عيد ميلاد حماتى ال 60

لمحة نيوز

شعري زي ما كان يوم فرحنا، وحطيت المكياج الخفيف اللي كنت بحطّه زمان. وقفت قدام المرآة تاني، وابتسمت. مش ابتسامة حزينة ابتسامة واثقة. عرفت بالظبط إزاي راح يكون المشهد.
بعد ربع ساعة، فتحت باب الأوضة، ونزلت السلم خطوة بخطوة.

الفصل الثاني النزول اللي غيّر كل شيء
لما بدأت أنزل السلم، أول واحد لاحظني كان كريم. كان واقف قريب من السلم بيتكلم مع حد، فلما شافني، سكت فجأة وعينه اتوسعت. مش عشان الفستان بس لأنه شافني واقفة بكل ثقة، والابتسامة على وشي، والكل بدأ يلتفت لي شوية شوية.
الموسيقى كانت لسه شغالة، لكن صوتها بدأ يختفي قدام نظرات الناس. نزلت آخر درجة في السلم، وقفت شوية، وبصيت للكل لثمانين شخص معزوم في بيتي وبعدين عينيا وقعت على طنط نوال.
كانت واقفة في نص الصالة، جنبها التورتة الكبيرة اللي عملتها لها، ويدها على خصرها، مستنية تفرح وتقطع التورتة. لما شافتني نازلة بالفستان ده، ابتسامتها تجمدت على وشها. شفت الصدمة في عيونها، وبعدين الغضب بدأ يظهر. فكرت أولًا إني جاية أتشاجر، وكنت مستعدة ترد عليّ بكلام قوي.
لكني ما رديت. مشيت بكل هدوء وسط الناس، وكلهم بيتنحوا لي طريق، لحد ما وصلت قدامها. وقفت قدامها بابتسامة هادية، وقلت بصوت واضح يسمعه كل اللي موجود
مساء الخير يا جماعة. آسفة لو قطعت عليكم فرحتكم دقيقة واحدة بس. حابة أقول كلمتين بمناسبة عيد ميلاد طنط نوال الستين الست اللي أنا بحبها وبحترمها أكتر من أي حد، واللي كانت ليّ أمّا تانية طول تسع سنين.
سكت المكان كله. حتى الموسيقى اللي كانت شغالة من ورايا لما لاحظ ال DJ إن الكل ساكت، خفض الصوت لحد ما سكت تمامًا. بصيت للناس حواليا، وشفت الوجوه ناس مستغربة، ناس حاسة إن فيه حاجة غريبة، وناس عارفين قصتنا وعيونهم بتلمع بالدمع.
رجعت بصيت لطنط نوال، وقلت لها بصوت حنين ومش قاسي
يا طنط نوال، أنا بحبك. ولما طلبتي مني أعمل الحفلة دي في بيتي، فرحت بيكِ من كل قلبي. قلتي لي عشرون شخص، فوافقتِ. وصلت تمانين، وقبلتِ. غيرتي ترتيب بيتي، شلتِ صور عيلتي من الصالة، وقلتِ لي وجودي بيزعج ضيوفي وطلعتِ فوق زي ما طلبتي. عملتِ كل ده عشان تفرحي في يوم عيد ميلادك. وأنا استحملتِ كل ده عشان خاطركِ.
سكتّ شوية، وبلعت دمعة نزلت رغماً عني، وكملت بصوت أعمق
لكن اللي ما تعرفيه إن ده مش بيتك. ده بيتي أنا وكرّيم. بيت بنينا سوا بدم قلبنا. بيت نشأت فيه أولادنا. ولما طلبتي مني أطلع فوق عشان ما أزعج الناس، وافقتِ بس ما قلتيليش ليه؟ اللي طلبتيه مني مش عشان أريح نفسي. ده عشان تحسي إنكِ ملكة المكان ده كلو، وإن أنا مجرد خادمة عندك تخدمك وتختفي لما تطلبي.
الناس بدأت تهمس حوالينا. بصيت لصحاب طنط نوال اللي كانوا معاها وشفت الإحراج في عيونهم. عرفوا إنهم كانوا في موقف غلط، وإن الست اللي كانوا بيعزّوها عملت حاجة مش لطيفة أبدًا.
