"ممكن تيجي عيد ميلادي... بس كعاملة خدمة مش أكتر."
ممكن تيجي عيد ميلادي... بس كعاملة خدمة مش أكتر.
قالتها أختي فريدة وهي واقفة قدام المراية في الصالة، بتظبط الروج بتاعها وكأنها ملكة متوجة.
وراها كان أخويا كريم متسند على رخامة المطبخ وبيضحك بسخرية.
قال
إنتِ فقيرة لدرجة إنك ما تنفعيش تتعدّي من العيلة أصلاً يا مايا... بس عادي، بنطلون أسود وقميص أبيض هيبقوا لايقين عليكي جدًا.
بصيت لهم هما الاتنين... وبعدين بصيت لأمي اللي كانت عاملة نفسها مشغولة بتنضف كوباية نضيفة أصلًا.
وقتها قلت بهدوء
ماشي.
بس كده.
فريدة ابتسمت ابتسامة المنتصر، كأنها كسبت معركة.
كانت داخلة على سن الثلاثين، وحاجزة قاعة أفراح فخمة جدًا على النيل في قلب القاهرة، قاعة كلها واجهات زجاج وإطلالة تخطف الأنفاس.
بقالها ست شهور بتحكي للناس عن ديكورات الورد اللي هتنزل من السقف، وهرم الشمبانيا، والشيف الخاص، وقايمة المعازيم اللي فيها ناس مهمة على حد وصفها.
لكنها ما كانتش تعرف إني أعرف عن القاعة دي أكتر منها بكتير.
وما قلتش ده لكريم برضو.
من تلات سنين، بعد طلاقي وانهيار مشروع المخبوزات الصغير اللي كنت فاتحاه مع جوزي السابق، كل أفراد العيلة قرروا إني المثال الحي للفشل.
كانوا فاكرين إني لسه بشتغل تنظيف غرف في فندق بشكل مؤقت، وساكنة في شقة تحت الأرض لأن حياتي ضاعت.
الشقة الصغيرة كانت حقيقية.
لكن الفشل... ما كانش حقيقي أبدًا.
بعد ما المشروع قفل، اشتغلت مساعدة لمستثمرة عقارات مشهورة اسمها إلهام الشاذلي.
ومن شغلي معاها اتعلمت كل حاجة
العقود.
التراخيص.
التأمينات.
تصاريح الحفلات.
قوانين السلامة.
وكل الأسرار القذرة اللي مستخبية ورا الحفلات الفخمة.
ولما الست تقاعدت، حطيت كل جنيه كنت موفراه واشتريت حصة صغيرة جدًا في قاعة مناسبات كانت على وشك الإفلاس.
نفس القاعة اللي فريدة حجزتها.
وبعدها بسنتين، لما المالك الأساسي غرق في الديون والقضايا، اشتريت حصته بالكامل من خلال شركة باسم تجاري بعيد عن اسمي.
في الوقت ده...
ما حدش من عيلتي كان يعرف إن اسمي موجود على عقد ملكية القاعة.
عشان كده لما منسقة الحفل كلمتني قبل المناسبة بأسبوعين وهي متعصبة، وقالت إن فريدة رفضت تدفع باقي المبلغ بحجة إن الواسطة العائلية لازم تديها خصم...
سمعتها بهدوء.
ولما شركة الأكل اشتكت إن فريدة حاولت تستبدل الفلوس بدعاية على السوشيال ميديا...
سمعتها برضو.
ولما شركة الأمن بلغتني إن كريم بيتفاخر إنه هيدخل ضيوف زيادة عن العدد المسموح بيه...
قلت لهم بكل بساطة
نفذوا العقد بالحرف الواحد.
وجّه يوم الحفلة.
لبست بنطلون أسود.
وقميص أبيض.
وجزمة مريحة.
الساعة كانت 317 العصر لما موبايلي رن.
فريدة كانت بتصرخ بشكل هستيري.
يا مايا! القاعة مقفولة! المدير بيقول الحفلة متوقفة! الورد واقف بره! الشيف ماشي! والمعازيم هيوصلوا بعد تلات ساعات!
وفجأة كريم خطف منها التليفون.
اعملي أي حاجة! إنتِ شغالة في الخدمات والحاجات دي مش كده؟ كلمي الناس اللي تعرفيهم!
رفعت عيني ناحية الواجهة الزجاجية للقاعة.
وشفت فريدة واقفة بفستانها الغالي.
وشها أصفر من الرعب.
وإيديها بتترعش.
ابتسمت بهدوء...
وبعدين فتحت باب القاعة من جوه.
وقلت
أصل في حاجة واحدة نسيتي تعرفيها يا فريدة...
