التابوت اللى اتفتح حكايات ليان
إن التحاليل أثبتت إن في جسمها مادة مخدرة قوية مادة بتعمل غيبوبة تشبه الموت وإنها اتعطيتلها عن طريق الشاي اللي كانت بتشربه ليلة ما حصلت. السم أو المخدر ما كانش قاتل لوحده، بس لو دفنت وهي كده، كانت تموت حتمًا اختناقاً جوه التابوت.
الكلام ده خلّى الدم يتجمد في عروقي. ده مش مجرد حادثة. ده محاولة قتل كاملة ومحكمة. حد خطط لكل حاجة إعطائها المادة، استدعاء دكتور موثوق يعلن موتها، ترتيب الجنازة في نفس اليوم عشان ما حد يسال أسئلة، ودفنها بسرعة قبل ما أي حد يكتشف إنها عايشة.
وكل الخيوط كانت بتوصل لنفس المكان بسمة.
في اليوم الرابع، فيروز فتحت عيونها. كانت ضعيفة جداً، بس عيونها لما شافتني مليانة دموع وفرح. جنى صرخت من الفرح وقفزت عليها، وبعدين جت مرفت. لما شافت فيروز، فيروز بكيت وقالت بصوت ضعيف ماما... كنتِ جيتي فعلاً؟
كان مشهد يكسر الحجر. الاتنين احتضنوا بعض وهما بيعيطوا، وأنا واقف جنبهم حاسس إن أخيراً ابتدينا نعرف الحقيقة.
بعد ما هدّوا شوية، طلبت من مرفت وجنى يخرجوا شوية عشان أتكلم مع فيروز لوحدنا. قعدت جنبها ومسكت إيدها.
حبيبتي... قوليلي اللي حصل ليلة ما تعبتي. مين كان معاكي؟ مين اللي عمللك الشاي؟
غمضت عيونها شوية بتذكر، وبعدين فتحتها وبصّت لي بخوف. كانت بسمة... هي اللي جاتلي الأوضة وقالتلي تعبانة عشان شغلي كتير، وعملتلي شاي بالنعناع زي ما بحبّ. شربته وبعدين حاسّة بدوخة شديدة... وآخر حاجة افتكرها إنها كانت واقفة جنبي وبتنظرلي بنظرة غريبة... باردة.
قلبي اتقبض. وهل كان في حد تاني معاكم؟
هزّت راسها. لا... كنا لوحدنا. وبعدين لما جيت أصحى، لقيت نفسي جوه تابوت... مظلم... ومسمع صوت الناس فوقي... كنت حاسة إني هموت من الخوف يا حازم... شكراً إنك صدقتني وسمعت الكلام.
مسحت دمعة نزلت من عينها. بس ليه يا حازم؟ ليه بسمة تعمل فيا كده؟ أنا ما أذيتها في حاجة أبداً...
تنهدت بوجع. ده اللي لازم نعرفه يا حبيبتي. لازم نعرف السبب الحقيقي.
طلعت من الغرفة وعينى بتدور على بسمة. لقيتها واقفة في نهاية الممر، واضح إنها سمعت الكلام. وشها كان شاحب، ويدها بتترعش. لما شافتني قربت، لفتّ عشان تهرب، بس ناديت عليها بصوت حازم
ما تمشيش يا بسمة. تعالي هنا.
وقفت مكانها كأنها اتسمرت. مشيت خطوات ناحيتها، ولما بقيت قدامها، شفت الخوف اللي مالي عيونها خوف حقيقي مش مصطنع.
سمعتِ اللي فيروز قالت صح؟ قلت لها بهدوء مخيف. هي اللي عملتلك الشاي، وهي اللي كانت معاكي ليلة كده. أنا مش عايز أصدق إنك إنسانة قادرة تقتل إنسانة معاكِ في البيت. قوليلي إن فيه حد تاني. قوليلي إنك مجبرة. قوليلي أي حاجة أقدر أصدقها.
بسمة بدأت تعيط بصوت مكتوم. يا حازم... ما كانش قصدي... صدقيني... ما كانش قصدي تموت... كنتِ عايزة بس...
عايزة إيه بس؟ قلت بقوة. عايزة إيه؟
قبل ما تجاوب، صوت مألوف جالنا من ورا هي كانت عايزة تخلّيها تموت عشان تاخد كل حاجة يا حازم.
لفّيت لقيت مازن أخويا الأصغر واقف وراينا. وشه كان تعبان ومكروب، وشعره متشابك زي ما ما نامش من يوم ما حصل كل ده. بسمة لما شافته، عيطت أكتر وغطّت وشها بإيديها.
مازن... قلت له بدهشة. إنت تعرف حاجة؟
نعم براسه ببطء وعيونه مليانة دموع. أنا عرفت كل حاجة امبارح يا حازم... وكنت خايف أقولك. خايف من العواقب وخايف منها هي.
