التابوت اللى اتفتح حكايات ليان

لمحة نيوز

اللي قالت إنها أم فيروز الحقيقية لسه واقفة مكانها عند البوابة، دموعها سايلة على خدّيها، وبتبصّ لفيروز بنظرة مليانة ألم وفرح في نفس الوقت.
قربت منها خطوة. كنت حاسس بالذنب الكبير اللي جوايا أنا اللي أمرت الأمن يخرجوها، أنا اللي ما سمعتهاش.
تعالي معايا قلت لها بصوت خشن. تعالي نشوفها مع بعض.
عينيها اتوسعت، وابتسامة ضعيفة ظهرت على وشها. هزّت راسها ببطء ومشيت جنبي، وما نطقتش بكلمة تانية لحد ما ركبنا السيارة.
في الطريق للمستشفى، الصمت كان مالي المكان كله. كنت حاسس إن في جوايا بركان مستني يفور. كلام مرفت إن فيروز عرفت بيها من سنتين كلام بسمة عن إن الست دي جاية عشان الفلوس ردّة فعل أمي لما سمعت الكلام كل ده بيدور في دماغي زي العجلة. ولما تذكرت إن الدكتور لؤي هو اللي قاللي إن فيروز ماتت، وإن بسمة هي اللي رتبت كل حاجة حتى الاتصال بالدكتور وبالإسعاف وبالمقابر بدأت أشك في كل حاجة حصلت في الليلة الفاتت.
وصلنا لمستشفى خاص كان متعاقد مع شركتنا، فدخلنا فيروز بسرعة للعناية المركزة. أنا واقف برا الغرفة، ومرفت جنبي، وجنى بينّا. بعد نص ساعة، الدكتور طالع لنا، وشه مش متطمن خالص.
الحالة مستقرة حالياً قال لنا. بس اللي غريب جداً يا أستاذ حازم إن التحاليل الأولية بتقول إن جسمها مفيهوش أي أثر لمرض خطير أو نوبة قلبية زي ما كان المفروض. ضغطها منخفض جداً ومعدة شوية، بس ده مش سبب موت أبداً.
قلبي دق بقوة. يعني إيه يا دكتور؟ الدكتور لؤي قال إن قلبها وقف وما قدرش يرجع تاني!
الدكتور هزّ راسه بحرارة. أنا مش عايز أتكلم بغير دقة، بس اللي شايفه هنا إن حالتها تشبه حالة إن حدّدلها مادة تخلّيها تغيب عن الوعي لفترة طويلة جداً مادة تضعف النبض والتنفس لحد ما حد يظن إنها ماتت. محتاجين نعمل تحاليل أدق عشان نتأكد، بس ده اللي بيبدو لي.
الكلام ده ضربني زي الصاعقة. حدّدلها حاجة؟ يعني فيروز ما مرضتش أصلاً؟ يعني حد عمل فيها حاجة عشان كلنا نصدق إنها ماتت؟
ولفتّ لقيت أمي وبسمة وصلوا. أمي كانت بتتنفس بصعوبة، وبسمة كانت واقفة وراها شايلة كيس ملابس زي ما كانت مستعدة تقعد كده وقت طويل. لما سمعت كلام الدكتور، وشها اتغيّر، بس مش من الحزن من الصدمة والقلق اللي ما عرفت تخفيه.
بسمة قلت بصوت هادي لكن حادّ. أنتِ اللي اتصلتي بالدكتور لؤي ليلة أمس صح؟
بلعت ريقها واتأخرت شوية قبل ما تجاوب. أيوه يا حازم... لما شفتها مش بترد عليّ، خفت واتصلت بيه.
وإنتِ يا طنط نوال بصّت لأمي. أنتِ كنتِ جوا الأوضة لما جاء الدكتور لؤي صح؟ شفتي بعينك إنه فحصها وقال إنها ماتت؟
أمي رجعت خطوة لورا، واتشبكت في حاجة في إيديها. آه... آه يا ولدي، دخل وشافها وقال الكلام ده... إزاي تكلمني كده؟
لأن الدكتور هنا بيقول إنها ما كانتش مريضة أصلاً! رديت عليها بقوة. يعني إما الدكتور لؤي كذب، وإما حد عمل فيها حاجة، وإما الاتنين مع بعض!
الكلام وقع عليهم زي الحجر. بسمة كانت عايزة تتكلم بس ما عرفتش. أمي سكتت تماماً وبصّت في الأرض. وساعتها عرفت إن في سر بينهم سر كبير ومرعب.
بعد شوية، طلبت من مرفت تيجي معايا لغرفة الانتظار بعيد عنهم. قعدنا جنب بعض، وهي اللي بدأت تتكلم أول بصوت هادي وحزين.
