اخويا ومراته

لمحة نيوز

عنها حاجة، كأنها اختفت من الدنيا، وده كان يزعجني جداً، في الليل كنت أصحى من النوم وأفكر فيها، هي فين؟ عاملة إزاي؟ ابنها بخير؟ وكنت أقول لنفسي أنا عملت إيه؟ ساعدت أخويا وخلّيت مروة تضيع، وكل ما أفكر أكتر، أحس بذنب يأكل قلبي.
وفي يوم من الأيام، كنت رايحة السوق أشتري حاجات، ولما نزلت من التاكسي شفت مشهد غريب، بنت واقفة جنب محل خضار، بتبيع خضار وفاكهة، لابسة عباية نظيفة بس بسيطة، وشها متعب بس مشرق، وولد صغير قاعد جنبها يلعب، ولما بصيت كويس.. قلبي وقع.. كانت مروة.
ما تغيرتش كتير، بس وشها أصبح فيه خطوط تعب، وإيديها اللي كانت ناعمة بقت خشنة زي ما كانت زمان، بس عيونها ما فيها لا ذل ولا انكسار، كانت واقفة بكل كبرياء تبيع وتشتري وتكلم الناس بابتسامة حقيقية.
قلبي دق بسرعة، وخطيت عليها خطوة، وهي شافتني، ابتسمت بكل هدوء وقالت
السلام عليكم يا سعاد.. إزيكِ؟
عليّ النعيم يا مروة.. إزيكِ يا حبيبتي؟.. وكنتِ فين؟ كل ده وأنا بسال عنكِ..
أنا هنا.. قريبة منكم، بس مش في نفس المكان..
تعالي نتمشى شوية، عايزة أتكلم معاكِ.
سابت المحل لبنت كانت جنبها، ومشيت معايا لحد ما وصلنا لمكان هادئ، وقعدنا، وبصيتلها وقولت
سامحيني يا مروة.. سامحيني، أنا كنت غلطانة، ساعدته عليكِ وأنا ما كانش لازم، وكل اللي قلتله وكل اللي عملته.. كان غلط مني.
مروة حطت إيدها على إيدي وقالت بكل رحمة
ما تندميش يا سعاد.. اللي حصل حصل، وكل واحد ياخد نصيبه.. وأنا كنت عارفة إنكِ ما تعرفيش قيمتي، وما تعرفيش إيه اللي بيني وبين فالح.. وأنتِ أخته وطبيعي تقفي جنبه.
بس أنا خدعتكِ.. وكنتِ أديكي الفلوس وأنا حاسة إنكِ محتاجة ليّ..
وأنا كنت عارفة إنكِ بتعرفي حاجات.. بس ما كنتش عايزة أعمل مشاكل، كنت عايزة أحافظ على بيتي باي طريقة.. لحد ما اتأكدت إن البيت ده خلاص ما بقاش ليا.. فمشيت.
وكيف الحال دلوقتي؟ بتعملي إيه؟
اشتريت محل صغير بفلوس كان معايا من زمان، كنت بجمعهم من المصروف اللي كان بيديه ليّ، وبعت حاجات ذهب قليلة كنت أملكها، وفتحت المحل ده.. الحمد لله، بيكفيني وبيزيد، وعايشة أنا وابني في سكينة، ما حدش يأمرني ولا ينهاني، وكل قرش آخده تعبانة عليه، أطيب ألف مرة من إني آخذ وأنا مذلولة.
دموعي نزلت من عينيّ، وقولت
تستاهلي كل خير يا مروة.. وأنا لو في إيدي حاجة أساعدكِ فيها..
شكراً يا سعاد.. مساعدتي الوحيدة اللي أريدها منكِ.. إنكِ تبقي عادلة، وتشوفي الحق زي ما هو.. وتعرفي إن اللي بيتبنى على غلط، ما بيدومش.
اتفرقنا بعد كده، ورجعت البيت وأنا حاسة إن الدنيا اتغيرت في عينيّ، كلامها رنّ في وداني طول الليل، وقلبي معقود على فالح، مش عارفة إيه اللي هيحصل له.
الجزء الرابع ما بيتبنى على باطل يبقى هالك
عدى شهر تاني، واتصل بي فالح في يوم، وصوته كان تالف جداً، وقالي
تعالي يا سعاد.. بسرعة.. هلا سابتني.
إيه؟ إيه اللي بتقوله؟
سابتني وأخذت معايا نص الفلوس.. وسافرت.. وقالتلي إنها ما تحبنيش.. وإنها كانت محتاجة تضمن مستقبلها.. وإنني غبي لما صدقتها..
وين الفلوس الباقية؟ والفيلا؟
الفيلا كانت باسمها من زمان.. وأنا اللي وقّعت.. ما بقاش معايا حاجة تقريباً..
نزلت له، ولقيتو قاعد في شقة قديمة استأجرها، ما عندهش غير حاجات قليلة، وشه عجّل عليه السن، وكأنه عشر سنين مروا عليه في شهور قليلة، ولما شافني عيط زي الطفل الصغير وقالي