طنط نوال حاولت تتكلم منة... إيه اللي بتقوليه ده؟. قلت لها بهدوء
أنا مش جاية أخاصمك يا طنط نوال. أنا جاية أعطيكِ اللي طلبتيه بالظبط. طلبتي مني أطلع فوق وأسيبكِ تفرحي وده اللي أنا عملته. بس حابة تعرفي حاجة واحدة أنا ما بكرهكش. بس لازم تعرفي إن الكرامة ما بتباعش ولا بتتشترى. وإن الحب مش معناه إنك تمسحِ شخص من وجوده عشان تفرحي أنتِ.
لفّيت بصيت للضيوف كلهم، وقلت
أهلاً وسهلاً بيكم جميعًا في بيتي. كل واحد فيكم معزوم بكل حب. الأكل جاهز، والشراب متوفر، والبيت بيتكم. أما أنا فاللي طلبته مني طنط نوال أن أطلع فوق وأسيبها براحتها. وها أنا ذا سأفعل. أتمنى لكم ليلة سعيدة، وعيد ميلاد سعيد يا طنط نوال.
بست كفّها بكل احترام وطلعت أمشي ناحية السلم.
ولكن قبل ما أخطو أول خطوة، سمعت صوت مش صوت طنط نوال. صوت ست من ورايا قالت لا يا منة، امسكي شوية. لفّيت وكانت واحدة من صديقات طنط نوال القدامى، اللي كانت تعرفها من زمان. قالت بصوت عالي
والحق معاها يا نوال. إيه اللي عملتيه ده؟ جيتي على بيتها، عزمتِ ناس بلا علمها، شلتي صور عيلتها، وطلبتي منها تطلع فوق؟ ده كلام يطلع منك؟.
واحد تاني راجل قريب لهم قال صدقني يا نوال، كنت حاسس إن فيه حاجة غريبة من أول ما جيت. ما كانش لازم تعمل كده.
وابتدوا كلامهم ييجوا من كل ناحية ناس بتقول لها الحق، ناس بتعتذر لي، وناس بتقول إنهم ما كانوا يعرفوا إن الموضوع واصل لكده. ووقفت طنط نوال في النص، وشها أصفر، ويدها بترتجف، والكل بيتكلم وهي ما عندهاش رد.
بصيت لها وشفتها صغيرة جدًا قدام كل ده. شفت الست القوية اللي كانت بترأس كل حاجة، وهي الآن واقفة لوحدها ومحطّمة. وفجأة، ما شفتش العدوّة شفت الست اللي فقدت زوجها، وفقدت أمانها، وبدأت تحاول تمسك في أي حاجة تخلّيها تحس إنها لسه موجودة، وإن لسه ليها قيمة. كانت بتسيطر عشان تحس بالأمان مش عشان تضايقني. ده اللي اكتشفته في اللحظة دي.
مشيت نحيتها تاني، ومسكت إيدها اللي كانت بترتجف. قلت لها بصوتنا نحن الاثنين بس
أنا عارفة إنك وحيدة من بعد رحيل الحاجّ عبد المنعم. وعارفة إنك خايفة. بس مش معنى كده إنك تمسكِ في بيتي وتحسي إنكِ تملكيه. البيت مش مبانٍ وحيطان يا طنط نوال. البيت الناس اللي فيه. وأنا كنت واقفة جنبك طول الوقت. وما كنتش هسيبك أبدًا.
دمعة نزلت من عينها أول دمعة أشوفها منها من يوم ما مات جوزها. مسكت إيدي بقوة، وقالت بصوت مخنوق سامحيني يا منة... والله ما كان قصدي أضايقك. أنا بس... حسيت إن الدنيا كلها سابتني، وحبيت أحس إن لسه لي حاجة أقدر أتحكم فيها. وما حستش بنفسي إلا وأنا عملت كل ده.
ضميتها لصدري قدام الناس كلهم، وقلت لها خلاص، ولا يهمك. ربنا يكتب لنا الخير. المهم إنكِ رجعتِ ليا.