القاعة دي... بتاعتي أنا.
أول ما الجملة خرجت من بوقي، حسيت إن الزمن وقف ثانية كاملة.
القاعة دي... بتاعتي أنا.
فريدة بصتلي كأنها ما فهمتش اللي اتقال.
كريم ضحك ضحكة عصبية وقال
إيه الهبل ده؟
لكن مدير التشغيل اللي كان واقف جنبي اتقدم خطوة وقال باحترام
أستاذة مايا هي المالكة الرسمية للقاعة.
ساعتها الضحكة اختفت من وش كريم.
وفريدة فتحت بقها وهي باصة بيني وبين المدير.
إنت بتقول إيه؟!
المدير مد إيده بملف.
كل العقود النهائية بتمضي بموافقتها.
كان منظرها صعب.
مش عشان اتكسرت.
لكن عشان لأول مرة في حياتها تكتشف إنها ما كانتش عارفة كل حاجة.
أنا عمري ما كنت بحب أشوف حد مكسور.
حتى لو الشخص ده أذاني.
لكن الحقيقة إن فريدة وكريم كانوا بقالهم سنين بيتعاملوا معايا كإني عبء.
كإني غلطة حصلت في العيلة.
ولحد اللحظة دي كانوا مقتنعين إنهم أعلى مني بكتير.
فريدة قالت بصوت مهزوز
يعني... إنتِ مالكة القاعة؟
هزيت راسي.
آه.
من إمتى؟
من سنتين.
وما قولتيش؟
ابتسمت.
محدش سأل.
سكتت.
لأنها عارفة إن دي الحقيقة.
ولا مرة حد فيهم سألني أنا بشتغل إيه.
ولا مرة حد اهتم يعرف أنا عايشة إزاي.
كانوا بيحبوا يسمعوا النسخة اللي في دماغهم وخلاص.
أمي وصلت في اللحظة دي.
كانت جاية مستعجلة.
أول ما شافتنا قالت
إيه اللي بيحصل؟
فريدة لفت ناحيتها.
ماما... مايا مالكة القاعة.
أمي ضحكت.
افتكرت إنها نكتة.
لكن لما بصت لوشوش الناس حواليها فهمت إن محدش بيهزر.
وشها شحب.
وبصتلي كأنها بتشوفني لأول مرة.
قالت
بجد؟
آه.
فضلت ساكتة.
ثواني طويلة.
بعدها قالت
طب ليه مخبية؟
ضحكت بهدوء.
وليه أقول؟
ما كانش عندها رد.
لأنها كانت من أكتر الناس اللي حكموا عليا.
بعد طلاقي بشهور قليلة كنت بروح عندها أبكي.
كنت حرفيًا مكسورة.
وكان كل اللي بسمعه
إنتِ السبب.
لو كنتِ أذكى كان جوزك ما سابكيش.
لو كنتِ مركزة في بيتك كان مشروعك نجح.
الجمل دي عمرها ما خرجت من دماغي.
عشان كده لما وقفت على رجلي تاني ما حكتش لحد.
ولا حتى لأقرب الناس.
فريدة فجأة افتكرت المشكلة الأساسية.
وقالت بسرعة
طيب خلاص... افتحي القاعة.
مقفولة ليه أصلًا؟
فتحت الملف اللي في إيدي.
وقلت
عشان العقد متنفذش.
كريم اتعصب.
إيه العقد اللي متنفذش؟
قلبت الصفحات.
دفعة أخيرة ناقصة.
عدد ضيوف مخالف.
طلبات إضافية بدون سداد.
شركة الورد لسه ما أخدتش مستحقاتها.
شركة الأكل مهددة بالانسحاب.
كل كلمة كنت بقولها كانت بتوقع أكتر.
فريدة قالت
كل الناس بتعمل كده.
مش مشكلة كبيرة.
هزيت راسي.
في حفلة صغيرة ممكن.
لكن مش في قاعة فيها ألف شخص.
في تأمين.
في سلامة.
في مسئولية قانونية.
كريم قال
يعني هتبوظي عيد ميلاد أختك؟
بصيتله مباشرة.
أنا ما بوظتش حاجة.
أنا بطلب تنفيذ عقد أنتم مضيتوا عليه.
سكت.
لأنه عارف إني صح.
بدأت الأزمة تكبر.
المعازيم هيقربوا.
والوقت بيجري.
فريدة كانت حرفيًا على وشك الانهيار.
وفجأة حصل شيء ما توقعتهوش.
فريدة قعدت على كرسي.
وبدأت تعيط.
مش عياط تمثيل.
عياط حقيقي.
لأول مرة أشوفها بالشكل ده.
كل سنين