قرب منّا وقعد على مقعد في الممر، وأنا وبسمة بقينا واقفين قدامه. بدأ يتكلم بصوت هادي وموجوع
بسمة من يوم ما اتجوزنا، كانت طموحة جداً جداً. ما كانتش عايزة تبقى مجرد مرات أخوك. كانت عايزة تكون ليها سلطة، ليها كلمة، تتحكم في الشغل وفي الفلوس. ولما فيروز كانت معاكِ، كانت حاسّة إن فيروز هي السبب في إنك ما تديهاش الثقة اللي هي عايزاها. كانت تقوللي إن فيروز بتأثر عليك، وإنها لو فضلت معاكِ، أنا وهي عمرنا ما هناخد مكاننا الحقيقي في الشركة دي.
بسمة صرخت مازن اسكت! إزاي تقول كده؟!
لأ مش هاسكت! ردّ عليها بقوة. كفاية خوف يا بسمة! كفاية ما كنتِ بتتحكمي فيا! أنا سكتّ كتير، وآخر حاجة توقعتها إنك تؤذي فيروز الإنسانة الطيبة دي اللي ما عملتلنا حاجة!
وبصّ لي تاني اللي حصل يا حازم إن بسمة عرفت إن فيروز ورثت فلوس كتير من العيلة اللي ربتها فلوس لو حصلّها أي حاجة، تروح كلها لورثتها وإن الوريث الوحيد ليها بعدك أنتِ وجنى هي...
سكت شوية وبصّ لبسمة بألم. هي. بسمة كانت خططت إنها تثبت إن فيروز ما عندها أهل، وبعدين تموت فيروز، وبعد شوية تطلع أوراق تثبت إن فيروز كانت كاتبة وصية تديها كل فلوسها عشان تعتني بجنى. وكنت عايزة تاخد كمان نصيب فيروز في ميراث الأب والأم كمان.
الكلام ده صعقني. كل ده عشان فلوس؟ عشان طمع؟ يقتل إنسانة؟ ويعرض حياة عيلة كاملة للدمار؟
والدكتور لؤي؟ سألت. هو معاها في ده؟
مازن هزّ راسه. بسمة كانت دافعة له مبلغ كبير كل فترة عشان يغضّ الطرف عن حاجات صغيرة في البداية فواتير، تقارير طبية ولما قررت تعمل الحاجة الكبيرة، خليه يشارك معاها. هي اللي جابتله المادة، وهي اللي رتبت كل حاجة.
بسمة وقعت على الكرسي وبكت بصوت عالي. كنت غلطانة... كنت غلطانة وندمانة... بس والله ما كنتش عايزة تموت فعلاً! كنت فاكرة هنعالجها في مكان تاني ونخليها تختفي... ما حدش كان هيعرف! بس الحبل اتقطع والتابوت اتفتح وكل حاجة اتقلبت!
وإنتِ يا أمي؟ قلت بصوت تقيل. أنتِ كنتِ عارفة بكل ده؟
صوت أمي جالنا من ورا. كانت واقفة بتبكي بمرارة. عرفت بجزء منها يا حازم... عرفت إن بسمة بتخطط لحاجة لفيروز من فترة. بس كنت خايفة أتكلم! كنت خايفة إن الحقيقة تطلع وتفضح العيلة كلها! كنت فاكرة إني بحميكم لما أسكت... وطلعت بدمركم بسكوتي.
قربت من بسمة وبصّتلها نظرة أخيرة نظرة خيبة أمل كبيرة. أنتِ كنتِ قريبة مني يا بسمة. كنتِ أثق فيكِ أكتر من نفسي. واللي عملتيه ده مش عشان فلوس بس... ده عشان إنك ما حبيتيش حد غير نفسك أبداً. ولما فيروز جت، حاسّيتي إنها أخذت مكانك اللي كنتِ حاسّة إنك تستحقيه.
وبعدين ناديت الممرضة وطلبت منها تستدعي الشرطة. لما شافت البوليس، بسمة ما قاومت. قامت وقفت ببطء، وشها خالي من الحياة، وسلمت نفسها لهم. ومازن وقف جنبي وقال أنا مستعد أدفع تمن غلطتي يا حازم. أنا سكتّ كتير وشاركت بالسكوت.
حطيت إيدي على كتف أخويا. أنتِ اعترفت وقلت الحقيقة. ده كفاية دلوقتي. والباقي للقانون.
الجزء الثالث الحقيقة الكاملة والبداية الجديدة
بعد أسبوع، طلعت فيروز من المستشفى. الحمد لله، كانت بصحة كويسة، والآثار الجسدية اختفت بسرعة. بس الآثار النفسية كانت محتاجة وقت الخوف من الموت، من الخيانة، من الناس اللي كنتِ بتثق فيهم.