أنا ما جيتش عشان فلوس يا حازم... صدقني. فيروز لقتني من سنتين، بعد ما بحثت عني كتير. عرفت إن اللي ربوها عيلة كانت غنية ماتوا، وإنها كانت وحيدة. قابلنا كذا مرة، وكانت بتعاملني بكل حب وكرامة. ما طلبتش منها درهم ولا قرش. كل اللي كنت طلبته منها إنها تيجي تعيش معايا شوية، أو حتى أزورها.
سكتت شوية ومسحت دموعها. بس كانت خايفة.
خايفة من إيه؟ سألتها بتركيز.
خايفة من العيلة اللي حولها قالت مرفت بجدية. قالتلي إن في ناس في عيلتك ما بيحبوهاش، وإنهم بيخافو منها، وإن لو حصلّها أي حاجة، محدش هيصدقها. قالتلي إن حاسّة إن عايشة في بيت مش بتاعها، وإن كل واحد حوالين بيحسب عليها.
الكلام ده خلى جسمي يقشعر. فيروز كانت بتقولي إنها مبسوطة، إنها تحبّ العيلة، إن كل حاجة تمام. ليه كذبت عليّ؟ ولا ليه كانت خايفة تقولّي الحقيقة؟
ومين بالظبط اللي كانت خايفة منه؟ سألتها.
هزّت راسها ببطء. ما قالتلي اسم حد بالظبط. بس قالتلي إن فيه واحدة من العيلة بتدير كل حاجة من ورا الظهر، وإنها اللي متحكمة في كل حاجة في الفلوس، في الشغل، وحتى في البيت. وقالتلي إن لو راحت عن بالها أي حاجة، ممكن تتدمر حياة أي حد.
ما احتجتش أسأل مين دي. عرفتها من أول كلمة بسمة.
بس ليه؟ ليه بسمة تعمل كده؟ فيروز ما أذيتها في حاجة أبداً. وعلاقتي ببسمة كانت كويسة هي مرات أخويا، مديرة شغلي، الوحيدة اللي أثق فيها في الشغل. ليه تكره فيروز للدرجة دي؟
قمت وقفت. مرفت، خليكِ هنا جنب بنتك. أنا رايح أشوف حاجة وتعالى.
رجعت لمكان ما أمي وبسمة قاعدين. لما شافوني قربت، بسمة قامت وقفت.
يا حازم... لازم نفهم إيه اللي بيحصل... بدأت تقول.
نفهم إيه؟ قلت لها ببرود تام. نفهم ليه الدكتور لؤي قال إن فيروز ماتت وهي عايشة؟ نفهم ليه كل حاجة اتدبرت بسرعة جنازة في نفس اليوم؟ نفهم ليه لما الست اللي قالت إنها أم فيروز جات، كنتِ أول واحدة قالتلي إنها جاية عشان الفلوس؟
وش بسمة اتغيّر للون الأحمر الغامق. أنا كنت خايفة عليك يا حازم! كنت عايزة أحميك من ناس طامعة!
تحميني؟ ضحكت بصوت عالي وموجوع. ولا كنتِ بتعملي كل ده عشان تخلّي حد ما يكتشف حاجة؟ حاجة كبيرة كنتِ خايفة تطلع للنور؟
أمي قامت وقفت بينا. كفاية يا حازم! بتتكلم زي ما هي عملت حاجة! ده كله تخمين وما عندك دليل!
الدليل جوه الغرفة دي يا أمي! أشرت بيدي لغرفة العناية المركزة. فيروز نفسها هي الدليل! ولما تقدر تتكلم، هنعرف كل حاجة!
بصّت لأمي نظرة طويلة. وأنتِ يا أمي... أنا شايفكِ خايفة من حاجة. شايف الكلام ده ماشي معاكي. ليه ما تقوليلي الحقيقة؟ إنتِ ليه كنتِ عايزة تدفنوها بسرعة من غير حتى نكشف إيه سبب موتها؟
أمي نزلت دمعة وغمضت عيونها كأنها بتتألم. يا ولدي... في حاجات أحسن ما تدفن... صدقني... في حاجات لو طلعت، هتدمر العيلة كلها.
العيلة اللي بنحبّها ولا العيلة اللي بنخفي وراها الجرايم؟ سألتها بوجع.
ما ردّت. بس دموعها زادت، وسكتت تماماً.
في اليوم ده، قضيت الليل كله في المستشفى. جنى نامت على الكنبة جوا الغرفة، وأنا قاعد جنب سرير فيروز، ماسك إيدها اللي كانت دافية وإن كانت ضعيفة. مرفت كانت قاعدة في برا، وما رضيتش تروح بيتها. بسمة رجعت البيت بعد ما حاولت كتير تقنعني أروح معاها وما قدرتش. أمي بقيت معايا لحد الفجر، وبعدين رجعت بيتها وهي ما تكلمنيش بكلمة تانية.

الجزء الثاني الأسرار اللي بتطلع واحدة واحدة
مرّت تلاتة أيام، وحالة فيروز بدأت تتحسّ ببطء. الدكتور أكد لنا
تم نسخ الرابط