين للراجل.
قال المحامي
ممكن نتكلم في مكان هادي؟
أشرتله على مكتب الإدارة اللي فوق.
وطلعنا إحنا الخمسة.
أول ما قفل الباب.
فتح شنطة جلد صغيرة.
وطلع ملف سميك.
وبدأ يرتب أوراقه.
قال
قبل ما أتكلم لازم أوضح حاجة.
والدكم كان عميل عندي لفترة طويلة.
أمي قطبت جبينها.
إزاي؟
كان فيه شغل بينا قبل وفاته.
المحامي فتح أول ورقة.
وقال
المرحوم الأستاذ محمود كتب وصية قانونية قبل وفاته بسنة.
كلنا بصينا لبعض.
وصية؟
إحنا عمرنا ما سمعنا عن وصية.
كمل
الوصية كانت مرتبطة بشرط معين.
ولذلك ما تمش إعلانها وقت الوفاة.
أمي قالت بحدة
شرط إيه؟
بص ناحيتي.
وقال
الشرط كان يخص الآنسة مايا.
ساعتها حسيت إن التوتر زاد.
أنا؟
ليه أنا؟
المحامي قال بهدوء
والدك كان شايف إنك أكتر شخص اتحمل مسئوليات في العيلة.
عيوني بدأت تلمع.
لأن أبويا فعلًا كان أقرب شخص ليا.
قال
قبل وفاته بفترة كان قلقان عليك.
وكان متأكد إنك هتواجهي ظروف صعبة.
سكت لحظة.
وبعدين أكمل
عشان كده ترك تعليمات محددة.
كريم قال بنفاد صبر
ادخل في الموضوع.
فتح المحامي ملف تاني.
وقال
والدكم كان شريك صامت في قطعة أرض صناعية خارج القاهرة.
كلنا اتصدمنا.
حتى أمي.
قالت
قطعة أرض؟
إحنا ما نعرفش حاجة.
هز راسه.
معظم الناس ما كانتش تعرف.
كانت استثمار طويل الأجل.
وبعدين قال الجملة اللي قلبت الدنيا
الأرض دي اتباعت من ست شهور.
سكت.
وأضاف
بقيمة تجاوزت سبعين مليون جنيه.
الغرفة كلها اتجمدت.
كريم قام واقف.
سبعين مليون؟!
فريدة فتحت بقها من الصدمة.
وأمي كانت حرفيًا مش قادرة تتكلم.
أما أنا فكنت مستوعبة بالعافية.
المحامي كمل
بعد خصم الضرائب والمصاريف.
النصيب المستحق حسب الوصية موجود بالكامل.
كريم قال بسرعة
طيب يتقسم بيننا.
المحامي رفع عينه من الورق.
وقال
لا.
الصمت نزل مرة واحدة.
لا؟
الوصية مختلفة.
فتح آخر مستند.
وقرأ منه.
يُصرف كامل العائد الاستثماري لابنتي مايا إذا أثبتت خلال عشر سنوات من تاريخ الوفاة قدرتها على بناء حياة مستقلة دون الاعتماد على أي فرد من العائلة.
أنا حسيت إني مش سامعة صح.
فريدة بصتلي.
وأمي بصتلي.
والمحامي أكمل
وفي حالة عدم تحقق الشرط يتم تقسيم المبلغ على الورثة.
كريم قال
وده معناه إيه؟
رد المحامي
معناه إن الشرط تحقق.
مايا بنت مشروعها بنفسها.
وأصبحت صاحبة عمل.
ولم تعتمد على الميراث أو دعم مالي من أي طرف.
وساعتها فهمت.
أبويا كان بيفكر للمستقبل.
بطريقته الخاصة.
الصراحة؟
أول حاجة حسيتها ما كانتش الفرحة.
كانت الدهشة.
لأن أكتر شخص كان مؤمن بيا في الدنيا طلع مخطط للحظة دي من سنين.
افتكرت كلامه.
افتكرت لما كان يقول
إنتِ أقوى مما تتخيلي.
افتكرت لما كان يدافع عني وأنا صغيرة.
افتكرت ثقته فيا.
وحسيت إن دموعي نزلت لوحدها.
كريم كان متضايق.
وده طبيعي.
لكن للمرة الأولى ما اتكلمش بطريقة مستفزة.
يمكن لأنه شاف الحقيقة قدامه.
أنا ما خدتش حاجة من حد.
ولا ورثت نجاحي.
ولا حد فتحلي باب.
كل خطوة كانت بتعبي.
فريدة كانت ساكتة.
وبعدين قالت
أبويا كان عارف.
المحامي ابتسم.
كان عارف كويس.
بعد ما المحامي مشي.
فضلنا قاعدين شوية.
الصمت مالي المكان.
لحد ما أمي قالت
أنا فاكرة آخر أسبوع قبل وفاته.
بصينالها.
قالت
قالي مرة... مايا هتفاجئكم كلكم.
ابتسمت وسط دموعها.
وقتها افتكرته بيقول كده عشان بيحبها.
سكتت.
بس واضح إنه كان
متابعة القراءة