العجوز الكئيب
٤٠٠٠ جنيه كانوا هما الفاصلين بين بنتي وبين إنها تبات في الشارع، عشان كده لما قبلت شغلانة طبخ عند أغنى وأمرّ راجل في القاهرة، وافقت رغم التحذير.
ست طباخين كانوا سابوا الشغل قبلي، والأطفال ممنوعين يدخلوا قصره، وأنا كنت متأكدة إن مجرد إني أجيب بنتي ليلى، اللي عندها خمس سنين، معايا هيخليني أخسر الشغل لحد ما ابن المليونير رجع البيت فجأة، وسمع أبوه بيضحك لأول مرة من يوم ما مراته ماتت.
اسمي مريم محمود.
الإيجار كان ميعاده بعد تسع أيام.
وليلى كانت محتاجة جزمة جديدة.
وأنا كنت بطوّل في استخدام بخاخ الربو بتاعي أكتر بكتير من المفروض.
ف لما مكتب توظيف عرض عليّا مرتب شهر كامل، وكان أعلى بكتير من الطبيعي، مقابل إني أطبخ ل الحاج فؤاد الشامي، وافقت رغم التحذير.
الست اللي في الاستقبال قالتلي
هو بيكره كل الناس.
وهي ما كانتش بتبالغ.
قصر الحاج فؤاد كان ضخم وجميل بس ميت تمامًا.
مفيش صور.
مفيش ورد.
مفيش أي دليل إن حد ضحك جواه من سنين.
الحاجة زينب، مديرة البيت اللي شغالة عنده من سنين، قابلتني عند الباب.
وبعدين شافت ليلى.
وشها اتغير.
وقالت
الحاج فؤاد ما بيقبلش وجود أطفال.
بطني اتقبضت.
قلت
اللي كانت قاعدة معاها تعبت. هي بس النهارده.
الحاجة زينب وطّت صوتها وقالت
خليها ما تبانش.
نزلت جنب ليلى وقلت لها
فاكرة؟
هزت راسها بجدية.
وقالت
أنا فأرة.
الكلمتين دول كانوا هيكسروا قلبي.
مفيش طفلة عندها خمس سنين المفروض تضطر تختفي عشان أمها تعرف تجيب تمن الإيجار.
قعدتها في المطبخ، واديتها ألوان، وبدأت أتعلم قواعد الحاج فؤاد.
ممنوع البهارات التقيلة.
ممنوع المفاجآت.
ممنوع الصوصات الغنية.
تقريبًا مفيش حاجة مسموح بيها لو ممكن تخلي الأكل ممتع.
وفي الآخر سألت
هو كان بيحب إيه زمان؟
الحاجة زينب بصتلي.
وقالت
قبل ما مراته نوال تموت، كانت بتعمله شوربة قرع بالعسل، وفطيرة فراخ، وعيش بالزبدة والعسل.
وفجأة سمعت خطوات في الطرقة.
الحاج فؤاد الشامي ظهر.
عنده ٧٢ سنة.
شعره أبيض.
لابس كارديجان غامق.
ووشه كأنه متصمم مخصوص عشان يمنع أي حد من إنه يفتح معاه كلام.
عينيه وقعت على ليلى.
وقال
البنت دي بتعمل إيه في مطبخي؟
بدأت أعتذر.
لو حضرتك عايزني أمشي
لكن ليلى نزلت من على الكرسي قبل ما أقدر أوقفها.
ومشيت ناحيته على طول وهي ماسكة رسمة.
وقالت
أنا رسمتلك كلب.
الحاجة زينب تقريبًا بطلت تتنفس.
الحاج فؤاد بص للكلب البني المعوّج في الرسمة.
ليلى رفعت الرسمة أكتر.
وقالت
إنت شكلك واحد محتاج كلب.
كنت عايزة الأرض تنشق وتبلعني.
الحاج فؤاد فتح بقه.
وقال
أنا مش محتاج كلب.
لكنه أخد الرسمة.
بإيديه الاتنين.
وبحرص شديد.
وبعدين مشي من غير ما يطردني.
الحاجة زينب بصتله وهي مذهولة.
وقالت
دي أول مرة تحصل.
قررت أخاطر بحاجة تانية.
عملت شوربة نوال.
ولما الحاج فؤاد رجع وقت الغدا، أخد معلقة واحدة
واتجمد مكانه.
فضلت كام ثانية وأنا فاكرة إني عملت غلطة كبيرة.
وبعدين ليلى سألت من على كرسيها
مراتك هي اللي علمت ماما؟
الحاج فؤاد بص لها.