اتصلنا بمحامٍ، وبدأت الإجراءات القانونية. بسمة والدكتور لؤي اتقبلا، والتحقيقات كشفت كل حاجة الفلوس اللي كانت بتدفع للدكتور، الرسائل بينهم، وكل التفاصيل اللي بسمة خططتها بدقة رهيبة. طمعها كان أعمى عينها عن كل حاجة، لحد ما نسيت إن
في حاجات اسمها الحقيقة، وإن الحق بيطلع مهما طال الزمن.
أمي جاتلي في البيت بعد ما رجعنا، وقعدنا مع بعض في الصالة، وفيروز وجنى ومرفت كانوا جوا الحديقة بيضحكوا ويتكلموا صوت حلو طالما حرمنا منه كتير.
سامحني يا حازم قالت أمي وعيونها مليانة دموع. ما كانش ينبغي لي أسكت. كان لازم أكون أمك اللي تحميكم مش اللي تخفي الأسرار.
مسكت إيديها. أنا مسامحك يا أمي. بس لازم نتعلم من ده. الأسرار ما بتبقى مدفونة للأبد. بيوم بتطلع، ولما بتطلع بتكون أتقل وأوجع بكتير.
وبعدين سألتها عن حاجة كانت شاغلة بالي من أول ما سمعت كلام مرفت. وأنتِ عرفتِ إن فيروز متبناة من زمان؟
أمي هزّت راسها. عرفت من أول يوم جات لبيتنا يا حازم. ما حبيتش أقولك عشان ما يفرق بينكم. وكنت فاكرة إن ده سر بيتفهمه الكل وينتهي. لحد ما مرفت جات يوم الجنازة... وخفت إن الحقيقة دي تسبب مشاكل كبيرة.
ابتسمت بحزن. والحقيقة اللي اكتشفتها إن الأسرار ما بتجمعش حد يا أمي. بتفرّق بس.
مرّت شهور، والحياة بدأت ترجع لمجراها بس بشكل مختلف. فيروز قررت تعرف على مرفت أكتر، واتقربت منها بكل قلبها. كانت بتقول عندي أمين حلوين أمي اللي ولدتني وانتظرتني، وأمي اللي ربتني وحبتني. والاتنين عندي في قلبي.
أمي نوال ومرفت أصبحوا صديقتين كبار، واللي مرّ بينهم خلّاهم يفهموا بعض أكتر. كل واحدة مرّت بآلامها وأسرارها، واتقابلن في النهاية على حبّ واحدة بنت.
مازن ساب الشركة فترة عشان يرتاح ويعيد حساباته، واتصالحنا أخويا بجد، وما حصلش يغير ده. بس عرفنا كلنا إن الثقة ما بتبنيش في يوم وليلة، وإن اللي بيتكسر محتاج وقت كتير عشان يتصلح.
بسمة حكمت عليها المحكمة بالسجن، وكل خططها وطمعها رجع عليها وبال. الناس اللي بتبني حياتها على حساب غيرها، ما بتعيشش غير حياة خوف وقلق، ولما بيتكشف الستار، ما بتبقاش معاهم حاجة.
أنا وفيروز قضينا وقت كتير مع بعض، نعيد بناء حياتنا على أساس أقوى صراحة كاملة، ثقة ما تتزعزعش، وعدم إخفاء أي حاجة مهما كانت صغيرة. كنا عرفنا إن أقوى عداوة وأقرب خيانة بتجيك من اللي حواليك، فقررنا نكون جنب بعض في كل حاجة.
وفي يوم من الأيام، كنا قاعدين جنب بعض في الحديقة بعد العصر، وفيروز رأسها على كتفي، وقالتلي بصوت ناعم أتذكر يوم الجنازة؟ كنت حاسة إن الدنيا كلها ضاقت بيّ، وإن مفيش أمل.
شديت على إيدها. وأنا كنت واقف قدام التابوت وما عرفتش إن الحياة رجعتلي من جواه.
ابتسمت وبصّت لي. الحمد لله إن الحبل اتقطع.
ضحكت. الحمد لله. بس الحمد لله أكتر إنك رجعتلي.
سكتنا شوية، والشمس بتغرب ببطء وبتلون السما بألوان حلوة. وفكرت في كل اللي مرّ بينا الأسرار، الخوف، الخيانة، ولقمة العودة والحب. وعرفت إن اللي حصل ده كان درس كبير ليا وللعيلة كلها
التابوت ده ما كانش لفيروز بس. كان تابوت لكل الأسرار القديمة اللي دفناها جوه قلوبنا. ولما اتفتح، موتنا حاجات كانت تموت من زمان الخوف، الكذب، والخيانة وخلّى الحياة تبدأ من جديد.
ما فيش سر بيدوم للأبد. وما فيش حقيقة مدفونة تفضل كده. بيوم تطلع، ويا إما تقتلك، يا إما تخلّيك أقوى بكتير. ونحن اخترنا نكون أقوى.