خسرت كل حاجة يا سعاد.. خسرت مروة اللي كانت بتحبني بجد.. وخسرت الفلوس.. وخسرت حياتي كلها.. أنا وحيد دلوقتي..
قعدت جنبه ومسكت إيده وقولت
مش وحيد.. أنا معاكِ.. ربنا موجود.. وكل حاجة بتعدّي..
ليتني سمعت كلام مروة من زمان.. ليتني ما خنتش الأمانة اللي كانت بيننا.. كانت تقول لي الفلوس ما تجيب السعادة يا فالح، وأنا كنت أضحك عليها وأقولها إنها ما تعرفش حاجة.. دلوقتي عرفت إنها كانت صادقة.. السعادة مش في الفلوس.. السعادة في اللي بيتحبك لشخصك مش للي معاك..
الندم ما بينفعش دلوقتي يا فالح، بس التوبة تنفع..
أتوب.. بس من اللي أتوب؟ أنا خسرت كل حاجة.. مروة هتسامحني؟
ما أعرف.. بس المحاولة مش بتضر..
مرّت الأيام، وفالح بدأ يتغير، رجع يصلي، وبيصحى الفجر، وبيشغل نفسه بشغل بسيط، وكل يوم بيمشي يمرّ من جنب محل مروة، يشوفها من بعيد، ما يقدرش يقرب منها، لحد ما في يوم قرّر يروح لها.
دخل المحل، ومروة شافته، وشافت الحال اللي وصل له، هزّته الرحمة، وقالتله
السلام عليكم.. إزيك؟
وعليكم السلام.. أنا بخير.. الحمد لله.. جيت.. جيت أشكركِ عشان ما نسيتني.. وأنا جيت أطلب منكِ السماح.. سامحيني.. لو تقدرى..
مروة بصّت له بكل هدوء وقالت
أنا سامحتك من زمان يا فالح.. يوم ما طلعت من البيت، قلت في نفسي سامحيه عشان يرتاح قلبي أنا مش هو.. وأنا فعلاً سامحتك.. بس مش كل غلطة بتتنسي بسهولة.. والثقة بتتبنى في سنين وتكسر في لحظة..
أعرف.. وأنا مستاهل كل اللي جرالي.. وكل اللي أنا فيه دلوقتي هو جزائي..
ربنا يعوض عليك.. ويرد لك حقك..
حقي رجع.. لما شفتكِ بخير.. ده يكفيني..
طلع من عندها وهو حاسس براحة ما حسّها من زمان، عرف إن السماح مش معناه الرجوع لما كان، لكنه معناه التخلي عن الحقد والكره، وبداية طريق جديد.
الجزء الخامس العبرة والخاتمة
وبكده مرّت السنين، وكل واحد فينا أخد طريقه، مروة كبر محلها وبقت عندها معرض كامل للخضار والفاكهة، وابنها كبر واتعلم وبقى شاب مهذب، وكانت عايشة في سكينة وراحة بال ما يقدّرها بثمن.
وفالح رجع شغل، وبنى نفسه من جديد، بفلوسه وتعبه، وبقى إنسان بسيط، يعرف قيمة الكلمة الطيبة والقلب الصافي، وكل فترة بيشوف مروة وابنها، ويحس بالسعادة إنهم بخير، ورضي باللي قسمه له ربنا.
وأنا.. أنا كنت اللي خسرت أكتر حاجة، خسرت الثقة بنفسي وبالناس، بس تعلمت الدرس الغالي، إن العدالة الإلهية قائمة، وإن اللي بيعمل خير يلقاه واللي بيعمل شرّ يلقاه، وإن المال والجاه زائلان، وما يبقى غير العمل الصالح والقلوب النقية.
كنا نجتمع أحياناً في بيتي، أنا ومروة وفالح، نجلس ونأكل ونشرب، ولا نكلم في الماضي، نكلم في الحاضر والمستقبل، ونحمد الله على كل حال، وعرفنا إن الحب الحقيقي ما بيتقاسش بالفلوس، وإن السعادة مش في ما نملك، بل في كيف نعيش وكيف نعامل الناس.
وكانت مروة كل مرة تضحك وتقول
الحمد لله على كل حال، ما كان في الخير إلا ما اختاره لنا ربنا.
وفالح يردّ عليها بنظرة امتنان
صدقتي.. الخير كله في الرضا بما قسمه الله.
وأنا كنت أسمعهم وأبكي من الفرح، لأننا رجعنا لبعض، مش بالعلاقات القديمة، بل بالحب والاحترام، وعرفنا إن الدنيا دين، وإن كل دمعة ذرفناها وكل ضحكة ضحكناها محسوبة عند رب العالمين.
وهكذا انتهت قصتنا، تعبنا واتعلمنا، خسرنا وكسبنا، وتبقّى لنا العبرة الكبيرة
لا تظلموا أحداً، ولا تستهينوا بقلب أحد، فإن الزمن دوّار، والقلوب عند ربها، وما بيتبنى على
غلط لا يدوم، وما كان لله يبقى ويدوم.

تم نسخ الرابط