وقال
لأ.
ليلى قالت
أمال ماما عرفت تعمل شوربتك الحزينة إزاي؟
كنت هوقع المغرفة من إيدي.
الحاج فؤاد بص لها باستغراب.
شوربتي إيه؟
قالت
شوربتك الحزينة.
وساعتها حصلت حاجة مستحيل تحصل.
الحاج فؤاد ضحك.
مش ضحكة مجاملة.
ولا ضحكة مرة واحدة.
ده رجع لورا وفضل يضحك لحد ما عينيه دمعت.
وده كان بالظبط الوقت اللي باب المطبخ اتفتح فيه.
راجل لابس بدلة كحلي غالية، وفي إيده شنطة، كان واقف هناك.
الحاجة زينب وشها شحب.
وقالت
الأستاذ أحمد.
عرفت فورًا إنه ابن الحاج فؤاد، المليونير اللي كان هو اللي وظفني عن طريق مكتب التوظيف.
هو ما بصليش.
كان باصص لأبوه.
وقال
إنت بتضحك.
ابتسامة الحاج فؤاد اختفت.
وبعدين أحمد لاحظ ليلى.
وبعدها شاف الرسمة اللي كانت جنب طبق أبوه.
وشه اتغير تمامًا.
وقال بصوت واطي
بابا البنت الصغيرة دي عرفت الاسم ده منين؟
بصيت لتحت.
ليلى كانت كاتبة حاجة تحت الكلب البني، حاجة أنا ما كنتش واخدة بالي منها قبل كده.
نوال.
الفصل الأول الاسم اللي رجّع الماضي
فضلت واقفة مكاني، والمغرفة في إيدي، وأنا ببص على الكلمة الصغيرة اللي ليلى كتبتها تحت رسمة الكلب.
نوال.
قلبي دق بسرعة.
مش عشان الاسم نفسه.
لكن عشان الطريقة اللي أحمد قال بيها
بابا البنت الصغيرة دي عرفت الاسم ده منين؟
ليلى بصتله باستغراب.
وبعدين بصت لأبوها.
وقالت بمنتهى البراءة
أنا ما عرفتش.
أحمد قرب خطوة.
أمال كتبتي نوال ليه؟
ليلى رفعت كتفها.
عشان الست اللي في الصورة قالتلي أكتب كده.
سكت المكان كله.
الحاج فؤاد حط المعلقة على الترابيزة ببطء.
وقال
أي صورة؟
ليلى أشارت على الحيطة.
الحاجة زينب شهقت.
أنا بصيت ناحية الحيطة.
مفيش صورة.
ولا حتى برواز.
ليلى كانت بتشاور على مساحة فاضية جنب باب المطبخ.
قلت بسرعة
هي بتتخيل يا أستاذ أحمد.
لكن أحمد ما ردش.
فضل باصص لأخته الصغيرة أقصد لليلى، وكأنه بيحاول يفهم.
وبعدين بص لأبوه.
بابا، إحنا محتاجين نتكلم.
الحاج فؤاد رد بحدة
مش دلوقتي.
لأ، دلوقتي.
قلت مش دلوقتي.
أحمد سكت.
الحاجة زينب حاولت تنقذ الموقف.
الأكل هيبرد.
لكن محدش اتحرك.
أنا حطيت إيدي على كتف ليلى.
وقلت
تعالي يا حبيبتي.
ليلى قربت مني.
لكن قبل ما نخرج، سمعت صوت الحاج فؤاد.
مريم.
لفيت.
نعم؟
الشوربة مين علمك تعمليها؟
بلعت ريقي.
محدش.
يعني إيه؟
أنا بقرأ وصفات وبجرب.
فضل ساكت شوية.
وبعدين قال
بكره تعمليها تاني.
اتصدمت.
تاني؟
أيوه.
وبعدين بص لابنه.
وأنت تعالى ورايا.
خرج هو وأحمد.
الحاجة زينب فضلت واقفة مكانها، وبصتلي.
إنتِ عارفة عملتي إيه؟
هزيت راسي.
والله ما أعرف.
قربت مني وهمست
الحاج فؤاد بقاله عشرين سنة ما طلبش شوربة نوال.
أنا اتنهدت.
هو حضرتك قلتيلي إنها كانت بتحب تعملها.
آه.
طب إيه المشكلة؟
الحاجة زينب بصت ناحية الباب اللي خرج منه أحمد.
المشكلة إن الحاج فؤاد مش بس حزين على مراته.
سكتت.
في حاجة حصلت بينهم قبل ما تموت.
