عيد ميلاد حماتى ال 60

لمحة نيوز

فيها كل حاجة
اسمي منة، عمري 38 سنة، متجوزة كريم بقالنا تسع سنين كاملة. ولحد ما حدث اللي حصل في عيد ميلاد طنط نوال الستين، كنت دايماً أقول إن حماتي نعمة من ربنا. كنت أقول لنفسي الناس بتشتكي من حماتاتها، وأنا عندي واحدة زيها، حنينة، بتحبني، بتعاملني زي بنتها. وصدقني، ما كنتش بكذب عليّ نفسي. كانت فعلاً كده طول السنين دي كلها، لمسة حنان، كلمة طيبة، واقفة جنبي في كل حاجة. لما خلفت الأولاد، كانت أول واحدة تجيلي وتقف جنبي. لما مرضت، كانت تجيلي كل يوم وتجيبلي أكلاتي اللي بحبها. حتى في الخلافات الصغيرة اللي بتكون بيني وبين كريم، كانت دايماً تمسك العصاية من النص وتقول له احترم مراتك، دي بنت أصيل.
بس الحياة بتعلمك إن مش كل اللي بيبدا حلو بيستمر حلو. وإن الناس اللي بتعزهم أكتر، هم اللي يقدروا يوجعوك أكتر من أي حد تاني.
من يوم ما جوزها توفي، طنط نوال اتغيرت تماماً. الست القوية اللي كانت بترأس كل العزومات والتجمعات، اللي صوتها بيعلى في البيت وكلنا نسمع كلامها، بقيت قاعدة لوحدها في شقتها لأيام طويلة، ما بتطلعش، ما بتكلمش حد كتير. زي ما جزء منها مات معاه. حاولنا نعوضها عنه. كريم كان يروح لها كل يوم بعد الشغل. أنا كنت أروح وأقعد معاها، أطبخ لها، أحاول أونس عليها. كنت بحس إنها محتاجة لنا، وإننا لازم نكون جنبها.
لما قرب عيد ميلادها الستين، جت لي في بيتنا وقعدت معايا في الجنينة، وعيونها بتلمع زي ما كانت بتلمع زمان، وقالت لي يا منة، عايزة أعمل عيد ميلادي عندكم هنا. مش عايزة حاجة كبيرة، عشرين واحد بالكتير. ناس نحبهم، نجلس مع بعض، نأكل، وننسى شوية الهم.
قلت لها من غير ما أفكر طبعاً يا طنط نوال، البيت بيتك، وكل اللي تريده هيكون.
قضينا أسبوعين كاملين نجهز سوا. اخترنا الأكل مع بعض، طلبنا التورتة اللي بتحبها تورتة الفاكهة بالكريمة اللي كانت بتحبها من يوم ما كان جوزها حي رتبنا الجنينة، نضفنا البيت من أوله لآخره. حتى خدت يوم الجمعة إجازة من شغلي عشان ما أكونش مشغولة وأكون معاها طول الوقت. كنت فرحانة جداً، فرحانة إنها أخيراً بدأت ترجع لنفسها، وإن الحياة ابتدت تضحك لها تاني.
لكن قبل الحفلة بيوم، بدأت أشوف حاجات غريبة. بدأت تتعامل مع بيتنا كأنها ملكها هي، مش بيت ابنها ومراته. كانت تيجي وتقول لي الكراسي دي شكلها وحش، غيريها، الترابيزة دي مكانها غلط، سيبيها أهنا، الإضاءة دي ضعيفة، لازم نجيب أقوى منها. مرة دخلت الصالة ولقيتها بتحرك الكنبة لوحدها! وقفت متصدمة وقلت لها طنط نوال، بتعملي إيه؟ ده بيتي وأنا أعرف ترتيب الأثاث أحسن من كده. بصت لي بكل برود وقالت يا حبيبتي، ده عيد ميلادي، عايزة المكان يبقى شكله حلو. ما فيش مشكلة في كده، صح؟.
قلت لنفسي خلاص، يوم وهيعدّي. هي ست كبيرة، وفقدت جوزها، محتاجة تحس إن لسه ليها قيمة ووجود. ساعدها تمر اليوم ده بسلام.
صحيت بدري يوم الحفلة، الساعة ست الصبح، عشان أكمل التجهيزات. وكنت بجهز المطبخ، سمعت صوت عربيات بتقف قدام البيت. خرجت لأشوف إيه اللي بيحصل ولقيت ناس داخلين بحمالات وأطباق، وراهم راجل بالجهاز صوت وسمّاعات ضخمة، وبعده عربية نزّلت أكتر من خمسين كرسي!
قلت مصدومة مين دول؟ إيه ده كله؟. جت طنط نوال وقفت جنبي وابتسمت بابتسامة ما كنتش عرفتها قبل كده ابتسامة واثقة، قوية، وكأنها بتملك كل حاجة حوالينا. قالت اتصلت بشركة أكل، وطلبت كراسي إضافية، وعزمت ناس تانيين.