الفصل الثالث ما بعد الحفلة
الحفلة ما خلصت بالطريقة اللي كنت فاكراها. لمّا قعدنا سوا أنا وطنط نوال وكريم في الجنينة بعد ما مشى الناس، كانت الساعة واحدة بعد منتصف الليل. البيت هادي، والنجوم بتلمع فوقنا، وبقينا نكلم بعض بقلوبنا قبل ألسنتنا.
طنط نوال حكت لي كل حاجة كيف كانت تشعر بالفراغ كل ما تروح لشقتها، كيف كانت الخوف يأكلها من الداخل إننا ننساها، إن حياتها بقت فاضية بلا هدف. قالت لي عندما طلبت منك الحفلة دي، كنت فاكرة إن لما المكان يمتلئ ناس، هحسّ إن الحياة رجعت لي. لكن كل ما كبر الحفلة، كل ما كنت أحسّ بفراغ أكتر جوايا. ولما طلبت منك تطلعي فوق، كنت فاكرة إن كده أنا انتصرت وإن الكل شايفني كبيرة. وطلعتِ فوق ولقيت نفسي وحيدة وسط كل دولة.
مسكت إيدها وقلت لها أنتِ مش وحيدة أبدًا. أنا وكريم والأولاد كلنا معاكِ. بس المشكلة إنك كنتِ بتدوري على الأمان في السيطرة على الغير والأمان ما بيجيش إلا من
جواكِ.
اتفقنا على حاجة مهمة في الليلة دي. من بكرة، نرجع صورنا لمكانها الأصلي. نرجع ترتيب البيت زي ما كان. وكل ما تحب نعمل تجمع، نعمله سوا بالاتفاق، وبالعدد اللي نقدر عليه جميعًا. وإنها تيجي تقعد معانا في بيتنا كل يوم، مش بس في المناسبات.
مرّت الأيام، واتغيرت حاجات كتير ولو إنها اتغيرت للأحسن. طنط نوال بدأت ترجع لطبيعتها الحقيقية الست الحنينة اللي بحبها. رجعت تضحك من قلبها، رجعت تعمل أكلاتها اللي بنحبها، ورجعت هي اللي بتنسينا في البيت بوجودها. بس الفرق إنها دلوقتي بتعرف حدودها وتعرف إن احترام مشاعري وكرامتي جزء من الحب اللي بيننا.
كلماتها اللي قالتلي في الليلة دي ما نسيتها أبدًا يا منة، الستات زيي لما يكبرن ويشعرن بالوحدة، بيحاولن يملوا الفراغ بأي حاجة حتى لو كانت بسيطرتهم على اللي حولهم. لكنكِ علمتيني إن الحب الحقيقي ما بيتطلبش إحداث ثغرة في كرامة حد.
وبعد مرور سنة كاملة، عملنا عيد ميلادها الحادي والستين وهذه المرة كانت في بيتنا، واتفقنا عليها من الأول. عزمنا عشرين شخص بالظبط زي ما هي قالت أول مرة. صورنا كانت في مكانها، والبيت مرتب زي ما أنا بحب. وهي كانت أسعد واحدة فيهم كلهم. ولما قعدنا نأكل، مسكت يدي وقالت بصوت عالي قدام الكل ده النعمة اللي ربنا رزقني بيها مرات ابني اللي كانت ليّ بنت، وأكتر من بنت.
في النهاية، اتعلمت درس غالي جدًا. الحب مش معناه إنك تتنازل عن كرامتك لحد مهما كان غالي عليك. والعلاقات السليمة بتقوم على الاتفاق والاحترام المتبادل، مش على إن طرف يأمر وطرف يطيع. واتعلمت كمان إن وراء كل تصرف قاسي، غالبًا فيه قلب خايف ومجروح وإن الصبر والتفاهم هما المفتاح اللي بيفتح كل باب مغلق.
الحياة ما بتخلص من المشاكل، بس المشاكل دي هي اللي بتعرفنا قيمة بعض. وطنط نوال وأنا مرّنا باختبار صعب، ونجحنا فيه. وكل ما بفتكر الليلة دي، أكون ممتنة لربنا إني لم أردّ الإهانة بالإهانة، بل رديت بالحب والتفاهم لأن ده اللي بيصلح النفوس، وده اللي بيدوم.

تم نسخ الرابط