إيه؟
محدش يعرف.
قلت
طب وابنه؟
ضحكت بسخرية.
أحمد؟ ده أكتر واحد مش عارف.
بصيت ناحية الباب.
إزاي؟
لأن فؤاد الشامي لما بيتوجع، بيقفل الباب.
سكتت شوية.
وبعدين قالت
والمشكلة إن أحمد رجع النهارده بعد غياب تلات سنين.
حسيت إن الجو كله اتغير.
أنا كنت داخلة القصر عشان مرتب.
أربعة آلاف جنيه زيادة عن أي شغل طبخ تاني.
فلوس تنقذني أنا وليلى من الشارع.
لكن واضح إني دخلت بيت شايل أسرار أكتر بكتير من اللي كنت متخيلة.
بعد حوالي نص ساعة، أحمد خرج من مكتب أبوه.
كان وشه متوتر.
وأول ما شافني، وقف.
قال
إنتِ مريم؟
أيوه.
أمي كانت بتحب شوربة القرع بالعسل؟
السؤال كان غريب.
قلت
الحاجة زينب قالتلي.
بس؟
أيوه.
فضل باصصلي.
ومعرفة اسمها؟
اسمها مكتوب على الرسمة.
بص لليلى.
كانت قاعدة على الأرض بتلوّن.
راح ناحيتها وقعد على ركبة واحدة.
ليلى.
رفعت عينيها.
نعم؟
إنتِ شفتي صورة ست هنا؟
هزت راسها.
آه.
أنا اتدخلت
هي بتتخيل.
لكن ليلى قالت
لأ، بجد.
أحمد بصلي.
فين؟
ليلى قامت.
ومسكت إيده.
ومشيت بيه ناحية آخر المطبخ.
وقفت قدام حائط فاضي.
وأشارت.
هنا.
أحمد لمس الحائط.
وبعدين ضحك ضحكة قصيرة.
مفيش حاجة.
ليلى قالت
الصورة كانت هنا.
كانت؟
آه. وبعدين الراجل شالها.
راجل مين؟
ليلى فكرت.
الراجل اللي بيزعق.
وش أحمد اتغير.
بيزعق لمين؟
للسِت.
أنا حسيت إني لازم أوقف الكلام.
ليلى، كفاية.
لكن أحمد كان أسرع.
أنتِ سمعتي حد بيزعق؟
ليلى هزت راسها.
لأ.
أمال؟
الست قالتلي.
سكت.
أحمد قام.
وبصلي بحدة.
ممكن آخد دقيقة معاكِ؟
مشيت معاه بعيد عن ليلى.
قال
إنتِ بتقولي إن بنتك سمعت الكلام ده النهارده؟
أنا بقولك بنتي عندها خمس سنين وبتحب تتخيل.
مش كل حاجة الأطفال بيقولوها خيال.
وأنا مش بقول إنها كدابة.
أمال؟
تنهدت.
أنا عايزة الشغل.
بصلي باستغراب.
قلت
أنا محتاجة المرتب ده. ومحتاجة أخلص الشهر ده من غير مشاكل. لو وجود بنتي هيعمل مشكلة، أنا ممكن أخليها تقعد في المطبخ ومحدش يشوفها.
سكت.
وبعدين قال
مش أنا اللي بمنع الأطفال.
أبوك.
آه.
يبقى أنا هلتزم.
فضل ساكت.
وبعدين قال
خليها معاكِ.
اتصدمت.
إيه؟
قلت خليها.
بس أبوك
أنا هتكلم معاه.
وبعدين مشي.
أنا بصيت وراه.
الحاجة زينب كانت واقفة بعيد.
قربت مني وقالت
إنتِ محظوظة.
ليه؟
أحمد مش شبه أبوه.
بصيتلها.
يعني؟
يعني لو فؤاد الشامي قال الباب، الباب بيتقفل.
وأحمد؟
أحمد بيسأل الأول ليه.
في اليوم التاني، بدأت الشغل بدري.
عملت الفطيرة اللي قالت عليها الحاجة زينب.
وحطيت العسل والزبدة جنب العيش.
لكن الحاج فؤاد ما لمسش الفطار.
قعد قدام الطبق وبس.
قلت
حضرتك مش عاجبك؟
لأ.
فيه حاجة غلط؟
مفيش.
أمال؟
رفع عينه لي.
أنا من إمتى بقيت أقول للناس الأكل حلو؟
ابتسمت غصب عني.
من إمبارح.
بصلي.
ولأول مرة حسيت إنه ممكن يبتسم.
لكن ما ابتسمش.
اكتفى