قلت بصوتي بيتقطع عشرون واحد يا طنط نوال! اتفقنا على عشرين واحد! كام دول؟. سكتت شوية، وبعدين قالت بكل هدوء تمانين.
تمانين! كلمة رنّت في ودني زي الطلقة. تمانين شخص في بيتي، وأنا آخر واحدة أعرف! حست بدوار، وقفت أمسك بالترابيزة عشان ما أقع. كنت عايزة أصرخ، عايزة أقول لها امشي، كل ده يترجع، مش هينفع. لكن في نفس الوقت، الضيوف ابتدوا يوصلوا. عربيات بتقف، ناس بتسلم عليها، بتهنئها، الهدايا بتتجمع على الباب. كنت واقفة هناك مش عارفة أعمل إيه. لو عملت مشكلة، هتبقى فضيحة، وهبوّل فرحتها اللي استناها سنين. فبلعت لقمة مرّة، وقلت خلاص، اللي يصير يصير. نعدهي الليلة.
قضيت اليوم كله بجري. أستقبل ناس، أقدم أكل، أجيب مشروبات، أتأكد من كل حاجة. كريم كان حاسس بيا، جالي مرة وقال لي تعالي أقعدي شوية يا منة، أنا أخدم مكانك. قلت له مش مهم، خليها تفرح. لحد ما دخلت الصالة ووقفت مكاني.
صورنا كلها اختفت. صورة فرحنا اللي كانت فوق الكنبة، صور الأولاد في أعياد ميلادهم، صور عائلتنا كلها شالت. وفي مكانها؟ صور لطنط نوال لوحدها. صورة ليها وهي صغيرة، صورة ليها مع جوزها، صور ليها مع أصحابها. كأن الصالة بقى معرض شخصي ليها، وأنا وعيلتي ما لنا مكان هنا.
دورت عليها ولقيتها واقفة وسط مجموعة من أصحابها بتضحك. قربت منها وحاولت أكون هادية طنط نوال، صوري راحت فين؟ صورنا اللي كانت هنا؟. ضحكت بصوت عالي وقالت شلتهم مؤقتًا. يا منة، ده عيد ميلادي أنا، مين جاي يتفّرج على صور فرحك؟. الستات اللي جنبها ضحكوا معاها. حست بحرارة تطلع من وجهي، إحراج وغضب في نفس الوقت. قلت لها ده برضه بيتي يا طنط نوال. بصت لي بابتسامة باردة جداً وقالت ليلة واحدة بس، ممكن ما تخليش كل حاجة تتمحور حواليكي؟.
ما رديت. سكتت. رجعت للمطبخ وكلي دموعي. قلت لنفسي اصبري يا منة، كام ساعة وتخلص الحفلة، وكل حاجة ترجع زي ما كانت.
مرّت الساعات، والحفلة في عزها. الموسيقى عالية، الناس بتضحك، الكل مبسوط. وأنا اللي شايلة صينية مشروبات ورايحة أوزعها، لقيت طنط نوال جايّة نحوي. وقفتني، وحولها ناس كتير، وقالت بصوت هادي بس كل اللي حواليها سمعوه منة يا حبيبتي، ممكن تطلعي فوق شوية؟ الناس مش مرتاحة، وجودك طول الوقت بتلفّي وتشيكي عليهم بيزعجهم.
وقفت مصدومة. قلت لنفسي هي اللي عزمت تمانين شخص في بيتي من غير ما أقول كلمة، واللي شالت صور عيلتي، واللي غيرت ترتيب بيتي والآن بتقولي لي وجودي بيزعجهم؟ في بيتي أنا؟
بصيت لها. شفتة عيونها ما كانتش بتعتذر. كانت واثقة، متأكدة إني هعمل اللي هي عايزاه، زي ما عملت طول السنين دي كلها. وافقت بكل بساطة طبعاً يا طنط نوال، الحال لله. وضعت الصينية على أقرب ترابيزة، ومشيت ناحية السلم.
سمعتها ورايا بتضحك وتقول لصاحبتها بنت أصيلة، عارفة الأصول. وصوت الموسيقى ارتفع أكتر.
دخلت أوضتي فوق، وقفلت الباب ورايا. وما بكيتش. ما صرختش. وقفت قدام المرآة وبصيت لنفسي. شفت الست اللي ضحّت بكل حاجة عشان ترضي غيرها، واللي استحملت إهانة ورا إهانة عشان ما تكسّر خاطر حد. وفجأة، حست براحة غريبة. قلت لنفسي كفاية. خلاص سكتّ كتير. والآن، أنا هعمل اللي طلبته مني بالحرف الواحد.
بدأت أجهز نفسي. فتحت الدولاب، واخترت لبسي اللي كنت لبسته في فرحنا الفستان الأبيض الناعم اللي كريم بيحبه كتير. رتبت
تم نسخ الرابط