التابوت اللى اتفتح حكايات ليان
التابوت اللي اتفتح
لسه كانوا منزلين تابوت مراتي في القبر، وفجأة حبل من الحبال اتقطع... وغطا التابوت اتفتح لوحده.
أمي وشّها اصفر مرة واحدة.
همستلي
غطّيها بالتراب بسرعة... ومتَبُصّش جواه.
أنا ما صرختش.
طلعت موبايلي واتصلت بالإسعاف.
واللي المسعفين اكتشفوه بعدها بدقايق، حوّل جنازة عادية لبداية تحقيق مرعب هيكشف أسرار مدفونة جوه عيلتي بقالها سنين.
كان صباح شتوي ساقع، والضباب مالي المقابر ومخلي الرؤية شبه معدومة.
أنا حازم الشاذلي، عندي تسعة وأربعين سنة، ورجل أعمال وصاحب مجموعة شركات الشاذلي.
كنت واقف قدام تابوت خشب بسيط، جواه فيروز... مراتي وحبيبتي اللي عشت معاها اتنين وعشرين سنة.
الليلة اللي فاتت، الدكتور لؤي، دكتور في عيادة خاصة، قالّي إن فيروز ما قدرتش تنجو من أزمة مفاجئة وقوية حصلت في جسمها.
بنتي جنى، عندها تلاتة وعشرين سنة، كانت ماشية جنبي وهي حاضنة صورة أمها على صدرها، وعينيها وارمة من كتر العياط.
وراينا كانت أمي نوال، ساكتة خالص، وبتحرّك سبحتها الفضية بين صوابعها اللي كانت بتترعش.
وجنب العيلة كانت بسمة، مرات أخويا الأصغر مازن، واللي كانت ماسكة منصب مهم في شركتنا.
هي اللي رتبت كل حاجة بسرعة غريبة...
العزاء، والورد، والمواصلات، والورق، وحتى ترتيبات الدفنة.
وقتها كنت شاكرلها.
لكن بعد اللي حصل، هسأل نفسي سؤال واحد
هي كانت مجهزة لكل حاجة بالسرعة دي ليه؟
وأول ما وصلنا عند بوابة المقابر، صوت ست بتصرخ بيأس قطع سكون المكان.
كانت ست كبيرة في السن، لافة شال رمادي قديم حوالين جسمها، وحاضنة شنطة قماش صغيرة على صدرها، وبتترجى فرد الأمن.
أرجوك يا ابني، خليني أشوف فيروز... أنا أمها الحقيقية.
اتحركت ناحيتها وأنا متضايق.
قولتلها ببرود
أهل مراتي ماتوا من سنين. حضرتك مالكيش علاقة بالجنازة دي. لو سمحتي امشي.
الست بصتلي ودموعها مليت عينيها.
قالت وهي بتاخد نفسها بالعافية
هما ربوها بعد ما اتبنوها... بس أنا اللي ولدتها. اسمي مرفت عادل.
حسيت معدتي اتقبضت.
لكن اللي قالته بعدها خلاني أحس إن الأرض نفسها بتتحرك من تحتي.
فيروز لقتني من سنتين.
قبل ما ألحق أرد، أمي وقفت بينا.
وقالت بحزم
حازم، مش وقته خالص تسمع الكلام ده. مراتك محتاجة ندفنها في هدوء النهارده.
بسمة قربت مني وهمست
في ناس من الشغل وصحفيين بيراقبونا. لو الست دي جاية عشان فلوس، نتعامل معاها بعدين. متخليهاش تعمل دوشة هنا.
مرفت فتحت شنطة القماش بسرعة.
وقالت وهي بتعيط
معايا جوابتها... وصورها القديمة... وكمان تحليل DNA موثّق.
وبصتلي في عيني وقالت
أنا مش عايزة فلوسك يا أستاذ حازم. أنا كل اللي عايزاه أودّع بنتي.
كان ممكن أسمعها.
كان المفروض أسمعها.
لكن بدل ما أسمعها، أمرت الأمن يقفل البوابة.
وأنا ماشي ناحية القبر، صوت مرفت المكسور فضل يطاردني وسط الضباب
فيروز يا حبيبتي! أمك الحقيقية هنا!
لكن أنا فضلت ماشي.
رجالة الدفنة حطوا حبلين تقال تحت التابوت.
جنى كانت بتعيط في هدوء.
أمي شدت على السبحة أكتر.
وبسمة كانت واقفة ساكتة بشكل غريب.
وبعدين التابوت بدأ ينزل واحدة واحدة.
واحد...
اتنين...
تلاتة...
وفجأة
طَق!
واحد من الحبال المهترية اتقطع.
استنوا!
التابوت وقع على جنبه.
وقوة الخبطة خلت طرف من غطا التابوت يتفتح.
من غير ما أفكر، نطيت جوه القبر.
كام راجل جريوا علينا، وكلنا سوا قدرنا نطلع التابوت لفوق.
إيديا كانت بتترعش وأنا رفعت الغطا.
وش فيروز الشاحب ظهر قدامي.
لثانية كاملة، محدش اتكلم.
محدش حتى خد نفسه.
وبعدين...
إيدها اتحركت.
جنى صرخت
بابااا!
ومسكت دراعي.
ماما بتتنفس!
حطيت صوابعي تحت مناخير فيروز.
هوا.
ضعيف.
متقطع.
بس موجود.
مراتي كانت عايشة.
صرخت بأعلى صوتي
اتصلوا بالإسعاف بسرعة!
المكان كله اتقلب في لحظة.
