العجوز الكئيب
بيقرأ.
وفي يوم، دخلت المطبخ ولقيتها قاعدة قدام الحاج فؤاد.
قدامهم صورة قديمة لنوال.
الحاج فؤاد كان بيبصلها.
قالت ليلى
هي كانت بتحبك؟
سكت.
وبعدين قال
أكتر مما كنت أستحق.
ليلى سألت
وإنت كنت بتحبها؟
ابتسم.
كل يوم.
طب ليه كنت زعلان؟
الحاج فؤاد مسح عينه.
عشان كنت فاكر إن الحزن هو الطريقة الوحيدة اللي تخليني أفتكرها.
ليلى هزت راسها.
وقالت
بس هي كانت عايزاك تضحك.
بص لها.
مين قالك؟
هي.
ضحك.
طبعًا.
بعدها بسنة، كان القصر مختلف تمامًا.
الورد رجع للحديقة.
الصور رجعت للحوايط.
والكرسي اللي كان فاضي جنب الحاج فؤاد بقى عليه وردة صغيرة كل يوم.
أما أنا، فبقيت بطبخ شوربة نوال كل جمعة.
مش لأنها أكلة.
لكن لأنها بقت ذكرى.
وفي يوم، وأنا بحط الطبق على السفرة، لقيت ظرف صغير جنبه.
مكتوب عليه
لمريم.
فتحته.
كان فيه ورقة واحدة.
بخط نوال.
واضح إنها كانت مخبياها في مكان ما، وظهرت ضمن الأوراق اللي الشرطة سلمتها بعد انتهاء التحقيقات.
مكتوب فيها
مريم، لو وصلتي لحد هنا، فمعناه إن بنتك كانت أجرأ مني.
ضحكت ودموعي نزلت.
وكملت
ما تخليش الفلوس تخليكي تنسي إنك أم.
بصيت ناحية ليلى.
كانت بتضحك مع أحمد في الحديقة.
وكملت القراءة
ولو فؤاد لسه بيضحك، يبقى أنا كسبت.
ضحكت وأنا بعيط.
الحاج فؤاد دخل.
سأل
إيه؟
مديتله الورقة.
قرأها.
وسكت.
وبعدين قال
دي كانت عارفة.
عارفة إيه؟
إنك هتدخلي حياتنا.
ضحكت.
أنا نفسي مش عارفة إزاي.
ابتسم.
وقال
يمكن بعض الناس بتموت لكن بتسيب طريق للناس اللي بعدها.
بصيت لليلى.
وهي سابت طريقها.
الحاج فؤاد قال
وأنتِ مشيتي فيه.
بالليل، ليلى نامت في أوضتها.
وأنا قعدت جنبها.
افتكرت أول يوم.
افتكرت الأربع آلاف جنيه.
الإيجار.
جزمة ليلى.
بخاخ الربو.
وخوفي إني أنام في الشارع.
كنت فاكرة إني قبلت الشغل عشان الفلوس.
لكن الحقيقة
إن الشغلانة دي أنقذت أكتر من بيت.
أنقذت رجل عجوز من إنه يعيش باقي عمره وحيد.
ورجّعت ابن لأبوه.
وكشفت حقيقة ست ماتت وهي بتحاول تحمي عيلتها.
وأنا؟
أنا اكتشفت إن أحيانًا
أصغر باب ممكن تدخليه مضطرة
يكون وراه أكبر تغيير في حياتك.
وقبل ما أقفل باب أوضة ليلى، سمعتها وهي نايمة بتهمس
تصبحي على خير يا ماما نوال.
وقفت.
بصيت حواليها.
مفيش حد.
ابتسمت.
وقلت
وإنتِ من أهله يا حبيبتي.
لكن قبل ما أمشي
سمعت ضحكة خفيفة جدًا.
ضحكة ست.
جايه من ناحية الشباك.
وقفت مكاني.
وبصيت ناحية الستارة.
الهواء كان بيحركها.
وما كانش فيه حد.
يمكن كانت مجرد نسمة.
يمكن خيال.
ويمكن
بعض الحكايات ما بتخلصش لما السر ينكشف.
بتخلص لما الناس اللي عاشوا فيها
يتعلموا أخيرًا يعيشوا من غير خوف.
وده كان آخر يوم ليا في بيت الحاج فؤاد كشغالة.
لأني في اليوم اللي بعده
ما بقيتش الطباخة الجديدة.
بقيت شريكة في مطبخ صغير فتحه الحاج فؤاد باسمي.
وكان أول طبق في المنيو
شوربة نوال.
وتحت الاسم كان مكتوب
لأن بعض الذكريات تستحق إنها تتذاق مش بس تتفتكر.
ومن يومها
كل ما حد يسألني إزاي حياتي اتغيرت؟
بقول له
بأربعة آلاف جنيه.
لكن جوايا كنت عارفة الحقيقة.
الأربع آلاف جنيه كانوا مجرد السبب اللي خلاني أخبط على باب القصر.
أما اللي فتح الباب فعلًا
فكانت بنت صغيرة عندها خمس سنين، ورسمة كلب بني، واسم ست ميتة من تلات سنين.
نوال.
والحكاية انتهت
بس أثرها فضل عايش في بيت كان ساكت سنين.
وأخيرًا
رجع يسمع الضحك.