ناس بتصرخ.
ناس بتجري.
ناس مش مصدقة اللي شايفاه.
والجنازة اللي كانت من دقايق هادية، اتحولت لفوضى كاملة.
لكن...
كان فيه تلاتة بس ما اتحركوش زي الباقيين.
أختي بسنت وقعت على ركبها، ووشها اتسحب منه الدم.
أمي نوال سابت الفون من إيدها ورجعت لورا وهي بتترعش.
أما بسمة...
الست اللي كانت مرتبة كل تفصيلة في الدفنة...
لفّت ببطء ناحية بوابة المقابر.
وبدأت تمشي.
جنى فضلت باصة عليها، مش فاهمة.
وبعدين بصتلي وقالت بصوت بيرتعش
بابا...
سكتت لحظة، وبعدين سألت
ليه طنط بسمة ماشية؟
بصيت لبسمة.
وبعدين بصيت لمراتي اللي لسه بتتنفس جوه التابوت.
وساعتها، لأول مرة في حياتي، سؤال مرعب دخل دماغي
لو فيروز ما كانتش ماتت أصلًا...
مين كان محتاج يخليني أصدق إنها ماتت؟
ما كنتش أعرف إحنا على وشك نكتشف إيه.
وما كنتش أعرف إن الحقيقة كانت واقفة جنبي طول الوقت.
والأخطر من كل ده...
إني ما كنتش أعرف إن اللي حصل في الجنازة دي كان مجرد أول خيط في سر هيقلب حياتي وحياة عيلتي كلها رأسًا على عقب.
الجزء الأول ما قبل الشمس ما تطلع
الدنيا كانت ساكتة سكون غريب، والضباب بيلفّ المقابر زي غطاء أبيض كثيف بيخفي كل حاجة وراه. أنا حازم الشاذلي، عندي تسعة وأربعين سنة، طول عمري راجل أعمال ما بثقش في حد بسهولة، واتعودت أدي الأوامر والناس تنفذها. لكن في اللحظة دي، واقف قدام تابوت مراتي فيروز، حاسس إن قلبي اتقطع نصين.
عشرين سنة وعايشين مع بعض، ما شفتش منها إلا كل خير. بنت البلد الأصيلة، اللي بتحبّ بكل قلبها، ما تعرفش الكلام المالح ولا الوشوشة ورا الظهر. لما مرضت قبل كده بفترة، كنت حاسس إن الدنيا كلها سابتني. ولما الدكتور لؤي قاللي ليلة الجنازة إن الرحمة جاتلها فجأة وقلبها وقف، حسّيت إن جزء منّي مات معاها.
بس اللي حصل في المقابر الحبل اللي اتقطع، الغطا اللي اتفتح، ويدها اللي اتحركت ده ما كان صدفة أبداً. وكل ما بصّت للي حولي، أكتر وأكبر اتأكدت إن في حاجة غريبة بتحصل، وإن الناس اللي كنت فاكرهم أقرب الناسي لي، هم اللي أخفوا عنّي أكتر الأسرار قسوة.
جنى كانت متشبكة في دراعي، عيونها مليانة دموع ورعب، وبتنظر لما تحت أيد فيروز اللي لسه بتتحرك ببطء وضعف. أمي نوال كانت واقفة ورايا، وشها مصفّر كالورق، وسبحتها الفضية بتتحرك بين صوابعها بسرعة جنونية زي ما كانت بتعوّد نفسها على حاجة. وبسمة مرات أخويا مازن، اللي رتبت كل حاجة من أول العزاء لحد الدفنة كانت بتلفّ وتمشي ناحية البوابة كأنها مش عايزة تشوف ولا تسمع حاجة.
بسمة! صرخت بصوت عالي هزّ المكان كله. تعالي هنا! إنتِ رايحة فين؟
مشيت خطوتين تانيين، وبعدين وقفت ببطء. لفتّ لي وشها، وشفت عيونها اللي ما كانتش فيها دموع أبداً. لا حزن، لا خوف ولا حتى دهشة. كانت عيونها باردة، خالية من أي إحساس.
يا حازم... قالت بصوت ناعم زي ما بتتعامل مع واحد مجنون. الدنيا بتبقى غريبة أحياناً. ممكن يكون اللي شفناه غلط. خليهم ياخدوها المستشفى ونشوف إيه اللي بيحصل.
كلامها كان معقول على الورق، بس في نبرة صوتها حاجة كذابة. حاجة ما تتناسب مع الموقف أبداً.
الإسعاف وصل بعد خمس دقايق بس، والطريق كله اتجمع ناس كتير معارف، جيران، ناس ما أعرفهمش جوا العيلة. لما شافوا فيروز بتتنفس، الكلام طار في كل حتة. معجزة! رجعت من الموت! كانت غريبة ما ماتتش! الأصوات بتتداخل وتتعالى، وأنا واقف جنب التابوت مش عارف أفرح ولا أقلق.
الدكتور اللي جابوه مع الإسعاف فحصها بسرعة، وبصّ لي بدهشة وقال النبض ضعيف جداً بس موجود. تنفسها بطيء بس ثابت. مش عارف أقولك إزاي حصل ده، بس لازم ننقلها المستشفى فوراً.
حطّوها على النقالة واتحركوا بيها، وأنا ماشي وراهم خطوة خطوة. جنى مسكت إيدي وسارت جنبي، وما سكتتش عن البكاء الهادئ اللي بيكسر القلب. لمّا وصلنا لعند السيارة، بصّت ورايا لقيت مرفت الست